آراء

كيف ينام من يعيش داخل خيمة في حر تموز ؟ غزة نموذجا !

9 مشاهدة
كيف ينام من يعيش داخل خيمة في حر تموز ؟ غزة نموذجا !

الكاتب : د. بسام سعيد
 
تبادر الى ذهنى كتابة هذا  المقال ، عندما قرأت ما كتبت احدى السيدات على صفحتها وتتساءل بسؤال استنكارى كيف حال الحر معكم فى الخيمة ؟ وهنا اقول لها ولغيرها  لقد جاء صيف وذهب صيف وهاهو الصيف الثالث نعيش فيه  والحال كما هو !
 عندما نتحدث عن الصيف في غزة، لا نتحدث عن حرارة عادية يمكن تجاوزها بمروحة أو مكيف أو حتى بفتح نافذة. نحن نتحدث عن خيمة من القماش، تحت شمس تموز، يعيش فيها أطفال وكبار سن ومرضى، لا يملكون سوى ما يخفف عنهم الحر بقدر ما تسمح به الظروف.
في النهار، تتحول الخيمة إلى مساحة خانقة. القماش يمتص حرارة الشمس ويحتفظ بها، والهواء في الداخل يصبح ساخنًا وثقيلًا . ومع مرور الساعات،يشعر الجالس داخلها أن الحرارة تأتيه من كل اتجاه، من السقف، ومن الأرض، ومن الهواء نفسه.
أما الليل،الذي ينتظره الجميع ليكون وقتًا للراحة، فلا يكون دائمًا كذلك . صحيح أن حرارة الشمس تختفي، لكن الخيمة تبقى محتفظة بحرارتها، ويصبح النوم معركة حقيقية، خاصة إذا اضطر أصحابها إلى إغلاقها من أجل الخصوصية أو خوفًا من الحشرات أو لأي سبب آخر . عندها يصبح الهواء أقل، ويزداد الشعور بالاختناق . أتخيل طفلًا يتقلب طوال الليل، يبكي من الحر ولا يعرف لماذا لا يأتيه النوم . وأتخيل أمًا تلوّح بقطعة كرتون علّها تصنع نسمة هواء لا تصل. وأتخيل شيخًا يضع يده على صدره، يحاول أن يلتقط نفسًا أعمق، فلا يجد إلا هواءً ساخنًا. وأتخيل مريضًا أنهكه الألم، ثم جاء الحر ليضيف وجعًا جديدًا إلى ما يحمله.وأكثر من يدفع الثمن هم كبار السن والمرضى والأطفال. الطفل يبكي لأنه لا يستطيع النوم ولا يفهم لماذا هذا الحر لا ينتهي . والمريض يحاول أن يجد وضعية تخفف عنه التعب، لكن الحرارة تزيد إرهاقه . أما كبار السن، فإن أقل ارتفاع في الحرارة قد يجعل النوم شبه مستحيل، وقد يزيد من شعورهم بالإجهاد والعطش.
فكيف يتصرف الناس فى هذا الجو الخانق حيث لاكهرباء،ولا مروحة ؟ فمن خلال الخبرة التى تجمعت لدى النازحين يحاول  الكثير منهم التعامل بكل الوسائل البسيطة المتاحة . يرفعون أطراف الخيمة كلما سنحت الفرصة ليدخل الهواء . يجلسون خارجها حتى ساعات متأخرة على أمل أن تنخفض الحرارة قليلًا . يرشون الماء حول المكان إن وجدوه، ويبللون قطعة قماش يضعونها على رؤوسهم أو أجساد الأطفال . يصنعون مراوح من الكرتون، ويحركونها لساعات طويلة، ليس لأنها تبرد الجو، بل لأنها تمنح إحساسًا بسيطًا بأن الهواء ما زال يتحرك . يشربون الماء كلما توفر، ويحاولون أن يجعلوا الأطفال في الظل معظم الوقت، ويؤجلون أي مجهود إلى ساعات المساء. لكنها كلها حلول تخفف المعاناة ولا تنهيها.
الحقيقة أن الإنسان يستطيع أن يتحمل كثيرًا، لكنه لا يعتاد على الحر الخانق داخل مكان مغلق . فالخيمة ليست مصممة لتكون بيتًا في تموز، ولا لتحتضن أسرة كاملة لأشهر طويلة. وما يعيشه الناس ليس مجرد انزعاج من ارتفاع درجات الحرارة، بل معاناة يومية تبدأ مع شروق الشمس ولا تنتهي بسهولة حتى بعد منتصف الليل.
قد يقرأ أحدنا هذه الكلمات وهو جالس في غرفة باردة، فيظن أن الأمر مجرد حر شديد . لكن من عاش ليلة واحدة داخل خيمة في تموز، يعرف أن النوم يصبح أمنية، وأن نسمة هواء قد تعادل في قيمتها أشياء كثيرة لا نفكر فيها ونحن نعيش حياتنا العادية.
ورغم كل ذلك، يستيقظ الناس في اليوم التالي، ويواصلون حياتهم بما بقي لديهم من صبر، على أمل أن يأتي يوم تصبح فيه الخيمة ذكرى، لا واقعًا يفرض نفسه كل صيف فمتى يأتي ذلك اليوم الذى طال انتظاره ؟!.

 *أكاديمي وكاتب