رئيس التحرير

قراءة ماركسية غرامشية في  الحالة الفلسطينية الراهنة

12 مشاهدة
قراءة ماركسية غرامشية في  الحالة الفلسطينية الراهنة

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير

في خضم الهجمة الشرسة التي تشنها الرأسمالية العالمية المعولمة، والتي تتخذ من الاحتلال الإسرائيلي ذراعها العسكرية الأكثر وحشية في المنطقة، نجد أنفسنا أمام مشهد فلسطيني معقد يتجاوز منطق الصراع التقليدي. إن ما نعيشه اليوم هو أزمة عضوية بامتياز، كما وصفها أنطونيو غرامشي، أي أزمة لا تقتصر على الاقتصاد أو السياسة، بل تشمل كل جوانب الحياة الفكرية والثقافية والأخلاقية. في هذا السياق، لم يعد اليسار الفلسطيني، بفصائله وأحزابه التقليدية، قادراً على تقديم مشروع تحرري طموح، بل أصبح يعيش حالة من التفكك والانغلاق دفاعياً، تاركاً الساحة للهيمنة الرأسمالية التي تعيد إنتاج علاقات الإنتاج الاستعماري، وللحركات الدينية التقليدية التي تملأ الفراغ الأيديولوجي، ولكنها قد لا تقدم بديلاً شاملاً يتجاوز المنطق الكولونيالي ذاته.

هنا، نستعين بفريدريك إنجلز في كتابه التأسيسي "أصل العائلة" لنفكك كيف أن هذه الهيمنة الرأسمالية، المقترنة بسياسات الاحتلال، لا تكتفي بتدمير مؤسسات الدولة الوطنية، بل تعمل على تفكيك الخلية الأساسية للمجتمع: العائلة، وما تحمله من وشائج اجتماعية وقيم تعاضد، وتحويلها إلى كيانات هشة تخضع لمنطق البقاء الفردي والصراع على الموارد.

تفكك الأحزاب اليسارية بين الجماهيرية والدوغمائية 

يمكننا قراءة أزمة اليسار الفلسطيني من خلال مفهوم غرامشي عن "المثقفين العضويين". فالمثقف العضوي هو ذلك الذي يربط الفكر بالممارسة، ويعبر عن مطالب الطبقة العاملة والفلاحين. لكن ما نراه اليوم هو تحول جزء كبير من كوادر اليسار إلى مثقفين تقليديين، منغلقين على إرثهم التاريخي وخطابهم المتصلب، أو إلى بيروقراطيين يديرون مؤسساتهم وكأنها شركات رأسمالية صغيرة، تنشغل بالصغائر وتغفل عن اللحظة التاريخية المفصلية.

هذا التفكك ناتج عن سببين رئيسيين:

اولا :  الهزائم المتكررة: أدت الانكسارات السياسية والعسكرية، وخاصة منذ اتفاقيات أوسلو، إلى فقدان الثقة ليس فقط لدى الجماهير، بل لدى الكوادر نفسها، مما خلق حالة من الدوغمائية أو الانسحاب إلى الداخل.
تأثير الرأسمالية المعولمة: أخضعت الرأسمالية، عبر آلياتها (المنظمات غير الحكومية الممولة خارجياً، برامج التكيف الهيكلي)، الأحزاب اليسارية لشروطها، فحولتها إلى جزء من "المجتمع المدني" المسيس الذي يخدم، في التحليل النهائي، ترسيخ الهيمنة الرأسمالية، بدلاً من أن يكون أداة لخلق نقيض لها.
هذا الفراغ الأيديولوجي والتنظيمي جعل القضية الفلسطينية تُطرح في الإعلام والسياسة الدولية كقضية إنسانية أو أمنية، مجردة من بُعدها الطبقي والاستعماري، مما سهل عملية تغول الرأسمالية على المقاومة، وجعل "التطبيع الاقتصادي" خياراً مطروحاً كبديل عن التحرر الوطني.

ثانياً: تغول الرأسمالية وإعادة إنتاج التبعية

حسب التحليل الماركسي، فإن الصراع في فلسطين هو صراع طبقي واستعماري في آن واحد. الاحتلال الإسرائيلي ليس مجرد عدو وطني، بل هو ممثل لأعلى مراحل الرأسمالية الإمبريالية في المنطقة. ما يسمى بـ "اقتصاد الاحتلال" يعمل كآلية لضخ رأس المال وسحب فائض القيمة من السوق الفلسطينية المشوهة نحو المركز الإسرائيلي-العالمي. هذه الآلية، التي تقوم على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج)، خلقت جيوباً من الفقر المدقع تعتمد بشكل كامل على السوق الإسرائيلية والأموال القطرية والأوروبية، محولة الفلسطيني من مواطن صاحب حق إلى "عميل" في نظام إنتاج هامشي.

هذا التغول الرأسمالي أنتج طبقة بورجوازية صغيرة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالمشروع الاستعماري (من خلال الترخيصات، المقاولات، والصفقات)، في حين توسعت شريحة البروليتاريا الفلسطينية التي تعمل في الداخل المحتل وفي المستوطنات كعمالة رخيصة. هذه البنية المشوهة قصمت ظهر المشروع الوطني، وضربت التضامن الطبقي، وجعلت النضال النقابي والجماهيري يضمر لصالح صراعات فردية وعائلية على لقمة العيش.

ثالثاً: انعكاسات التفكك على العائلة الفلسطينية: قراءة في "أصل العائلة" لإنجلز

هنا يأتي دور إنجلز الذي يشرح في كتابه أن تطور العائلة مرتبط بتطور وسائل الإنتاج. فالعائلة كيان تاريخي، تغير شكله ووظائفه من العائلة الموسعة القائمة على الملكية المشتركة في المجتمعات القبلية، إلى العائلة الأحادية التي خدمت انتقال الملكية الخاصة وقيام الدولة القمعية. في السياق الفلسطيني، كان للعائلة الممتدة (الحمولة أو العشيرة) دور حيوي في مقاومة الاقتلاع والصمود، حيث كانت تشكل شبكة أمان اجتماعي ونفسي واقتصادي.

ولكن تحت ضغط ثلاثي هو: الاحتلال القمعي، السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وتفكك الدولة الوطنية، نشهد تحولاً جذرياً في بنية العائلة الفلسطينية، يمكن تفكيكه كالتالي:

تفكيك وشائج التعاضد: أدى تآكل القطاع الزراعي التقليدي، الذي كان يمثل الأساس المادي للعائلة الموسعة، وتحوله إلى قطاع خدمي وريعي، إلى تضعيف الروابط الأفقية بين أفراد العائلة. أصبحت العلاقات عمودية وأكثر فردية، حيث يسعى كل فرد لإعالة نفسه في سوق عمل تنافسي ومحتل، مما يفسح المجال لمشاعر الإحباط والغربة.
أزمة الوظيفة الأبوية: في ظل البطالة المتفشية وغياب الأفق، يفقد الأب، المعيل التقليدي، مكانته الرمزية، كما يصف إنجلز عندما ترتبط السلطة الأبوية بالملكية. كما ان غياب الأمن الاقتصادي يخلق أزمة في القيادة داخل الأسرة، ويولد عنفاً أسرياً وطلاقاً وتفككاً، ليس بسبب أخلاقي، بل كنتيجة حتمية لضغط بنيوي يطحن الروابط الإنسانية.
تحول المرأة الفلسطينية: هذه الأزمة تحمل أيضاً تناقضاً. فمع تفكك العائلة التقليدية، ومع ارتفاع مستويات التعليم، تضطر المرأة الفلسطينية إلى الخروج للعمل في ظل ظروف قاسية، لتصبح هي المعيل الأول في كثير من الأسر. هذا، كما يلمح إنجلز، يحمل بذور تحرر محتمل من القيود الأبوية التقليدية، لكنه يتم في ظل أكثر أشكال الاستغلال رأسمالية قسوة، مما يضع المرأة في حلقة مفرغة بين تحرر وهمي واستغلال مضاعف.


رابعاً: حالة القهر والإحباط كأدوات للهيمنة الغرامشية

غياب الأمل هو أقوى أدوات الهيمنة. وهنا يؤكد غرامشي أن الدولة تنجح في هيمنتها ليس بالقوة فقط، بل عبر بناء "الوعي العام" المشوه. في فلسطين، تم بناء وعي مشوه عبر عدة عقود:

تطبيع الهزيمة: عبر وسائل الإعلام والمناهج، أصبحت فكرة أن "لا حل ممكنا" هي المسيطرة، مما يخلق جمهوراً سلبياً مستهلكاً.
الانفلات الأمني: تحول الكثير من الشباب الفلسطيني من الفعل السياسي الوطني إلى العنف العشائري أو الجنائي، كرد فعل يائس للتعبير عن الغضب، فينقلب الصراع من مقاومة احتلال إلى حرب أهلية على الموارد الضئيلة، مما يحقق بالضبط هدف الاحتلال في تقسيمهم وإضعافهم.
في هذا المناخ، يصبح الفرد الفلسطيني منعزلاً في همومه اليومية، يبحث عن الخلاص الفردي (الهجرة، الانعزال، أو الانخراط في شبكات العائلة الضيقة للنجاة) وتتفكك "الوشائج الاجتماعية" التي كانت تشكل نسيج المجتمع، ويحل محلها ما يمكن تسميته بـ "الأنانية القسرية"، وهي نتيجة حتمية لسيادة قيم السوق والمنافسة تحت النير الاستعماري.

نحو مشروع ثقافي تحرري جديد

إن قراءة الوضع الفلسطيني بمنظار ماركسي-غرامشي، مع العودة لإنجلز، تقودنا إلى نتيجة مفادها أن التحرر الوطني لا يمكن فصله عن التحرر الاجتماعي والثقافي. لقد أثبتت الأحزاب اليسارية التقليدية، بهياكلها المتصلبة، عدم قدرتها على قيادة معركة الهيمنة الثقافية في هذه المرحلة.

لذا فإن أزمة فلسطين اليوم هي أزمة مشروع حضاري وإن إعادة بناء اليسار تستدعي ما يلي :

-إنتاج خطاب جديد يجمع بين النضال ضد الاحتلال والنضال ضد الرأسمالية، ويكشف كيف أن الاثنين وجهان لعملة واحدة.
-إعادة اكتشاف دور المثقف العضوي الذي ينزل إلى الشارع والمصنع والحقل، ويعمل على ترجمة آلام الناس اليومية إلى وعي طبقي وسياسي ناضج.
-مواجهة تفكك العائلة ليس من خلال حنين رومانسي للماضي، بل من خلال خلق بدائل مجتمعية جديدة، تقدم الدعم الاجتماعي (كالحضانات والمطاعم الجماعية والتعاونيات) التي تحرر الأسرة من ضغوط الإنتاج الرأسمالي وتعيد بناء الروابط الاجتماعية على أسس جديدة من التضامن والعدالة.
بدون ذلك ، فإننا سنظل أسرى لدائرة مفرغة، حيث ينتج القهر الإحباط، وينتج الإحباط التفكك، ويعمق التفكك الهيمنة، ويظل الفلسطيني، الفرد والعائلة، يدفع الثمن الأغلى في غياب مشروع سياسي واجتماعي يليق بحجم التضحية.

لقد حان الوقت لليسار أن يقرأ الواقع كما هو، وليس كما يتمناه، وأن يستلهم من إنجلز وغرامشي روح النقد الثوري، ليبني من رماد التفكك قوة تحررية جديدة تكون قادرة على قيادة معركة التحرر الحقيقي: تحرير الأرض والإنسان معاً.