اسرى

ماهر يونس ..  من الزنزانة إلى ذاكرة الوطن 

7 مشاهدة
ماهر يونس ..  من الزنزانة إلى ذاكرة الوطن 

الكاتب : د. ياسر أبو بكر 

لم يكن خبر رحيل ماهر يونس خبرًا عابرًا بالنسبة لي . كان وجعًا شخصيًا، كما كان وجعًا لكل من عرفه في سنوات الأسر الطويلة . فمن عاش معه يدرك أن فلسطين لم تفقد أسيرًا محررًا فقط، بل فقدت إنسانًا استثنائيًا، عاش كبيرًا في عطائه، ورحل كبيرًا في محبة الناس.

عرفت ماهر يونس داخل سجون الاحتلال، حيث تتجرد الشخصيات من الأقنعة، ويظهر الإنسان على حقيقته. وهناك، كان ماهر كما هو دائمًا : قريبًا من الجميع، متواضعًا، هادئًا، كريم النفس، لا يتأخر عن خدمة أسير، ولا يبخل بكلمة طيبة، ولا يمر على وجع رفيق إلا ويحاول أن يخفف عنه . كان حضوره يمنح من حوله شعورًا بالألفة، وكأن الوطن استطاع أن يجد له مكانًا بين جدران الزنازين .

وكان من الصعب أن يُذكر اسم ماهر دون أن يحضر اسم رفيق دربه وابن عمه كريم يونس . شكّلا معًا واحدًا من أكثر الثنائيات حضورًا في تاريخ الحركة الأسيرة ، جمعتهما القضية، ووحدتهما الزنازين أربعين سنة كاملة. لكن لكل منهما نكهته الخاصة، فإذا كان كريم يمثل القامة الفكرية الصلبة، فإن ماهر كان القلب الدافئ الذي يتسع للجميع .

أربعون سنة من العمر ليست مجرد سنوات اعتقال،بل حياة كاملة قُدمت قربانًا لفلسطين . سنوات كان يمكن أن تُبنى فيها أسرة، ويكبر فيها أبناء ، وتتحقق فيها أحلام بسيطة يتمناها كل إنسان . لكن ماهر اختار، كما اختار رفاقه، أن يكون عمره جزءًا من عمر الوطن .

وعندما تحرر، لم يغادر فلسطين التي حملها في قلبه وهو خلف القضبان . بقي وفيًا لقضيته، قريبًا من الناس، متواضعًا كما عرفناه، يحمل سيرة الأسرى في مواقفه قبل كلماته.

يصعب أن يختصر مقال مناقب رجلٍ عاشه الناس أكثر مما سمعوا عنه . فهناك أشخاص لا يخلدهم المنصب، ولا الشهرة، وإنما أخلاقهم، وصدقهم، وأثرهم في قلوب من عرفوهم. وكان ماهر يونس واحدًا من هؤلاء.

اليوم نودعه، لكننا لا نودع سيرته. فالأوطان التي تنجب رجالًا من طراز ماهر يونس لا تفقدهم بالموت، بل تحفظهم في ذاكرتها، ليبقوا شاهدين على جيلٍ كتب معنى الصبر، وأثبت أن الحرية قد تُؤجل، لكنها لا تُهزم.

رحم الله ماهر يونس، وجعل سيرته الطيبة ووفاءه لفلسطين إرثًا تتناقله الأجيال، ودليلًا على أن بعض الرجال، وإن غابوا، فأنهم يبقوا حاضرين في ذاكرة الوطن، وفي قلوب من عرفهم .