آراء

هل تدخل إسرائيل مرحلة الفاشية الكاملة؟

37 مشاهدة
هل تدخل إسرائيل مرحلة الفاشية الكاملة؟

الكاتب : د. مروان أميل طوباسي 

إن الأزمة التي تشهدها إسرائيل اليوم لا تمثل انقطاعاً عن تاريخها السياسي ، بل تمثل امتداداً لمسار طويل من إعادة تشكيل الدولة وفق متطلبات المشروع الاستعماري الأستيطاني .
حيث لا تبدو الأزمة الأخيرة بين الحكومة الإسرائيلية والمحكمة العليا مجرد خلاف قانوني حول صلاحيات المؤسسات ، بل تعكس صراعاً أعمق على طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل داخل إسرائيل . فالتشكيك المتصاعد بقرارات المحكمة ، والدعوات الصادرة عن شخصيات في ائتلاف نتنياهو – بن غفير – سموتريتش إلى الحد من سلطاتها أو تجاوز أحكامها ، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المسار الذي بدأ قبل حرب الإبادة على غزة ، عندما طرحت حكومة بنيامين نتنياهو مشروعها لإعادة تشكيل السلطة القضائية وإخضاعها لهيمنة السلطة التنفيذية .

لقد شهدت إسرائيل في مطلع عام ٢٠٢٣ أكبر موجة احتجاجات في تاريخها ، اعتراضاً على ما سُمّي بـ"الإصلاح القضائي" . 
ولم يكن الاعتراض حينها محصوراً بالأحزاب المعارضة، بل امتد إلى الأوساط الأكاديمية والاقتصادية والعسكرية ، ووصل إلى آلاف من جنود الاحتياط الذين حذروا من أن المساس بإستقلال القضاء يهدد تماسك الدولة ومؤسساتها . 
وعندما اندلعت حرب الإبادة على غزة، تراجع هذا الصراع مؤقتاً تحت وطأة التعبئة العسكرية،لكنه لم ينته، بل عاد اليوم بصورة أكثر حدة، بعدما أصبح أكثر ارتباطاً بمستقبل الائتلاف الحاكم نفسه .

غير أن قراءة هذه الأزمة تستوجب الحذر من الوقوع في فرضية شائعة ، مفادها أن إسرائيل كانت نموذجاً "ديمقراطياً" مستقراً ثم بدأت اليوم تنحرف نحو السلطوية المطلقة . فهذا التوصيف يتجاهل حقيقة أن المشروع الصهيوني قام منذ نشأته على أساس أستعماري أستيطاني لا يمكن ان يكون ديمقراطيا ، وأن الشعب الفلسطيني لم يكن يوماً جزءاً من "الديمقراطية" التي طالما جرى تسويقها باعتبارها السمة المميزة لإسرائيل . 

فمنذ تأسيسها على حساب حقوق شعبنا الفلسطيني وأرضه ومقدراته ، اقترنت مؤسسات الدولة بالأستيطان الإستعماري ، ومصادرة الأرض ، والأحتلال ، والتمييز العنصري ، وإنكار الحقوق الوطنية ، ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية وتصفية القضية الوطنية .

لذلك ، فإن التحول الجاري لا يتمثل في انتقال إسرائيل من "الديمقراطية" إلى الفاشية ، بل في انتقالها من نظام أستعماري أستيطاني احتفظ داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه ، بقدر من التوازنات المؤسسية ، إلى نظام أكثر تطرفاً ، تتراجع فيه حتى تلك القيود الداخلية التي كانت تضبط العلاقة بين السلطات ، وتمنح الدولة صورة مؤسساتية أمام العالم .

لكن التوقف عند الأزمة الدستورية وحدها لا يكفي لفهم المشهد الإسرائيلي ، فبرغم الانقسام الحاد بين الحكومة والمعارضة حول القضاء وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية ، تكشف المواقف السياسية والبرامج الأنتخابية لمعظم الأحزاب الصهيونية عن إجماع يكاد يكون كاملاً حول القضية الجوهرية ، وهي رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وفق قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي .

والأهم من ذلك أن هذا الإجماع لا يقتصر على القضايا الداخلية ، بل يمتد إلى جوهر الصراع مع الشعب الفلسطيني . فكافة الأحزاب الصهيونية ، وإن اختلفت في اللغة والأسلوب ، تلتقي على رفض الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة ، والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على القدس وعلى معظم الأراضي وحقها بتوسيع الاستيطان فيها وهي المنطقة المصنفة (ج) وفق أتفاق أوسلو ، وعلى الحدود والمعابر والأمن والموارد الطبيعية ، مع طرح صيغ مختلفة لحكم ذاتي فلسطيني محدود الصلاحيات ، يقوم على إدارة السكان داخل معازل جغرافية منفصلة ، إلى جانب ترتيبات خاصة بقطاع غزة لا تنطلق من إنهاء الأحتلال ، بل من إعادة تنظيم إدارته واستمرار مخاطر التهجير ، ولا سيما في قطاع غزة ومخيمات اللاجئين في الضفة الغربية .

وهذا يعني أن الصراع داخل إسرائيل ليس صراعاً بين مشروع سلام ومشروع أحتلال ، بل بين رؤى مختلفة لإدارة المشروع الأستعماري الاستيطاني ذاته . ولذلك ، فإن الرهان على تغيير الحكومة وحده ، أو على نتائج الانتخابات المقبلة للكنيست في نوفمبر القادم ، بوصفه مدخلاً لتغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ، لا يجد ما يسنده في البرامج السياسية المعلنة لمجمل القوى الصهيونية ، وقد تكون بذلك ملهاة سياسية يريد البعض ان ينشغل بها .

ومن هنا ، فإن السؤال المطروح اليوم لا يقتصر على ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو أزمة دستورية ، بل ما إذا كانت تدخل مرحلة جديدة من تطور مشروعها السياسي ، تتراجع فيها حتى القيود المؤسسية التي حكمت بنيتها الداخلية لعقود ، لصالح نموذج أكثر اندماجاً بين الإستعمار الأستيطاني، والقومية الدينية المتطرفة ، وتركيز السلطة التنفيذية .

وقد يكون لهذا التحول بعد آخر لا يقل أهمية ، فمع تنامي الأصوات الناقدة لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي ، ولا سيما بين الأجيال الشابة ، وفي الأوساط الأكاديمية ، وداخل قطاعات متزايدة من الحزب الديمقراطي ، قد يسعى اليمين الإسرائيلي إلى تحصين مشروعه السياسي داخلياً ، وتقليص أي قيود مؤسسية يمكن أن تحد من سياساته ، استعداداً للتعامل مع بيئة دولية قد تصبح أقل تساهلاً مما كانت عليه في العقود الماضية . وفي هذا السياق ، قد لا يكون تغوّل السلطة التنفيذية مجرد شأن داخلي ، بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرة الحكومة على مواجهة أي ضغوط خارجية مستقبلية .

ولا يزال من المبكر الجزم بأن إسرائيل دخلت بالفعل مرحلة الفاشية الكاملة ، لكن المؤشرات تستحق قراءة جدية . فعندما تصبح السلطة القضائية هدفاً لحملات نزع الشرعية ، وعندما يعاد تشكيل مؤسسات الدولة لخدمة مشروع أيديولوجي عنصري ، وعندما تُستخدم الحرب الممتدة لتعزيز تركيز السلطة وإضعاف الرقابة ، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي ، ليعكس تحولاً في طبيعة النظام ، يكتسب بصورة متزايدة سمات سلطوية وفاشية في بنيته السياسية وممارساته .

إن ما يجري اليوم لا يغيّر جوهر المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي قامت عليه إسرائيل ، بل يكشفه بصورة أكثر وضوحاً وصراحة . فما كان يُقدَّم لعقود بوصفه "واحة للديمقراطية" يتعرّى اليوم أمام تناقضاته الداخلية ، في الوقت الذي يستمر فيه الإجماع الصهيوني على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية ورفض أي مشروع سياسي قد يؤدي لاي تسوية تاريخية تسقط مشروعهم الإستعماري .

ومن هنا ، فإن التحولات الجارية داخل إسرائيل لا تفرض فقط إعادة قراءة طبيعة نظامها السياسي ، بل تفرض أيضاً مراجعة كثير من المسلمات التي حكمت التفكير السياسي الفلسطيني خلال العقود الماضية . فإذا كانت الخلافات الإسرائيلية تدور حول شكل الحكم وآليات توزيع السلطة ، بينما يظل الرفض لقيام الدولة الفلسطينية محل إجماع بين كافة القوى الصهيونية ، فإن المشروع الوطني التحرري الفلسطيني يصبح مطالباً بإعادة بناء استراتيجيته انطلاقاً من هذه الحقيقة ، لا من الرهان على تبدل الحكومات الإسرائيلية ، بل على تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية الواسعة ، واستثمار التحولات في النظام الدولي وتعزيز التضامن المشترك مع كافة القوى التقدمية حول العالم بما فيها اليهودية المعادية للصهيونية  ، ومواصلة النضال السياسي والقانوني والشعبي المقاوم حتى إنهاء الأحتلال وتجسيد حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة .

* عضو المجلس الإستشاري لحركة "فتح"