آراء

فلسطين وأزمة الوعي الأوروبي .. من التضامن إلى التحرر  

4 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب : د. مروان إميل طوباسي

لم تعد الإحتجاجات المتصاعدة في فرنسا واليونان وإيطاليا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى مجرد تعبير عن أزمات معيشية أو اعتراضات على السياسات الحكومية لأحزاب الاشتراكية الديمقراطية ويمين الوسط ، بل باتت تعكس اختلالات أعمق في بنية النظام الاقتصادي والسياسي العالمي ، وتحولات في العلاقة بين المجتمعات الأوروبية ومؤسساتها الحاكمة . وفي قلب هذه التحولات ، تحضر فلسطين باعتبارها قضية تكشف التناقض بين القيم الديمقراطية والإنسانية التي يتبناها المشروع الأوروبي ، وبين السياسات الرسمية تجاه الأحتلال الإسرائيلي وحقوق شعبنا الفلسطيني .

فالأزمة الأوروبية ليست معزولة عن تناقضات الرأسمالية المعاصرة ، حيث تتسع الفجوات الطبقية ، وتتراجع الحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية ، فيما تتزايد كلفة الحروب والإنفاق العسكري وتتعمق اختلالات توزيع الثروة والموارد . وتأتي ثورة الذكاء الاصطناعي لتطرح تحديات جديدة أمام مستقبل العمل وعلاقات الإنتاج ، مع احتمالات تركز عوائد التطور التكنولوجي لدى الشركات الكبرى ، بما قد يعمق التفاوت الاجتماعي ما لم ترافقه سياسات اقتصادية أكثر عدالة .

وتتداخل هذه التحولات مع أزمة النظام الدولي ، في ظل استمرار الحروب والتنافس الجيوسياسي واهتزاز الثقة بالعلاقة الأطلسية التقليدية الآمريكية - الأوروبية نتيجة سياسات إدارة ترامب وضغوطها التجارية والأمنية . فأوروبا التي تتطلع إلى استقلالية استراتيجية تجد نفسها أمام تناقض بين مصالحها الاقتصادية والسياسية واستمرار اعتمادها على الولايات المتحدة ، بما يحد من قدرتها على بلورة سياسة خارجية مستقلة ، خصوصاً تجاه الشرق الأوسط وفلسطين وروسيا والصين  .

وفي هذا المناخ ، تتسع الإحتجاجات وتتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية ، غير أن هذه التحولات لا تسير باتجاه واحد . فبينما تسعى قوى تقدمية ويسارية ونقابية وحقوقية إلى ربط المطالب المعيشية بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية ومناهضة العسكرة ، تستثمر قوى اليمين القومي والشعبوي القلق الاجتماعي في خطاب الخوف من الهجرة والانغلاق القومي . وهكذا تصبح أوروبا ساحة صراع بين اتجاهات مختلفة حول مستقبل نموذجها الاجتماعي والسياسي وموقعها في العالم .

وهنا تبرز فلسطين باعتبارها أحد الاختبارات الأخلاقية والسياسية للوعي الأوروبي المعاصر . فقد كشفت حرب الإبادة والدمار في غزة ، واستمرار الأحتلال وتصاعد الإستيطان ومخططات الضم والتهجير ، عن فجوة عميقة بين الخطاب الأوروبي حول القانون الدولي وحقوق الإنسان ، وبين محدودية الإجراءات الفعلية لمحاسبة إسرائيل ووقف انتهاكاتها وجرائمها . وهي فجوة دفعت قطاعات واسعة من الشباب والجامعات والنقابات والحركات الحقوقية إلى مراجعة المواقف الرسمية ، وإعادة طرح العلاقة بين الديمقراطية في الداخل الأوروبي والسياسات الإستعمارية والتحالفات الخارجية .

ولذلك لم يعد التضامن مع فلسطين ، لدى قطاعات متزايدة من المجتمعات الأوروبية ، مجرد تعاطف إنساني مع الضحايا ، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول الإرث الإستعماري الأوروبي والعنصرية وازدواجية المعايير وعلاقات القوة في النظام الدولي . ففلسطين ليست قضية إنسانية على هامش الأزمات الأوروبية ، بل قضية تحرر وطني تختبر صدقية القيم الديمقراطية الأوروبية ، ومدى استعداد القوى الإجتماعية والسياسية للانتقال من الاحتجاج على اختلالات النظام القائم إلى العمل من أجل تغييره .

ومع ذلك ، فإن اتساع التضامن الشعبي لا يعني بالضرورة تحولاً موازياً في السياسات الرسمية ، رغم الأعترافات الأوروبية المتزايدة بدولة فلسطين والمواقف الأكثر نقداً لإسرائيل . فما زالت المصالح والتحالفات والتباينات بين الحكومات تحول دون بلورة سياسة أوروبية موحدة وفاعلة لإنهاء الأحتلال .

ومن هنا تبرز مسؤوليتنا الفلسطينية في تطوير استراتيجية دبلوماسية وشعبية تستثمر التحولات في الوعي الأوروبي ، عبر بناء تحالفات مستدامة مع الأحزاب الديمقراطية والتقدمية واليسارية والنقابات والجامعات والبرلمانات والحركات الحقوقية ، وتحويل التضامن إلى مطالب سياسية وقانونية محددة ، لا تتعلق فقط ببضاىع المستوطنات ، بل تشمل مقاطعة ومقاضاةةاسرائيل كدولة استيطانية نفسها وإنهاء الأحتلال الإستعماري الإستيطاني ، ووقف التواطؤ مع جرائمها ، وتفعيل آليات المساءلة الدولية ، وتجسيد حق شعبنا في تقرير المصير والأستقلال الوطني .

غير أن امتلاك المبادرة الخارجية يتطلب أيضاً مراجعة واقعنا الداخلي ، وتجديد المشروع الوطني التحرري ، وتعزيز الديمقراطية الفلسطينية وتجديد الشرعيات عبر الإنتخابات ، وإصلاح المؤسسات على أسس المشاركة والمساءلة وسيادة القانون وفصل السلطات . فاستعادة ثقة شعبنا وفاعلية مؤسساته تعزز قدرتنا على مخاطبة العالم وبناء التحالفات ، دون أن تكون حقوقنا الوطنية غير القابلة للتصرف مشروطة بواقع نظامنا السياسي .

إن أزمة أوروبا قد تفتح المجال أمام تحولات سياسية وفكرية عميقة ، لكنها لا تضمن نتائج تقدمية تلقائياً . ولذلك فإن التحدي المشترك يتمثل في تحويل الوعي النقدي والأحتجاج الإجتماعي إلى قوة تغيير تنحاز للعدالة والحرية وحقوق الشعوب .

فالتضامن مع فلسطين يكتسب معناه التاريخي حين ينتقل من الموقف الأخلاقي إلى الفعل السياسي المنظم ، ومن التعاطف مع الضحية إلى الانحياز لتحررها ، ومن إدارة نتائج الأحتلال إلى العمل على إنهائه ، باعتباره شرطاً للسلام العادل ، لا للتعايش مع استمرار الظلم والأستعمار الإحلالي .