الكاتب: أحمد دخيل
تختلف ولادة الرجال في فلسطين، لأنها تلد رجالًا تكتب النيران بعض سيرتهم، ويأتي الزمن متممًا لما عجز الرصاص عن كتابته.
زكريا الزبيدي واحد من هؤلاء، التقيته قبل عشر سنوات، وكان حديثنا يومها طويلًا عن البلاد وعن محاريب الثورة التي أخذت منا كثيرًا، إلا فلسطين التي يعجز الكون عن أخذها منا.
هو ابن مخيم جنين، ابن عائلة دفعت من أبنائها وبيوتها وأعمارها ثمنًا لإيمانها بالأرض، حمل المطاردة والسجن والخسارة في جسده، وحمل أيضًا ذاكرة المكان إلى اللجنة المركزية لحركة فتح.
لذلك كتبت.
كتبت بعدما رأيت الهجمة التي طاولته عقب ظهوره إلى جانب الأخ ماجد فرج وتصفيقه لما طرحه حول «طوفان الأقصى» وضرورة محاسبة حركة حماس.
كان من حق أي فلسطيني الاعتراض على ذلك الموقف، وأن يرى في التصفيق ما يستحق السؤال، ومن حقه أيضًا أن يناقش كلام الأخ ماجد فرج نفسه.
لكن شيئًا آخر حدث.
بدأت بعض الحسابات تنبش في سيرة الرجل، كأن موقفًا واحدًا يكفي لنسف عمر كامل من التضحية.
وهنا بدت ضرورة التفكير.
أنا لا أريد إعفاء زكريا من النقد، ولا أملك ذلك أصلًا. أريد فقط أن يبقى السؤال سؤالًا، وألا يتحول الخلاف إلى مقصلة.
فالسياسة تتسع للاختلاف، أما الذاكرة فتمضي صادقة، ولا تحتمل الكذب عليها.
وهنا أتذكر الرمز ياسر عرفات.
أتذكره لأن معركة القرار الفلسطيني المستقل كانت جزءًا من عمره وعمرنا السياسي، ولأن الصراع حولها كان من أعقد فصول تاريخنا الوطني. بعد خروج المقاومة من بيروت عام 1982 اشتد الصدام مع النظام السوري وحلفائه، ثم وقع الانشقاق في حركة فتح عام 1983.
كان السؤال أعمق من أسماء المتخاصمين: من يقرر عن الفلسطيني؟
ذلك السؤال كان وما زال يطل برأسه كلما وجد الفلسطيني نفسه أمام قوة تريد أن تتحدث باسمه، أو فصيل يريد احتكار معنى فلسطين.
فلسطين عاشت طويلًا تحت جذب المحاور. كل طرف كان يجد فيها معنى يريده، أو ورقة يحتاجها. ولهذا بقيت منظمة التحرير الفلسطينية إطارًا وطنيًا جامعًا، وممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وبقي استقلال القرار الوطني واحدًا من أثمن ما يجب حمايته.
نحن نريد المقاومة كما نراها، تلك التي يستحيل أن تتحول إلى وصاية.
ونريد الوحدة، ونريد أن يبقى القرار فلسطينيًا، مهما كانت قوة الإعصار من حولنا.
ومن هنا يمكن للفلسطيني أن يناقش «طوفان الأقصى» كما يشاء، ويسأل عن القرار ونتائجه، وعن غزة التي دفعت الثمن الهائل، وعن مستقبل شعبنا بعد نهر الدم.
غزة التي لا يمثلها فصيل بعينه، جزء من فلسطين التي تجد إطارها الوطني الجامع في منظمة التحرير الفلسطينية.
والدم الفلسطيني لا يمكن حصره ببطاقة حزبية.
هذا هو الحد الذي أراه ضروريًا بين النقد والتشويه.
أن تقول لزكريا: أخطأت، لماذا صفقت؟ وما الذي قصدته؟ هذا حقك.
أما أن تقول: لأنك صفقت سنمحو كل ما كنتَه، فهنا تتحول السياسة، خلف شاشات ممولة، إلى ظلم لا يمكن قبوله.
وأنا ابن مخيم، مثل زكريا تمامًا.
أعرف أن الإنسان الفلسطيني يحمل وطنه في صدره، حينًا كحجر، وأحيانًا كمفتاح.
المفتاح الذي أعرفه ليس قطعة حديد.
إنه بيت الغائب، يد جدي، ورائحة التراب.
باب لم نعد نعرف إن كان ما زال واقفًا أم صار تحت الركام، لكنه أقسم على الخلود في الذاكرة.
ولذلك كله أستطيع فهم زكريا أكثر مما يريد أي إنسان أن يفهمه.
الرجل الذي حفر نفقًا تحت سجن جلبوع بحثًا عن الحرية، يجد اليوم أنفاقًا تُحفر حول اسمه.
نفق الأرض كان طريقًا إلى الضوء وزرقة السماء، أما أنفاق التشهير فلا تقود إلا إلى مزيد من العتمة.
وأنا لا أكتب هنا من برج سياسي مرتفع. أكتب من زاروب في المخيم، من المكان الذي علّمنا أن فلسطين قد تغيب عن العين وتبقى في اليد القابضة على المفتاح وجمر الصبر.
في المخيم تعلّمت الفرق بين الموت والغياب.
الغائب يبقى في الخبز، وفي لهفة الأم، وفي الصور القابعة على جدراننا، وفي مفتاح عتيق لا نعرف لماذا نحتفظ به، ونعرف أن رميه خيانة لشيء لا نعرف له سميًّا.
لهذا أرى فلسطين أكبر من خصوماتنا، وأكبر من الأحزاب التي وجدت من أجلها، وأبقى من المحاور.
لذا أؤمن أن القرار الوطني المستقل ليس شعارًا سياسيًا، إنه كرامة شعب كامل، ومن حق الفلسطينيين أن يختلفوا حول الطريق إلى البيت، لكن ليس من حق أحد أن يصادر ذلك البيت.
لقد كان أبو عمار، بكل ما له من الفداء، واحدًا من أبرز الذين خاضوا معركة إبقاء القرار الفلسطيني فلسطينيًا.
نحن لا نقدّس الرجال.
الرجل الكبير بنظرنا هو الذي يبقى قابلًا للسؤال، وتظل تجربته قابلة للقراءة.
لكنني لا أقبل أن يصبح تاريخ الإنسان رهينة منشور، مجهولًا كان أم معلوم النسب.
زكريا يمكن أن تنتقده، ويمكن أن تختلف معه، ويمكن أن تسأله عن تصفيقه وما يعنيه.
هذا كله حق.
أما ما ليس من حقك، أن تمحو جنين من دمه، والسجن من ذاكرته، والنفق من سيرته، والذين فقدهم من حياته.
التاريخ لا يعمل بسرعة المنشورات.
إنه اكثر ثقلًا، وأبطأ.
عرفته بوجه شيخ فلسطيني يحمل مفتاح بيته منذ النكبة، يمشي به في جيبه ولا يعرف متى يصل إلى الباب.
وربما لهذا أقول:
لا تكسروا مفاتيحنا، فقد نحتاج جميعًا، يومًا ما، إلى مفتاح واحد، مفتاح فلسطين.

