الكاتب : تحسين يقين
بشعورين معا هما ضرورة البدء بالعمل الزراعي مبكرا، كما ينبغي للعمل في حزيران قبل ارتفاع درجة الحرارة، والاستمتاع بالطبيعة وقت الفجر. وهكذا سبقت شروق الشمس بقليل، وكان من أفعال رعاية الشجر، مثل إزالة الحشائش الصيفية، ثم قطف ما تبقى من ورق العنب الطريّ. وكم هو جميل الفجر بكل ما فيه من زمان ومكان.
أشرقت الشمس، صارت السادسة، فالسابعة، ثم حين قاربت الثامنة، عنّ لي الاستلقاء عليها، ف"غطست عيني"، على حدّ تعبيرنا القرويّ. كانت النسائم تحرك ورق الشجر، وبعض العصافير تكمل ندواتها الصباحية، كذلك اليمام، وهدوء الكروم هو من هدوء الطبيعة، يغري بمواصلة النوم، لكن أصوات الصواريخ أبت إلا أن تتطوع بإيقاظي، فصحوت فإذا بآثار الصواريخ خطوطا بيضاء، لا تشبه بالطبع الغيمات الصغيرة. نظرت وكأن قادة هذه الحروب أمامي:
- يعني مش لاقيين تتقاتلوا إلا فوق راسي، شو ذنبي انا النايم تحت شجرة الكرز اصحى على صوت صواريخكم؟
- ...............................
لكن لا أحد يحفل بندائي الساخر، والأكثر سخرية وصولا الى درجة المأساة أن يستمر كل هذا العبث، في ظل الاستخفاف بآدميتنا، فلا الحرب حرب الناس، وإنما هي حروب أفراد خانوا أمانة الشعوب، فبدلا من رعايتها، راحوا يعيثون فسادا في هذا الكون.
جميل هو الفجر، لكن لم يشأ الطغاة إلا السطو عليه، واحتلال سكونه، في ظل لعبة سياسية لا تمسّ للأخلاق بشيء، ولا تريد خير الشعوب، فكيف ستكون خيرا ونتيجتها دوما خاسر خاسر. خاسر لكلا الطرفين، بل للأطراف، باستثناء ما يزداد من أرصدة لأفراد وشركات.
يربح أفراد، وتخسر شعوب، ممتلكاتها وأرواح أبنائها.
معروف من يقف على هذه الحرب، من مسبب ومن مؤجج، فليت الشعوب التي باسمها تتمّ الشرور، أن تنهض وتعرف دورها في وقفها بل وإنهائها الى الأبد.
الشرّ يصيب أهله أولا؛ لذلك فإننا حين نطّلع عما يضطرب داخل مجتمع دولة الاحتلال وحليفتها الولايات المتحدة، نجد أن حالهما ليس على ما يرام. وهي مفارقة ساخرة مدهشة جدا، فالحرب التي تقودها هاتان الدولتان للمصلحة العليا، جاءت نتيجتها ضد هذه المصلحة، وليس هذا فقط، بل انهما تورطتا في جرائم حرب، أكان الفاعل هو من أجرم، أو سلاحه الذي به تتم الجريمة. لا اقتصاد ولا سمعة!
أمي، أم منصور، القروية التي كانت كلما نظرت الى الأرض التي تخطوها أو تراها تقول: يا بنيّ الأرض واسعة، وبتسع الكل. ووقتها أتذكر ما ذكره الشاعر المنقري:
لعمرُكَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلها ولكنّ أخلاقَ الرجالِ تضيق
وهو البيت الذي ازدادت شهرته عندما ردده الكاتب محمد حسنين هيكل في أحاديثه الصحفية في إحدى الفضائيات.
فعلا الأرض واسعة، ويمكنها أن تتسع للجميع، ولكن لا أن يسطو الغزاة عليها فتصير الشعب ثقيلة على أرضها.
قبل الحرب، وخلالها وبعدها، تنشط المشاعر والأفكار الإنسانية تجاه ما نتعرّض له من بطش الغزاة، ونتساءل بحرقة لماذا يحدث ما نشهده، وما شهدته الشعوب على مدار آلاف الأعوام، حتى لكأن تاريخ الإنسانية إنما هو تاريخ الحروب والنزاعات، دون أن يتعظ صناع قرارها مما كان من عبث قديم وجديد.
لماذا كبيرة أولا للحرب التي لم تتوقف بعد على قطاع غزة، وعلى جبال الضفة الغربية وسهولها وغورها، ولماذا كبيرة أخرى للحرب على لبنان؟ ولماذا للحروب التي لا نعرف حقيقة اندلاعها، بل لا نتبيّن في الواقع حال الحلفاء هل هم كذلك فوق الطاولة وتحتها؟ وحال المتحاربين هل هم هكذا فهلا يتعاركون!
حين طلبت من خلال الفيس بوك من الأصدقاء كتابة أسئلة باستخدام لماذا، كان نصيب الهم العام هو الأثر، وبخاصة ما يتعلق بما نقاسي منه جميعا:
- تساءل التربوي حامد أبو ماخو "لماذا كل ما يجري في هذا العالم المجنون.. لماذا صمت كل الناس ليعطوا الضوء للجلاد ليخفي جريمته؟؟؟
- سأل المحاسب عمر صبرة: لماذا وصلنا هنا؟
- سأل الفنان باسل العكلوك: لماذا ترك العالم غزة وحدها؟
- سأل الدكتور علاء أبو بكر: لماذا يتصرف الناس بالطريقة التي يفعلونها؟
ولعلي مثلهم طبعا أسأل لماذا وأتذكر لوحات فنية وأشعارا وأفلاما ومسرحيات وروايات تتمحور حول هذا التساؤل-السؤال الأكثر تراجيدية وأكثر سخرية أيضا تجاه ما يحدث من شرور. بل كأن الأدب والفنون لم تخل دوما من هذه المضامين.
لماذا لا يتركوننا ننام في قريتنا الوادعة، لا تحت الكرز ولا في البيوت؟
لا ينام المحتلون ولا يتركوننا ننام بسلام.
لا ينامون لأنهم لصوص، ولا يتركوننا ننام لأنهم يخافون من أصحاب الممتلكات.
مفارقة ساذجة: زوّدت مؤسسة الاحتلال المستوطنين بالمزيد من الأسلحة، لكن النتيجة حتى الآن هي عدم الشعور بالأمان. فلماذا إذن يتم كل هذا العبث علما ان هناك طريقا أكثر ضمانة للسلام؟
إذا كان لا بدّ من تسوية ما، فسيصعب التفاوض مع من يدعي الملكية كاملة، ومن يريد الكل، وهذا يذكرني بالمثل الشعبي "من طلب كله فاته كله"، فلماذا بقينا نتحدث عن التسوية؟
"لماذا " كثيرة هنا، جمع غريب ل "لماذا"، لا يمكن الانتهاء منها بسبب تتدفق تداعيات لا تنتهي من المشاعر والأفكار؟
لماذا الماضي عالميا قديما وحديثا؟ ولماذا تم وما زال يتم اضطهادنا وقتلنا وتعذيبنا؟ لماذا يصمت العالم كما تساءل صديقي حامد أبو ماخو، ولماذا ترك العالم غزة وحدها؟ ما تساءل صديقي باسل العكلوك.
لماذا ما كان من حرب هنا وهناك؟ لماذا تطلّ الحرب مرة أخرى لتقلق منامي تحت الكرزة؟ لماذا كل هذا الاختلاط والالتباس في معرفة ما يدور فعلا؟ ولماذا مثلا تخوض دولة الاحتلال حروبا عبثية وهي تعرف أنها لن تحقق الهدف غير الإنساني وغير العملي وغير الاستراتيجي مضيفة لسجلها في جرائم الحرب الكثير؟ ولماذا تفعل ما تفعله الولايات المتحدة علما ان بين يديها فعلا ما تريده من نفط ومال ونفوذ؟
هي أسئلة كثيرة لا تقتصر على لماذا بل تمتد الى باقي أسماء الاستفهام بما فيها حرفي هل والهمزة.
وهكذا، في كل صحو وكل نوم، أجدني أسأل مؤججي الحروب بتكنولوجيا المتفجرات، لماذا يتم ما يتم دون أن نمتلك الحد الأدنى من الحكمة والعقلانية، والتي إن فكّر فيها المتحاربون، والطغاة منهم بشكل خاصّ، سيكتشفون طريقا جديدة نتيجتها رابحون جميعا.
أجد نفسي كشيخ كبير يغفو في "في الدار"، يصحو على ضجيج الأطفال الذين يزعجون نومته حين يتصايحون ويتشاجرون، صارخا فيهم: وبعدين يا قرود مش لاقيين تتقاتلوا إلا فوق راسي يا سيدي!
"وبعدين؟" صيغة شعبية ملآى بالبلاغة الساخرة التي تعبّر عن قلة الصبر تجاه ما يحدث من إزعاج، وفوضى.
أما فلسطينيا فلدينا "لماذاتنا" أيضا، لكن لنترك ذلك لمقال آخر.
وأخيرا بقي لنا أن نعود للمنقري الشاعر الجاهلي الذي قال ما قاله من قرون طويلة، والذي ربط بيت الشعر المقتبس وهو "لعمرُكَ ما ضاقتْ بلادٌ بأهلها ولكنّ أخلاقَ الرجالِ تضيق" دببيت آخر هو :
وكل كريمٍ يتقي الذمَّ بالقِرَى وللخير بين الصالحين طريقُ
وبعدين يا نتنياهو ويا ترامب ويا كل الأسماء المحتمل نداءها لتتوقف عن هذا الفعل!
يبدو أننا وغيرنا في هذا العالم، حتى داخل بلاد الحكومات الشريرة سنظل نعاني من هؤلاء الأشرار الذين يستنسخ الجديد منهم القديم الذي ظلّ في تلك الجينات.

