Uncategorised

المتحف

13 مشاهدة
المتحف

الكاتب : شادي عياد

في آخر الليل…

رأيت حلمًا غريبًا.

رأيت فلسطين وقد تحولت إلى متحفٍ هائل.

متحف أكبر من البلاد نفسها.

وعند الباب الخارجي كانت هناك لافتة حجرية ضخمة كُتب عليها:

“متحف الكائنات التي رفضت الانقراض.”

دخلت.

كان المكان صامتًا بشكل مخيف.

لا أصوات.

لا حياة.

لا نوافذ.

فقط ممرات طويلة تتراكم فيها طبقات الغبار.

وفي نهاية كل ممر صندوق زجاجي عملاق.

داخل كل صندوق كائن نادر.

نصفه إنسان.

ونصفه كرسي.

اقتربت من أول صندوق.

فوجدت بطاقة تعريف.

الاسم:

“المسؤول الذي صدّق التصفيق.”

العمر:

غير معروف.

الوظيفة:

الجلوس.

الهواية:

منع الآخرين من الجلوس.

سبب الانقراض:

الواقع.

انتقلت إلى الصندوق الثاني.

كانت بداخله سيدة ترتدي تاجًا من الأختام الرسمية.

وتجلس فوق جبل من المعاملات القديمة.

كلما اقترب منها شاب يحمل فكرة جديدة كانت تطلق صافرة إنذار.

ثم يعود الشاب أدراجه.

سألت المرشد:

من هذه؟

قال:

هذه من سلالة نادرة جدًا.

كانت تعتقد أن المؤسسة خُلقت يوم وصلت إليها.

وماتت وهي تنتظر أن تنتهي البشرية قبل أن تنتهي ولايتها.

ثم لاحظت شيئًا أكثر غرابة.

فكلما مرّ أحد أمام الصندوق كانت تعدّل جلستها.

وترتب ملامحها الرسمية.

وتعيد تثبيت تاج الأختام فوق رأسها.

ثم تنظر حولها لتتأكد أن الجميع ما زال ينظر إليها.

سألت المرشد:

منذ متى وهي تفعل ذلك؟

فقال:

منذ سنوات طويلة.

قلت:

ولماذا؟

قال:

لأنها تعتقد أن العالم كله عبارة عن اجتماع كبير خُلق خصيصًا من أجلها.

اقتربت أكثر.

فوجدت أمامها مرآة ضخمة.

لكن المفاجأة أن المرآة لم تكن تعكس صورتها الحقيقية.

بل كانت تعكس نسخة أسطورية منها.

أطول من الحقيقة.

وأقوى من الحقيقة.

وأهم من الحقيقة.

سألت المرشد:

ومن وضع هذه المرآة؟

فضحك وقال:

هي.

قلت:

ولماذا؟

قال:

لأن الحقيقة كانت تزعجها.

ثم أشار إلى زاوية الصندوق.

فرأيت عشرات الملفات المغبرة.

وعشرات الأفكار المؤجلة.

وعشرات الطلبات التي ماتت من الانتظار.

قلت:

وما هذه؟

قال:

هذه آثار جانبية لعبادة الذات.

كل مشروع مرّ من هنا ولم يعجبها شكله.

وكل موهبة أزعجها بريقها.

وكل شابة خافت أن تكبر.

وكل شاب خافت أن ينجح.

ثم همس في أذني:

أخطر ما في الأمر أنها ما زالت حتى هذه اللحظة مقتنعة أن الصندوق يحبس العالم خارجها…

بينما الحقيقة أن الصندوق هو الذي يحبسها داخله.

واصلت السير.

فوجدت عشرات الصناديق.

مئات الصناديق.

آلاف الصناديق.

وجوه متشابهة.

نظرات متشابهة.

عبارات متشابهة.

كلهم كانوا يرددون الجملة نفسها:

“لا أحد يستطيع أن يحل مكاني.”

الغريب أن أحدًا لم يكن يستمع لهم.

حتى أجهزة التسجيل بدت وكأنها ملت تكرار العبارة.

في آخر المتحف وجدت قاعة ضخمة.

مكتوب فوقها:

“قاعة الأوهام الكبرى.”

دخلت.

فوجدت أناسًا يطاردون ظلالهم.

كلما أمسك أحدهم بظلّه تحول إلى دخان.

ثم يركض خلفه من جديد.

سألت المرشد:

من هؤلاء؟

فضحك حتى كاد يسقط أرضًا.

ثم قال:

هؤلاء أخطر الأنواع.

هؤلاء صدقوا أن النفوذ قوة.

وأن الكرسي مجد.

وأن الخوف احترام.

وأن الصمت رضا.

ثم اكتشفوا متأخرين جدًا أن كل ما كانوا يطاردونه لم يكن أكثر من ظلال.

وفي زاوية القاعة وجدت شيئًا غريبًا.

كان هناك باب ضخم مغلق منذ سنوات.

خلفه ضوء ساطع.

وضجيج.

وحركة.

وحياة.

وشباب.

وأفكار.

ومستقبل.

سألت المرشد:

لماذا لا يفتحون الباب؟

قال:

لأن سكان المتحف يخافون الضوء.

فالضوء يكشف حجم الغبار.

ويكشف عمر الأثاث.

ويكشف الفرق بين الأحياء وبين الذين يظنون أنفسهم أحياء.

ثم أشار إلى النافذة.

وقال:

انظر.

نظرت.

فرأيت رجلًا يقف بعيدًا يتأمل المبنى كله بصمت.

لا يصرخ.

لا يلوح بيده.

لا يكسر الأبواب.

فقط يراقب.

قلت:

من هذا؟

قال:

ذلك رجل يعرف أن المتاحف لا تُهدم.

بل تُفتح أبوابها.

وعندما تُفتح…

يخرج الناس.

ويبقى الغبار وحده في الداخل.

قلت:

ومن يكون؟

فابتسم المرشد.

وقال:

اسمه لا يهم.

المهم أنه يعرف أن زمن المتاحف انتهى.

وأن فلسطين لم تُخلق لتكون قاعة عرض للكائنات المنقرضة.

ثم استيقظت.

لكن الغريب…

أنني ما زلت حتى هذه اللحظة أسمع من داخل الحلم صوتًا مرتعشًا يخرج من أحد الصناديق الزجاجية:

“انتظروا…

أنا ما زلت مهمًا…”

وكان المتحف كله يضحك.

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية