آراء

من بحر الفعل إلى حسابات التاريخ: شهادة مبكرة على انفجار غزة من داخل السجن

7 مشاهدة
من بحر الفعل إلى حسابات التاريخ: شهادة مبكرة على انفجار غزة من داخل السجن

الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن


في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا يكون الحدث مجرد فعل عابر، بل بداية مسار طويل تتداخل فيه السياسة بالقوة، والواقع بالنتائج، والنوايا بحسابات لا يملك أحد التحكم بها بعد انطلاقها.
في السابع من أكتوبر 2023، لم يكن السؤال فقط: ماذا حدث؟
بل كان السؤال الأعمق: إلى أين يمكن أن يقود هذا الحدث؟
ومن داخل تجربة الاعتقال في ذلك الوقت، لم يكن من الممكن النظر إلى ما جرى بوصفه لحظة منفصلة عن سياقها، بل بوصفه نقطة بداية لمسار مفتوح على احتمالات ثقيلة، تتجاوز حدود الفعل نفسه إلى ما قد يترتب عليه من ردود، وإعادة تشكيل للواقع السياسي والميداني والدولي.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن طبيعة الفعل، وحجم الاستجابة المحتملة، وميزان القوى القائم، وطبيعة البيئة الإقليمية والدولية، كلها عناصر لا تشير إلى مواجهة محدودة، بل إلى مسار طويل ومفتوح على احتمالات قاسية.
لم يكن ذلك حكماً على النوايا، ولا إنكاراً لمعنى الفعل في سياقه السياسي، بل قراءة مبكرة لمنطق النتائج حين تتفاعل الأفعال الكبرى مع نظام دولي لا يتحرك بالعواطف، بل بموازين القوة والمصالح.
وقد يقول قائل: لماذا تُقال هذه الشهادة الآن؟
لماذا تأتي هذه المراجعة في هذا التوقيت، بعد أن تعقّد الواقع، وامتدت الكلفة، وتداخلت المسارات؟
الجواب ليس في التوقيت، بل في الواقع نفسه .
فالواقع لم يُغلق الباب، بل ما زال مفتوحاً على مسارات أكثر تعقيداً، وأبرزها ما يجري اليوم في حوارات القاهرة.
إن ما يُناقَش في القاهرة ليس مجرد تفاصيل تقنية أو ترتيبات سياسية عابرة، بل هو في جوهره امتداد مباشر لنفس المسار الذي بدأ في السابع من أكتوبر بكل ما ترتب عليه من نتائج سياسية وميدانية وإنسانية.
لكن المشكلة أن هذه الحوارات، كما تبدو حتى الآن، لا تنطلق من لحظة تقييم حقيقي للنتائج، بل من محاولة إعادة إنتاج اللحظة نفسها بأشكال تفاوضية مختلفة، وكأن شيئاً لم يتغير في ميزان القوى أو في حجم الكلفة أو في اتجاهات الواقع على الأرض.
وهنا يصبح السؤال أكثر حسماً :
هل نحن أمام حوارات تهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من شعب أنهكته الحرب؟
أم أمام إدارة سياسية لحالة مستمرة من الدوران في النقطة نفسها؟
إن تجاهل النتائج لا يلغيها.
فالنتائج، شئنا أم أبينا، أصبحت جزءاً من الواقع، والواقع يقول إن الشعب الفلسطيني، وخصوصاً في غزة، دفع أثماناً هائلة، بينما ما زالت الأسئلة الكبرى التي فُتحت من أجلها هذه المواجهة أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبلها.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الاعتراف بالواقع، بل في إنكاره أو القفز فوقه.
فالهزيمة، في بعدها السياسي، ليست مجرد خسارة عسكرية، بل لحظة إدراك للنتيجة، وللفجوة بين الأهداف المعلنة وما تحقق فعلاً على الأرض.
أما أخطر ما يمكن أن يحدث فهو رفض هذا الإدراك، والاستمرار في إنتاج المسار نفسه، بينما يدفع الشعب وحده الثمن.
إن إسرائيل ليست حالة طارئة في هذا الصراع.
هي قوة احتلال ومشروع استيطاني وسلوك سياسي وعسكري قائم على منطق القوة.
لكن إدراك هذه الحقيقة لا يعفينا من مسؤولية طرح السؤال الآخر:
إذا كنا نعرف طبيعة هذا الخصم، ونعرف حدود القوة التي يمتلكها، ونعرف حجم الدعم الذي يحصل عليه، فهل يكفي أن نصفه بالإجرام كي نعفي أنفسنا من مراجعة قراراتنا وحساباتنا؟
إن القوى الكبرى لا تكتفي بما تملكه من قوة، بل تبحث دائماً عن الوقائع التي تسمح لها بتوسيع أفعالها وتبريرها وتسويقها أمام جمهورها وأمام العالم.
والمشكلة ليست في أنها تفعل ذلك، بل في أن خصومها أحياناً يساعدونها، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، على تحقيق ذلك.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل إسرائيل مجرمة؟
فهذا أمر يعرفه الفلسطيني قبل غيره.
السؤال الحقيقي هو:
هل أحسنا نحن قراءة الواقع الذي نواجهه؟
وهل أحسنّا تقدير النتائج المحتملة قبل أن ندخل شعباً بأكمله في معركة مفتوحة؟
ثم يظهر السؤال الأكثر إيلاماً:
الشعب الفلسطيني لم يكن يوماً شعباً يهرب من التضحيات.
بل ربما لم يدفع شعب في العصر الحديث أثماناً بحجم ما دفعه هذا الشعب دفاعاً عن أرضه وحقوقه وهويته الوطنية.
لكن التاريخ لا يقيس القضايا بعدالة أهدافها فقط، بل أيضاً بقدرتها على تحويل التضحيات إلى إنجازات سياسية حقيقية.
وهنا تصبح المراجعة واجباً أخلاقياً قبل أن تكون واجباً سياسياً.
فليس المطلوب تقديس القرارات، بل تقييمها.
وليس المطلوب الدفاع عن الخيارات لمجرد أنها اتُّخذت، بل قياس نتائجها على حياة الناس ومستقبلهم.
إن الشعوب تستطيع أن تتحمل الألم عندما ترى أمامها أملاً.
وتستطيع أن تصبر عندما تشعر أن تضحياتها تقربها من أهدافها.
لكن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب هو أن تتحول التضحيات إلى حالة استنزاف مفتوح، بينما يصبح النقاش السياسي محصوراً في كيفية إدارة الأزمة لا كيفية الخروج منها.
ولهذا فإن جوهر السؤال المطروح اليوم في القاهرة، وفي فلسطين كلها، لا يتعلق فقط بالسلاح أو السلطة أو ترتيبات اليوم التالي.
بل يتعلق بشيء أعمق من ذلك كله:
هل نملك الشجاعة للاعتراف بالواقع كما هو؟
وهل نملك الجرأة على مراجعة المسار قبل أن يستهلك ما تبقى من الإنسان والأرض والقضية؟
إن التاريخ لا يحاكم النوايا بقدر ما يحاكم النتائج.
ولا يتوقف طويلاً أمام ما أردناه، بل أمام ما انتهينا إليه.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضراً في وعينا الوطني ليس من انتصر في الخطاب، ولا من ربح الجدل، بل:
كيف ننقذ شعباً ما زال يدفع الثمن كل يوم؟
وكيف نمنع أن تتحول المأساة إلى مسار دائم؟
ذلك هو السؤال الذي يفرضه الواقع اليوم.
وذلك هو السؤال الذي سيطرحه التاريخ غداً.

*اسير محرر يقبع في القاهرة