الحياة صخرةٌ في الأعالي لا وزن لها ولا شكل
إذا ما تدحرجت
قتلت كل ما في طريقها
ولن يصرخ "هُبَلْ" ذاك
الجاثم تحتها
في الحالتينِ سيقبض الله
عليك
مُتلبّسًا بالبكاء.
لا تَكُن شغوفًا
ساعة وفاتك
فلديك من الحبيبات ما
يملأ ثلاجة الموتى
تعالَ لنختصر العمر في
سطر واحد
في حرم هذه التجربة
تذكّر أنّك شارع مزدحمٌ
بالشياطين
وأن الطريق إلى الجنة
لم يعُد شفافًا كما ظننت
حتى أحلامك التي
استُبدلت
بصحنٍ مملوء بالفستق
قد أنهى غسل شفتيه
بخمر عتيق
من آخر حانة أغلقت
أبوابها
لخللٍ بسيط في هرموناتها
الجنسيّة.
في غرفة التحقيق جلست
مغلوبًا على أمرك
والأسئلة مُعقدة
فكيف لجسدك الهزيل
أن يحتمل ضربتين؟
ثلاث غرف للتعذيب في
قلبك ورأسك المُتهالك يحمل
واحدة بمنافعها
يبصقُ الحظ في وجهك
بعد أن عُلّقت قدميكَ
ببطن سقف يابس
كُن طريّا في العَد واخلع
ثيابك كلها
ونم فارغًا خفيفًا مثل ذُبابة
لعلّ رؤوس أصابعك تفتح
قلبها وتنتفخ
كفيلق جُندٍ يسعى
إلى النجاة من الحرب.
أو مُت كغابة مطمئنة في
مقتبل العمر
كي لا تُصاب بالحسرة
أو تفتح مجالًا للثرثرة .
نابلس-رام الله-واثق نيوز-ريتا نجار، فنانة تشكيلية فلسطينية من محافظة نابلس، مواليد العام ٢٠٠٤، درست الفنون التشكيلية في جامعة النجاح الوطنية. وتعمل على القضية الفلسطينية من خلال الفن، حيث تتمحور أعمالها حول الأرض والهوية والذاكرة، إضافة إلى الأمل والمعاناة التي يعيشها ابناء شعبنا. وهي تعتبر الفن وسيلة نضال مختلفة؛ وتحمل في طياتها الأمل، وتوصل صوتنا كفلسطينيين إلى العالم بلغة بصرية.
وفي حديث مع "واثق نيوز" قالت نجار : أتنقل في تجربتي بين أساليب وخامات متعددة مثل : الرسم، المكس ميديا، والأعمال التركيبية، في محاولة لخلق فضاء تعبيري حر يواكب تعدد وجوه التجربة الفلسطينية. وشاركت في عدد من الورشات والمعارض، منها: معرض غزة لحظة تحوّل في مؤسسة عبد المحسن القطان، إضافة إلى معارض جماعية في جامعة النجاح، ومعرض "جلد وحناء " في المتحف الفلسطيني .
وتقول : أطمح أن تكون أعمالي مساحة للتأمل والمقاومة، وأن تسهم في إعادة تشكيل صورة فلسطين في الذاكرة البصرية، لتكون في الوقت ذاته وسيلة لإيصال صوتنا ومعاناتنا وآمالنا كشعب فلسطيني إلى العالم.
وحول لوحاتها العديدة قالت نجار ان بعض الأعمال تعكس ، محاولات الاحتلال لطمس الهوية العربية الفلسطينية ،من خلال تغيير أسماء المواقع الجغرافية، كما تركز اللوحة التي تعبر عن ذلك على مدينة يافا ورمزها البرتقال الذي يمثل المدينة ويعكس تاريخها الثقافي ، لتؤكد أن هذه الأسماء الأصلية ستظل عالقة في ذاكرة الناس، لتبقى شاهداً على التاريخ والتراث.
اما لوحة "أمل" فهي عمل تركيبي يفتح باب الروح على سر الأمومة، فالأطفال هم حياة أمهاتهم ومعنى صمودهن، وحضورهم حياة ونور يقاوم الموت ، وغيابهم صمتٌ عميق يترك الفراغ شاهداً على فقدان المعنى.
وفي هذا العمل الفني، يستعرض الفنان حسب نجار ، تجليات الهوية الفلسطينية من خلال رموز ثقافية وتاريخية تعبر عن عمق الانتماء وثراء التراث. ويظهر في الصورة مشاهد من الحياة اليومية الفلسطينية، مع إبراز قيمة المحافظة على الهوية في مواجهة محاولات الاحتلال لطمسها ونسبها إليه. ويمثل هذا العمل دعوة للتأمل في الكفاح المستمر من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية، ويبرز الفنان استخدام الألوان الترابية التي تعكس عمق الأرض الفلسطينية، ويعكس روح المقاومة والإصرار على البقاء.
أما لوحة "جمال مسلوب" ، فتقول نجار : يقدم هذا العمل الفني مشهدين متباينين يجسدان الواقع الفلسطيني.في المشهد الأول، تظهر المستوطنات كعنصر غريب وناشز في البيئة الفلسطينية، تتألق بألوان رمادية تعكس الدمار والتأثير السلبي الذي تتركه على الأرض. حيث تبدو ككتل صماء تفتقر إلى الروح، متشابهة ومكررة كأنها نسخ مستنسخة بلا ملامح، فتشوه بانغلاقها ورتابتها جمال الطبيعة الفلسطينية. بينما يستعرض المشهد الثاني جمال الطبيعة الفلسطينية، حيث تتجلى المناظر الخلابة بوضوح، بعيدًا عن وجود هذه المستوطنات. ويعكس العمل الصراع بين التوسع العمراني والموروث الطبيعي، ويحث المشاهد على التأمل في واقع الحياة الفلسطينية.
أما لوحة "رحمة" فيصور هذا العمل امرأة حامل تجسد معاناة المرأة الفلسطينية الحامل في قطاع غزة بسبب الحرب ، حيث يتجسد رحم المرأة على شكل وردة مغروسة بالارض التي حولتها الحرب الى صحراء قاحلة لا تصلح لحياة تلك الزهرة. وتحاول جذورها التمسك بهذه الارض لكن لا فائدة، وذلك دلالة على صعوبة الحياة التي تعاني منها المرأة الحامل في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها غزة بسبب الحرب ، حيث تعيش في خوف دائم على نفسها وعلى طفلها التي تحمله ،كما تعاني من نقص الرعاية الطبية اللازمة لها ولطفلها ، الامر الذي يهدد حياة جنينها وحياتها هي الاخرى .
الكاتب : د. عبد الرحيم جاموس
في البداياتِ،
حينَ يختلطُ الضبابُ بالريح،
ويتهاوى في العتمةِ صوتُ المسافرين...
تحتاجُ الأرضُ إلى مَن يُشعلُ قنديلًا،
ويخطُّ على جدارِ الليلِ ...
أولَ ملامحِ الفجر ...
*
القيادةُ ليستْ صُدفةً
ولا إرثًا من حجرٍ بارد،
إنّها حُلمٌ يتفتّحُ في وجدانِ الجماعة،
وتجسيدٌ لنداءِ القلوبِ التوّاقةِ ...
إلى طريقٍ لا يضلُّ...
*
القيادةُ
رُؤيا تستبقُ الزمن،
وعزمٌ يعبرُ حقولَ النار ...
كأنّهُ ماءٌ يَسكبُ الأملَ ...
في صَدورِ العطاشى ...
*
هيَ إرادةٌ ...
تشقُّ جدارَ المستحيل،
وتصوغُ من شظايا الانكسار ...
أنشودةَ نهوضٍ ...
تُعلِّمُ الأجيالَ أنَّ الكبوةَ ليستْ قدرًا،
بل مَعبرًا إلى الصعود ...
*
القيادةُ ...
حَسمٌ يُقيمُ العدلَ على حافةِ السيوف،
ويرفضُ أن يُساوِمَ على الحقِّ ...
في أسواقِ الضجيج ...
*
هيَ أنْ تكونَ صدى الجموع،
ونبضَهم إذا خذلتهم الطرقات،
أنْ ترفعَ رايةً لا تنكسر،
وتقولَ للريحِ:
لن تقتلعَ جذورَنا ...
ما دامَ فينا قائدٌ ...
يُبصرُ أبعدَ من حدودِ الأفق،
ويَستمدُّ من التاريخِ صلابته،
ومنَ الغدِ وعدَهُ...
*
هكذا تُختم الحكاية:
القيادةُ ليستْ مَقامًا ولا لقبًا،
إنّها ميثاقُ دمٍ وعهدُ وفاءٍ،
ومصيرُ شعبٍ يمشي نحوَ الفجرِ ...
مستندًا إلى صوتِ قائدٍ ...
يقولُ للحياةِ:
كوني...
فتكون ...
رام الله-واثق نيوز-صدرت عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان وبيروت الرواية الجديدة للدكتور وليد الشرفا، أستاذ السيمياء والخطاب في ماجستير الإعلام الرقمي- جامعة القدس، وهي الإصدار الخامس بعد رباعيته اللافتة: رباعية الشواهد، التي سردت النكبة والنكسة والخيبة وتحولات الكينونة الفلسطينينة عبر مسيرة الصدمات بأسلوب سردي مغاير أو “برواية أخرى”.
ويقدم د. الشرفا الرواية بأسلوبيات سردية جديدة، حيث يشكل الحب المولد الأول للحكاية والمعنى بأسلوب وبلغة تراجيدية، وتدور أحداث الرواية في مدينة نابلس في مرحلة ما بعد الانقسام الفلسطيني، وتصور حالة الارتباك النضالي بين السلطة والثورة وبين الانقسام وتشظي الهوية الوطنية.
أمكنة الرواية مثل أزمنتها محطمة ومحاصرة، حيث التحول التراجيدي من أحلام الحب حول موقد يطل على نابلس بكل ما يحمله الخيال الحميمي من تخيلات وعوالم افتراضية مؤجلة، عبر تحولات نضالية وصلت إلى الاغتيال والاشتباك، ومن ثم الانتقال من أحلام الدفء إلى واقع الصقيع والبرد في ثلاجة الموتى بعد احتجاز جثمانه.
تدور أحداث الرواية في البلدة القديمة من مدينة نابلس، وهي الثالثة التي تكون نابلس مكانها الرئيس بعد “وارث الشواهد” و “ليتني كنت أعمى”، ويعكس السرد حميمية عالية بالعلاقة مع المكان، تسيطر اللغة التراجيدية والمضامين الأسطورية على الحكاية التي ترويها لماء، وهي خطيبة عماد التي تبقى على العهد حتى لاينكسر ظل الأبطال.
تصور الرواية هواجس الحب والموت والبرد والدفء بلغة شعرية عالية ومكثفة، تعتبر امتدادًا لأسلوبية الشرفا السردية، وتسيطر على الرواية لغة الأحلام والكوابيس والمفارقات والوصايا، وتتداخل فيها الأصوات كما الأمكنة والأزمنة بشكل يربك القارئ أحيانا، لكن القارئ يكتشف صعوبة سرد الحكاية دون هذا التداخل وتلك التداعيات.
يشكل مشهد النهاية ذروة المحاكمة التاريخية للأسطورة وللقوة وللهزيمة والنصر، حيث الحوار الأخير بين الجندي المسيطر عليه في بيت عماد الذي اتخذ قرارا بهدمه، وبين تواريخ وحوارات الموت والولادة حيث لا تكون القوة دائمًا هي الحكم، فهذه المرة لن يهدم البيت علينا وحدنا.
في “أن يأتي الليل دونك”، يكمل الشرفا راية التجديد السردي في الرواية الفلسطينية بأسلوب متفرد حيث الأغاني واللوحات والدخان والهواجس وحتى الاستدراكات، تكمل الدلالة السردية في توليد مركب للمعنى ينطلق من حساسيته الفنية وثقافته المعرفية الأكاديمية في هذا المضمار.
نابلس-واثق نيوز-ريتا نجار، فنانة تشكيلية فلسطينية من نابلس، مواليد ٢٠٠٤، تدرس الفنون التشكيلية في جامعة النجاح الوطنية. وتعمل على ايصال عدالة القضية الفلسطينية بريشتها من خلال الفن، حيث تتمحور أعمالها حول الأرض والهوية والذاكرة، إضافة إلى الأمل والمعاناة التي يعيشها شعبنا. وتعتبر الفن وسيلة نضال مختلفة؛ وسيلة تحمل في طياتها الأمل، وتوصل صوتنا كفلسطينيين إلى العالم بلغة بصرية.
وقالت ل" واثق نيوز": أتنقل في تجربتي بين أساليب وخامات متعددة مثل: الرسم، المكس ميديا، والأعمال التركيبية، في محاولة لخلق فضاء تعبيري حر يواكب تعدد وجوه التجربة الفلسطينية. شاركت في عدد من الورشات والمعارض، منها: معرض غزة لحظة تحوّل في مؤسسة عبد المحسن القطان، إضافة إلى معارض جماعية في جامعة النجاح، ومعرض "جلد وحناء " في المتحف الفلسطيني.
واختتمت بالقول : أطمح أن تكون أعمالي مساحة للتأمل والمقاومة، وأن تسهم في إعادة تشكيل صورة فلسطين في الذاكرة البصرية، لتكون في الوقت ذاته وسيلة لإيصال صوتنا ومعاناتنا وآمالنا كشعب فلسطيني إلى العالم.
القدس-واثق نيوز- صدرت حديثا عن مؤسسة "امرزيان" للاخراج والطباعة في القدس رواية "جيهان " للكاتب الروائي والمسرحي عزام توفيق ابو السعود . وهي الجزء الخامس من روايات الكاتب المقدسي الأخرى وهي صبري وحمام العين والستيفادور وسبيريتزما والتي تدور احداثها في القدس مدينة الكاتب التي يعشقها بجنون.
وتصف الاعلامية تالا حلاوة التي شكرها الكاتب في مقدمة الرواية هي ود. محمود العطشان على تدقيق الرواية "جيهان مناضلة فلسطينية في مجتمعها بتلقائية بحتة دون اقحام او اقصاء، حيث نسترق السمع لحوارات عائلية بلهجة مقدسية خالصة تضفي ألفة وسحرا على تجربة القراءة وتعلمنا بعفوية ما لم تعلمنا اياه كتب التاريخ عن هذه المدينة الفريدة وعن فلسطين واحوال اهلها خلال لحظات تاريخية مفصلية في منطقتنا".
وتختم حلاوة بان سلسلة روايات عزام ابو السعود تركز ليس فقط على الحنين الى الماضي ولكن على ما يجمعنا كفلسطينيين ، اينما كنا وهو حبنا للقدس.
واهدى الكاتب رواية جيهان الى ابنته " لانا التي واصلت الإلحاح عليه لاكمال الرواية رغم مرضه والى زوجته الهام التي يسمعها بقلبه وجوارحه".
وكالات - واثق نيوز- تحدثت النجمة العالمية جينيفر لورنس علنا عن حرب إسرائيل في غزة والرقابة في الولايات المتحدة، معتبرة أن ما يحدث في القطاع لا يقل عن كونه إبادة جماعية.
وخلال مؤتمر صحفي لفيلمها الجديد "Die, My Love" في مهرجان سان سيباستيان السينمائي، أجابت الممثلة الأمريطية الشهيرة جينيفير لورنس على أسئلة العديد من الصحفيين حول مواضيع سياسية شائكة، على الرغم من محاولة مُنسق المهرجان إيقافهم، وفقًا لموقع "ديدلاين".
وعندما سُئلت عن عنف إسرائيل في غزة، الذي وصفه العديد من الخبراء الرائدين في العالم بالإبادة الجماعية، أجابت لورنس: "أنا مرعوبة. إنه أمر مُخيف. ما يحدث هو لا يقل عن كونه إبادة جماعية وهو أمر فظيع".
وأضافت: "ما يحزنني بشدة هو انعدام الاحترام في الخطاب السياسي الأمريكي في الوقت الحالي، وكيف أن هذا سيصبح أمرًا طبيعيًا للأطفال في الوقت الحاضر. سيصبح من الطبيعي بالنسبة لهم أن يكذب السياسيون".
وحثت لورنس الحاضرين في المهرجان السينمائي على "البقاء مركزين على من هو المسؤول" بدلا من توجيه غضبهم إلى الممثلين والفنانين، في إشارة محتملة إلى تعهد حديث وقّعه أكثر من 400 شخصية من صناعة الترفيه لمقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية التي يقولون إنها "متورطة في الإبادة الجماعية والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني".
وعندما سُئلت عن رأيها في الهجمات على حرية التعبير في الولايات المتحدة، أجابت لورنس: "حريتنا في التعبير والتعبير عن الرأي تتعرض للهجوم وأعتقد أن عالم السينما واستخدام صوتك بطرق فنية، وإقامة مهرجانات مثل هذه حيث يمكننا أن نتعلم من بعضنا البعض وندرك أننا جميعا مرتبطون ومهمون ونستحق التعاطف والحرية، هي أمور مهمة".
ولقد أسفر الهجوم الإسرائيلي على غزة عن مقتل أكثر من 65,000 شخص، وإصابة أكثر من 160,000، وحوّل جزءا كبيرا من القطاع إلى أنقاض.
ووفقا لبيانات من منظمة "أكليد" (Acled) المستقلة لتتبع أعمال العنف، حوالي 15 من كل 16 فلسطينيًا قُتلوا على يد الجيش الإسرائيلي منذ انتهاك وقف إطلاق النار في مارس كانوا من المدنيين.
وكشفت صحيفة الغارديان الشهر الماضي أن البيانات الداخلية من قوات الجيش الإسرائيلي وجدت أن حصيلة القتلى المدنيين بلغت 83% بين اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 ومايو من هذا العام.
الكاتبة : سها زيدان
مالك بن نبي (1905–1973) هو مفكر جزائري كتب في زمن الاستعمار وما بعده، وكان أحد أبرز العقول التي حاولت أن تفكّك معضلة التأخر الحضاري للأمة الإسلامية وتعيد رسم طريقها نحو المستقبل. جاء فكره امتدادًا لتجربة شخصية عميقة عاشها ما بين الجزائر المستعمَرة وفرنسا، التي مثّلت نموذجًا للعلم والتنظيم والقوة المادية، فكان وعيه موزعًا بين انبهار بالمنجز الغربي وإصرار على البحث عن جذور النهضة في التربة الإسلامية نفسها. من هنا وُلد مشروعه الفكري الذي تبلور في كتابه الأشهر شروط النهضة (1948)، والذي يمكن اعتباره لبنة تأسيسية فيما سمّاه لاحقًا "علم العمران الحديث".
في شروط النهضة قسّم بن نبي مشروعه إلى قسمين: الماضي والحاضر أولًا، ثم المستقبل ثانيًا. في القسم الأول، الذي أسماه "تشخيص المرض"، حاول أن يضع إصبعه على مواطن العطب في التاريخ الإسلامي الحديث. ورأى أن الاستعمار لم يكن مجرد غزو خارجي، بل هو نتيجة داخلية لفراغ حضاري أصاب الأمة، فجعلها قابلة للاستعمار قبل أن تقع فيه. هذا التشخيص لم يقتصر على نقد الخارج، بل انصبّ على الذهنية الإسلامية التي انشغلت عبر القرون بالبطولة الفردية والقتال من أجل الشرف أكثر من انشغالها بصناعة التاريخ. يقدّم مثال الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاوم فرنسا سبعة عشر عامًا ببطولة نادرة، لكنه انتهى إلى الهزيمة لأن المقاومة لم تتحول إلى مؤسسة حضارية مستدامة. البطولة إذن، في نظره، ليست غاية النهضة، بل قد تكون عائقًا إذا لم تُترجم إلى مشروع تاريخي جامع.
ويمتد نقده إلى السياسيين في الحقبة الاستعمارية وما بعدها، الذين اكتفوا برفع الشعارات والمطالبة بحقوق الأهالي من دون أن يحدثوا تغييرًا جذريًا في وعي الإنسان. السياسي ــ كما يراه مالك بن نبي ــ لا يمكن أن يقود النهضة، بل العالم والمفكر الذي يقدر على إعادة صياغة الثقافة وتوجيه الطاقات. فالثورة تبدأ من داخل النفس قبل أن تتحقق في الميادين العامة. ولهذا ظل بن نبي يؤكد أن أي مشروع نهضوي لا بد أن يبدأ بتشخيص أمراض الماضي والحاضر، وإلا فإنه لن يملك أساسًا صلبًا للمستقبل.
أما في القسم الثاني، أي المستقبل، فيطرح بن نبي نقدًا جوهريًا لطريقة تعامل المسلمين مع الغرب. نحن ــ كما يقول ــ نكدّس الأفكار كما نكدّس الأشياء. فالشاب الذي يعود من الغرب بشهادة عليا يضعها للوجاهة الاجتماعية بدل أن يحوّلها إلى مشروع معرفي منتج، وهكذا تتحول المعرفة إلى زخرفة. الحضارة، في رؤيته، ليست تكديسًا للمنتجات، بل قدرة على توليدها باستمرار لأنها تملك ديناميكيتها الداخلية. وهنا يبلور معادلته الشهيرة: الحضارة = إنسان + تراب + وقت. هذه العناصر الثلاثة لا تصنع حضارة إلا إذا اجتمعت في وسط محرّك، وهذا الوسط هو الفكرة الدينية التي تمنحها الاتجاه والمعنى. فالتاريخ يشهد أن الحضارات وُلدت دومًا في ظل معبد أو فكرة كبرى تعطيها روحًا دافعة.
هذا التصور لم يقف عند حدود التنظير، بل توسّع في كتبه الأخرى مثل مشكلة الثقافة وميلاد مجتمع. في هذه الأعمال واصل نقده لما سمّاه "عالم الأفكار الميتة" الذي يثقل وعي المسلم المعاصر. فالأمة مليئة بالنشاطات والأقوال، لكنها تفتقر إلى التوجيه. وإعادة التوجيه عنده تعني إعادة بناء الثقافة على نحو يجعلها قادرة على إنتاج الفعل التاريخي. الثقافة، في فهمه، ليست ترفًا فكريًا، بل جهازًا حيويًا يوجّه السلوك الاجتماعي نحو غاية واضحة.
وفي كتاب فكرة كومنولث إسلامي طرح تصورًا مبكرًا لوحدة المسلمين، لم يقم على وهم استعادة الخلافة، بل على صيغة عملية للتعاون بين عوالمهم المتعددة: العربي، والتركي، والفارسي، والإفريقي، والآسيوي. هذه الرؤية تحققت جزئيًا لاحقًا في منظمة المؤتمر الإسلامي. لكنه ظل يرى أن الوحدة الحقيقية لا تقوم إلا على وعي حضاري مشترك، لا على شعارات سياسية ضيقة. ومن هنا جاء نقده اللاذع لما سمّاه "الإسلام السياسي" الذي حوّل الدين إلى خطاب للجماعة بدل أن يبقى خطابًا للأمة.
ومع أن بعض النقاد أخذوا عليه ضعف الصلة المباشرة بالقرآن الكريم مقارنة بمفكرين مثل سيد قطب، فإن قوة مشروعه تكمن في محاولته الجمع بين الروحانية والعلم، بين العقل والوجدان، بين قراءة التاريخ وفهم شروط الحاضر. فهو لم يكتب لنظام أو دولة، بل للإنسان المسلم كفرد وجماعة. ولهذا ظل فكره صالحًا للاستدعاء في كل زمن يعاني فيه المسلمون من العجز عن صناعة التاريخ.
ما بقي من مالك بن نبي اليوم ليس مجرد مصطلحاته أو معادلاته الفكرية، بل ذلك الإصرار على أن النهضة مشروع جماعي يبدأ من الإنسان. لقد كان آخر ما دعا إليه في محاضرته الشهيرة حول دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين هو "ردّ القداسة إلى الحضارة الإنسانية". لم يعد يتحدث عن حضارة إسلامية مغلقة، بل عن دور المسلم في إعادة البعد القيمي لحضارة عالمية مهددة بالفراغ الروحي. هذه الرؤية تعكس تحوّل وعيه من خطاب النهضة الداخلية إلى خطاب إنساني كوني، من نقد الذات إلى دور المسلم في التاريخ العالمي.
إن قوة مالك بن نبي تكمن في أنه لم يقترح حلولًا سحرية، بل كشف العطب العميق في بنيتنا الثقافية والنفسية. علّمنا أن البطولة وحدها لا تكفي، وأن الأفكار إن لم تتحول إلى قوة فاعلة فإنها تصبح عبئًا، وأن الحضارة ليست تكديسًا بل بناء. الأهم من ذلك أنه ترك مشروعًا مفتوحًا لا ينبغي أن يُعامل كسقف يغلق علينا التفكير، بل كأرضية ننطلق منها. ما نحتاجه اليوم ليس أن نكرر أفكاره كما هي، بل أن نترجمها إلى مشاريع عملية، تعليمية وثقافية وسياسية، تعيد للإنسان المسلم وعيه بقدرته على التأثير في التاريخ.
لقد علّمنا مالك بن نبي أن النهضة تبدأ بتشخيص المرض، لكن قيمته الحقيقية أنه لم يتركنا أسرى التشخيص، بل فتح لنا أفق البناء. وفي عالم تتسارع فيه الانهيارات وتتكاثر فيه الشعارات، يظل صوته نداءً عميقًا: أن نكفّ عن لعب دور الأبطال العابرين، وأن نستعيد دور صانعي التاريخ.
الكاتب : وليد الهودلي
لماذا هي رحلة فريدة؟
لأنك تجد فيها الثورة بعنفوانها العالي، وتجد فيها النقد الاجتماعي والسياسي القوي الأمين الجريء، وتجد فيها النزف والألم والجرح الغائر، وفي ذات الوقت تجد فيها حلاوة اللغة وجمالياتها، رغم أنها تمسك بيد قلبك وتخوض به جبالاً وعرة مليئة بالشوك والصخور العاتية. تجد نفسك في مسار يجمع بين الجمال والمخاطرة.
هذا المعترك المشتبك ذاتياً في أعماق النص، والمنتشر على مساحات واسعة، والمحلّق في آفاق بعيدة يصعب حصره بوصف محدد المعالم؛ فأي وصف جامع يستعصي على الإحاطة به، لأن الكتابة عند صاحب هذا النص الملهم والممتع في آن واحد:
"نسيج لخيوط كفن، ورحلة نحو المجهول، واستعجال للحَتف السياسي والموت المبكر؛ هي أن تقول لا رغم حلاوة الـ(نعم)، ورغم الأثمان الباهظة التي ستجلبها هذه الـ(لا) المقدسة. إنها المطاردة الساخنة للرذيلة ودعاتها، وللخيانة ورموزها، وللعبث بأرواحنا وأعمارنا... الكتابة مخاض عسير، فحاذر ألّا يكون المولود مباركاً".
هذه كلمات يمكن أن نعتبرها نبراساً أو مقياساً للكتابة المسؤولة ذات الرسالة والهدف وصناعة الحياة. وهي تضعنا أمام كاتب يستشعر ويئن من ثقل الأمانة وحمل أوزارها، كاتب يدرك تماماً أن له رسالة سماوية تحفر عميقاً في أعماق النفوس وترسي قواعد حياة عظيمة ومستقبل مشرق حرّ لأمة عظيمة ينتمي إليها بكل حروفه وأفكاره حتى النخاع. وهذا أعظم ما لمسته في هذه الروح القوية الأمينة؛ فهي ذات فرع في السماء وأصل ثابت في الأرض. ثم تأتيك هذه القوة عبر جماليات اللغة وتجليات حلاوة قلّ نظيرها.
بروح نقدية عالية، وبلغته الجميلة الخاصة، تجده مثلاً يوجه سهام نقده:
"علّمونا صغاراً أن سقوط التفاحة أدى بنيوتن لاكتشاف قانون الجاذبية. ترى، ألم يدفع سقوط الناس الأخلاقي والاجتماعي إلى اكتشاف قانون الحد من الدونية وضرورة السمو إلى الأعلى؟".
وينتقد ظاهرة عبث السائقين المتهورين بأرواح الناس، حين يأتيها بمشاعر الحزن العميق والأسى القاتل وهو يرينا كيف يلمّلم أشلاء طرية لطفل خطفه الموت من تحت عجلات سائق طائش. وتكون المفاجأة المذهلة عندما يكون هذا الطفل البِكر لأسير يرسم لنا حزنه من خلف القضبان على وفاة بكره. فيبكي ويُبكينا بنصه الباكي حتى الرمق الأخير من دمع العين ونزف القلب.
ويرينا في نصه الجميل كيف تكون الكتابة :
"نزف يومي دون عناية مركزة. كثيراً ما تراودني نفسي عن التوقف عن الكتابة، ولكن سرعان ما أنحني لعاصفة المشهد وثورة اللغة وإلحاح اليراع واستغاثات قلب لا يكف عن النشيد ... ولهذا سأواصل. سأواصل الكتابة لأمي، وفي ظلالها تستريح الحياة على أمل العبور إلى الآخرة. سأكتب للبحر حيث الشر الكامن فيه، ومن كفيه تنبجس اثنتا عشرة قصيدة وملحمة كل صباح... سأكتب... سأكتب للقدس وهي تحني ضفائرها بالنار والبارود، وتكتحل أعينها بالتاريخ وسورة الإسراء، والبحر المتواري خلف الغيوم".
هنا، في هذه المقطوعة الغنية الثرية، يضع كاتبنا نبراساً للكتاب: من تستهدفون بكتابتكم؟ سجل حافل وميادين مفتوحة؛ فالكُل، بكل أصنافه وأنواعه وأشكاله الملتبسة، بحاجة إلى كتابتكم. وكأنه يريد أن يقول: فلا تتوانوا لحظة عن الكتابة.
ويحكي لنا عن بوح الليل وباحاته الواسعة:
"لا تكره قلمك على الكتابة حتى لا تجتر نصاً مشوهاً. كم هي لحوحة نصوص الليل! لا أنت قادر على إسكاتها، ولا هي تستسلم لنوم أو هدوء. فقم أيها المتقلب في الفراش، لتقلع النص وتقلع أوجاعه".
الكتاب غني، ويفتح في الروح مساحات واسعة للتأمل مع الفكرة واليقظة والإضاءة على ما نحن عليه من خرائط عربية يحكي لنا عنها حكايته. ولكن الأجمل أنه، وأنت تقرأ الواقع المرّ، لا تغيب عنك البتة متاع اللغة وسمو روحها، ويجعلك عاشقاً والهاً في رحابها التي أفسحت لهذا القلم الجميل أن يحلّق في سمائها العالية.
نحن في هذا الكتاب بين يدي كاتب رافعي جديد قادر على رفعنا إلى سماء اللغة لنحلّق معه عالياً، أجاد عجينة اللغة وخبز لنا خبزاً لقلوبنا وأرواحنا، أشبع قريحة اللغة من ألفها إلى يائها، وقدّم مع خبزه مائدة عامرة فاخرة. والجميل أنه لا أخال أحداً صاحب ذائقة يستطيع أن يقاوم أية وجبة قادمة، بل في ترقب وانتظار إلى أن يجود علينا من شهد ما يفتح الله عليه في الأيام القادمة.
نابلس - واثق نيوز- وقّعت الكاتبة الروائية منى بشناق، روايتها الجديدة بعنوان "شرفة الرمال"، خلال فعالية ثقافية نظمتها جمعية بذور للتنمية والثقافة، برعاية وزارة الثقافة، وسط حضور عدد من ممثلي المؤسسات الثقافية والأدباء والمهتمين بالشأن الأدبي.
وأكد رئيس جمعية بذور للتنمية والثقافة رائد الدبعي، أهمية إصدار روايات توثق السردية الفلسطينية وما يجري في قطاع غزة بلغة أدبية وثقافية، تعكس الرواية الفلسطينية أمام العالم.
وقدم الناقد رائد حواري قراءة نقدية للرواية، مشيرا إلى أنها تحمل رسائل إنسانية في زمن الحرب، وتمتاز بكونها كتبت أثناء العدوان على غزة، ما منحها خصوصية في توثيق التجربة الفلسطينية.
من جانبها، أوضحت بشناق أنها أرادت من خلال الرواية أن تروي قصة من غزة لتؤكد أن كل حكاية هناك ليست مجرد رقم، بل ذاكرة وحلم وصمود في وجه الموت والدمار، مضيفة أن الكتابة شكّلت لديها حاجة لتوثيق ما لا يُرى من تفاصيل الحياة في الحرب، لتكون شهادة للأجيال المقبلة.
وبيّنت أن شخصية المرأة الغزية الصامدة والقوية في الرواية، جاءت لتوثّق معاناة شعب بأسره، مشددة على أن المرأة في "شرفة الرمال" ليست ضحية، بل جوهر المعاناة ورمز القدرة على الاستمرار رغم كل الظروف.
وأشارت بشناق إلى أنها كتبت الرواية لغاية تخليد ذاكرة المكان، وهو ما أثر بها في رواية "طنطورة" التي وثّقت إحدى المجازر التاريخية، ألهمتها لتقديم روايتها كحكاية للأجيال القادمة، توثّق معاناة غزة وما يعيشه أبناؤها.
وخلال الحفل، قدّمت مديرة مكتب وزارة الثقافة في نابلس سماح الخاروف درعا تكريميا للكاتبة تقديرا لجهودها في دعم المشهد الثقافي الفلسطيني وتوثيقها للرواية الفلسطينية.
وتدور أحداث الرواية، الصادرة عن دار طباق للنشر والتوزيع في 180 صفحة من القطع المتوسط، حول شخصية "جليلة"، وهي امرأة من غزة تكافح لتأمين حياة كريمة لها ولابنتها الصغيرة، قبل أن تطيح الحرب الأخيرة بأحلامها وتجعل النجاة مسعاها الأخير.
وتتناول الرواية، قضايا اجتماعية ووطنية من خلال رؤية سردية إنسانية، وفتحت باب النقاش حول دور الأدب في التعبير عن القضايا الفلسطينية من منظور جديد.
يشار إلى أن بشناق من مدينة نابلس، وعضو في الاتحاد العام للكتّاب الفلسطينيين، وصدرت لها عدة روايات منها: "وزر أخرى"، و"ذهب مع تشرين"، و"رجل في المنفى"، إلى جانب إسهاماتها الأدبية في مجلات عربية وفلسطينية ومشاركاتها في معارض محلية ودولية.
ـــــــــ
عمان-مجد للصحافة-واثق نيوز-في سماء الثقافة العربية، أطلّ كتاب "نقرأ بإبداع .. نكتب بحب" ليضيء دروب الأدب بروحٍ من الوفاء للكلمة، وعناقٍ بين الحرف والمحبّة. هذا الإصدار المشترك بين الكاتب الأستاذ رائد عسّاف والدكتورة تهاني بشارات، لم يكن مجرّد كتابٍ جديد يُضاف إلى رفوف المكتبات، بل كان حدثاً أدبياً وثقافياً مهيباً شهدت فعالياته العاصمة عمّان ومدينة إربد، وسط حضور واسع من الأدباء والمفكرين والمبدعين.
وجرى حفل الإشهار للكتاب في المكتبة الوطنية – عمّان مساء يوم الاثنين الموافق 8 أيلول/سبتمبر 2025، وذلك بتنظيم من منتدى الفريق الإبداعي للثقافة والفنون، وبالتعاون مع مؤسسة محمود أبو عواد الثقافية. وكان الحفل لوحة نابضة بالألوان، اجتمع فيها نخبة من المثقفين ليشهدوا ميلاد هذا العمل المميّز.
وأدارت الأستاذة جمانة الرمحي الأمسية بإتقان، فارتقت بلغة التقديم إلى مصاف الشعر، وقدّمت الضيوف بكلمات بليغة أضفت على الأجواء وهجاً خاصاً. وافتُتحت الكلمات مع رئيس المنتدى، الكاتب الأستاذ رائد عساف، الذي أكّد أنّ الأدب هو الجسر الخالد الذي يوحّد القلوب وشكر الحضور البهي والداعمين والمشاركين . تلاه الفنان عماد المقداد، الذي قدّم لوحة غلاف الكتاب هديةً رمزية تعبّر عن التقاء الفن بالأدب.
أما الأستاذ وائل عبد ربه فقد سلط الضوء على أهمية الكتاب، مثنياً على الجهد المبذول في توثيق القراءات الانطباعية. وجاءت كلمة الشاعر و الاعلامي الكبير هشام عودة لتؤكد أن هذا العمل يضيف بعداً نوعياً للمكتبة العربية، فيما قدّم الدكتور عمر الربيحات قراءة نقدية معمّقة تناولت مضامين الكتاب بلغة أكاديمية رصينة.
وكانت كلمة الدكتورة تهاني بشارات من أصدق لحظات الحفل، إذ عبّرت عن امتنانها، وأشارت إلى أنّ الكتاب جاء ثمرة حب للأدب وتعاون صادق مع الأستاذ رائد عساف. وختم الأستاذ جروان المعاني الأمسية بكلمة مؤثرة، واصفاً الإصدار بأنه نافذة ضوء وحوار محبة بين الكاتب والقارئ.
وفي الختام، جرى تكريم المشاركين والداعمين من قبل مؤسسة محمود أبو عواد الثقافية وسط تصفيق الحضور، والتُقطت الصور التذكارية بعدسات الإعلامية هند السليم، والمصورين محمد السعافين وحسن أبو غليون، لتظل تلك الليلة محفورة في ذاكرة الأدب.
حفل التوقيع في نادي الفنانين – إربد ...
وبعد يومين فقط، كانت مدينة إربد على موعد جديد مع الكلمة. ففي مساء الأربعاء 10 أيلول/سبتمبر 2025، أقام منتدى الجياد للثقافة والتنمية، وبرعاية المهندس عامر نصراوي، حفل توقيع الكتاب في نادي الفنانين – إربد.
وكانت الأمسية كلوحة فنية تنبض بالحياة، عزف المايسترو سامر المعاني فيها مقطوعة موسيقية خاصة مهداة للكتاب، لتتناغم الموسيقى مع الأدب في مشهدٍ بديع . وأدار الحفل باقتدار الدكتورة حنين عبيدات، التي قدّمت الحضور بكلمات عذبة جعلت من الأمسية رحلة إبداعية متدفقة.
وأشاد الأستاذ الإعلامي سامر المعاني بمضامين الكتاب، واعتبره فسيفساء فكرية تضم قراءات انطباعية لثلاثة وعشرين كتاباً متنوعاً. فيما قدّم الأستاذ أحمد القاسم ورقة نقدية غاصت في العمق التحليلي، كاشفاً عن جواهر الكتاب وأبعاده الفكرية.
وفي كلمته، عبّر الأستاذ رائد عساف عن امتنانه للحضور والرعاية الكريمة، مشيراً إلى الصعوبات التي رافقت صدور الكتاب، ومثمّناً جهود أسرة منتدى الجياد. فيما تحدّثت الدكتورة تهاني بشارات عن بعض النصوص المختارة من الإصدار، وقدّمت قراءة انطباعية توضّح المنهجية التي قام عليها هذا العمل الأدبي المشترك.
وفي لحظة احتفالية، قام راعي الحفل المهندس عامر نصراوي بتكريم الكاتبين، لتُختتم الأمسية بالتقاط الصور التذكارية التي وثّقت هذا الحدث الثقافي المميز. وقدّم منتدى الفريق الإبداعي شكره الخاص للأستاذة نهى مشرف، والأستاذة جمانة وادي الرمحي، على حضورهما ومرافقتهما العطرة، وللأستاذة فاطمة شقير على جهودها التنظيمية التي منحت الحفل رونقاً خاصاً.
وما بين إشراقة عمّان وألق إربد، دوّى صدى الكلمة ليؤكد أن الأدب رسالة تتجاوز الحدود، وأن الحرف حين يُكتب بحب، يُقرأ بإبداع. وقد جسّد هذا الإصدار المشترك معنى التعاون الثقافي الحقيقي، وفتح نوافذ جديدة أمام المكتبة العربية، ليبقى شاهداً على أن الكلمة المخلصة قادرة على أن توحّد القلوب، وتمنح الروح أفقاً من الجمال والأمل.
القدس-واثق نيوز- محمد زحايكة-بحكم اهتمامنا بالثقافة والادب كنا نتابع الكثيربن من الكتاب في مختلف مجالات الكتابة .. ومن بين هؤلاء الكاتب الأدبي والقصصي صلاح عويسات ، الذي شعرنا أنه " بلديات" ولا بد أن يكون من بلدة اشتهرت بكوكبة من الأدباء والكتاب والصحفيين بمختلف احيائها وهي جبل المكبر " السواحرة الغربية " إلى " السواحرة الشرقية " إلى حي الشيخ سعد مسقط رأس صاحبنا الكاتب المقتصد صلاح عويسات الذي كنت أقرأ له بعض القصص القصيرة والخواطر الأدبية المتناثرة في بعض الصحف وربما المجلات المحلية عبر السنين المتدحرجة .
ولدى ظهور حضرة " الفيسبوك " أخذت ملامح هذا الكاتب الجليل صاحب القسمات الصارمة واسلوب الكتابة الرصين المغلف بمفاهيم دينية تتضح أكثر بالنسبة لنا و لسوء حظنا، لم نتعرف عن قرب على الكاتب عويسات وإنما التقيناه ربما في عدد من المناسبات العامة وإنما كنا نسمع عنه ما يسر الخاطر من حيث حسن الخلق والمعاملة الجميلة والطيبة والبعد عن التزمت والانغلاق وهو ما يظهر في مشاركاته الكتابية الأدبية من خلال المجموعات الأدبية في الفضاء الإلكتروني والانفتاح على هذه النوادي او الاندية الثقافية ذات المضامين الجادة في التوعية ونشر الذائقة الأدبية السليمة المبنية على أسس أخلاقية وقيم انسانية رفيعة تنشد الجمال والحياة الكريمة لشعوب وامم العالم طرا .
لباقة وحديث ماتع ..
وفي لقاء أخير جمعني بهذا الكاتب الانسان اللبق وحلو الحديث والابتسامة الرقيقة ، أبديت استغرابي من عدم إصدار كتاباته في كتاب او مجموعات قصصية، والحقيقة ان طبيعة اللقاء العجول لم تسعفنا كثيرا، لفهم احجامه عن إصدار منشوراته في كتاب والاكتفاء بالنشر في الصحف وربما المجلات وعلى " النوافذ" الأدبية الالكترونية فقط .
الشعر التقليدي .. ؟!
وواضح من خلال منشوراته الكتابية انحيازه إلى الأساليب الأدبية التقليدية إلى حد ما وتفضيله للشعر العامودي، الشعر الذي يعتمد بحور الشعر العربي المتعارف عليها، وربما ظهر ذلك جليا في تقريظه لمجموعة شعرية للشاعر معتز القطب ، أظنها حول مدينة القدس وكذلك ربما لزمالته لاحد رجال التربية الافاضل المدير المعروف علي ابو راس له العمر المديد والصحة والعافية الذي درّسنا سنوات في المعهد العربي الاردني في أبو ديس وهو من المتميزين في تدريس اللغة العربية الجميلة على أصولها .
وكما ذكرنا عن الكاتب والباحث الالمعي محمد موسى عويسات ، لا بد أن نشير الى أنه مع صلاح عويسات يشكلان ظاهرتان يفتخر بهما على هضبة الشيخ سعد من حيث امتشاق القلم وارتياد عالم الكتابة الأدبية المتنوع والذي لا تحده حدود ، دفاعا عن لغة الضاد وانتصارا لمبادئ هذه الامة العظيمة التي غدر بها الزمن وهي تصارع من أجل العودة إلى تصدّر مشاهد التاريخ والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية من موقع الندية أن لم تكن في طليعة الأمم.
وراء الكواليس ..؟!
يخيل إلينا ان كاتبنا صلاح عويسات ، يؤثر الكتابة الواعية ومن وراء الكواليس مبتعدا قدر المستطاع عن مظاهر البهرجة والظهور الاعلامي الصاخب،لأسباب ما زلنا نجهلها، او لربما أنه غير محب للظهور ويؤثر الكتابة من خلف الكواليس او من وراء الظلال ساعيا إلى تكريس أهمية الكلمة في عكس نبض الشعوب والامم المتطلعة إلى عالم نابض بالحياة والطمأنينة والامن والسلام .
صلاح عويسات ، قلم رصين هادئ ، مقل ربما ولكنه صاحب نكهة خاصة وتعبير ضاف عن هموم شعبه وأمته في النهوض من غفوتها وكبوتها وتسلق سلالم المجد والرفعة والاقتدار . تحياتنا واحترامنا وتقديرنا لهذا القلم الرصين العتيق .
كتب محمود منير- لم تنه التعديلات التي أجراها طه حسين على كتابه "في الشعر الجاهلي" (1926)، الجدل حول آرائه الواردة في الطبعة الأولى في القصائد التي تُنسب إلى العرب ما قبل الإسلام، كونها منحولة تمثّل حياة المسلمين، ولا تعبّر عن نظرة أسلافهم الفكرية والدينية ولا تأخذ مبنى لغتهم القديمة. تركت تلك الخلاصات باب الشك مفتوحاً، رغم تعدّد الاعتراضات عليها، وهو ما يعيد طرحه الباحث فهد عاشور في دراسة مستفيضة لحوالي مئة ألف نقش أثري يعود أقدمها، إلى القرن الثامن قبل الميلاد.
تمثّل هذه النقوش صدمة معرفية ضمن مستويات متعدّدة، إذ تمّ العثور عليها في الباديتين السورية والأردنية (وأجزاء محدودة من شمال غرب السعودية) قبل انتشارها بعد فترة متأخرة نسبياً إلى بقية أنحاء الجزيرة العربية، وأنها كُتبت بلهجات عربية قديمة مختلطة أو متأثّرة بالآرامية أو لهجات بدوية لا يزال بعضها حيّاً حتى اليوم، بالإضافة إلى الكتابة بلهجات شديدة الشبه باللهجات العامية المعاصرة في بلاد الشام مع بعض السمات الفصيحة، كما تبيّنها أولى البرديات الإسلامية، وأنه لم يوجد فيها جميعاً بيتُ شعرٍ جاهلي واحد كما تمّ تدوينه في عهد العباسيين.
يفكّك عاشور في كتابه "الفصحى.. لغة مصطنعة" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2025)، جملة مسلّمات تتعلّق بمفاهيم الفصاحة، التي يراها اختراعاً عراقياً محضاً لا صلة لسكّان جزيرة العرب بها، وأن مفردة العرب تعني الحَرْف ولم تعن جماعة إثنية، وكيف أن العربية تحوّلت اصطلاحاً على يد النحاة في القرن الـ 4 هـ/10 م، من "اللغة بمعناها العام" إلى "اللغة المنسوبة حصراً للعرب".
شعر نبطي تمّت فصحنته
يبدو لافتاً العثور على نقشَيْ "ترنيمة الشمس" الذي يثبت وجود الشعر الحميري في جنوب الجزيرة العربية، و"عين عبده" الذي يثبت أيضاً وجود الشعر النبطي في شمالها، بينما لم تُظهر الأدلة الكتابية وجود الشعر الجاهلي الذي تفترض المصادر المتأخرة أنه كُتب في الفترة نفسها. ويتساءل المؤلّف أيضاً لماذا اختفى الشعر الجاهلي بصورة مفاجئة، تماماً كما ظهر، وكأن حياة البادية والرحلة والأطلال وتقاليد الفروسية انتهت من جزيرة العرب، بخلاف ما تقول المصادر التاريخية.
وهنا، تحضر فرضية الكتاب بأن الشعر الجاهلي استُدعيَ بوصفه الممثل الوحيد للغة العربية القديمة، لإثبات مشروعية القواعد اللغوية التي وُضعت في القرن الهجري الثاني 8 م، وتفسير القرآن، وتاريخ العرب قبل الإسلام، وبعد أقل من قرن لم يعد لهذا الشعر أية وظيفة واختفى من كتب النحو والأدب والتفسير والتاريخ، بشكل مفاجئ كما ظهر. لكن المؤلف لا يفترض اختلاق آلاف الأبيات من الشعر الجاهلي في فترة زمنية محدودة، وأن يكون هذا الشعر المكتمل من حيث البناء والوزن والمواضيع اخترع من العدم، دون وجود أصل شعري متقدّم عليه. ولحل هذا اللغز، يقول إن القبائل العربية نظمت الشعر بلهجاتها البدوية ودوّنت بعضه بها، ومع ظهور الازدواجية اللغوية مع بداية عصر التدوين، تم نقل الشعر من اللغة العامية إلى اللغة الفصحى، حيث أعاد رواة الشعر والإخباريون واللغويون في العراق تحويل الشعر النبطي بمواضيعه وأوزانه إلى شعر منظوم بالفصحى، كونهما يتطابقان في المعنى والصورة ويختلفان باللغة من حيث البناء والإعراب.
ما عدا الاستشهاد بالنقوش الأثرية التي تدحض وجود نصوص فصحى قبل العباسيين، تظلّ تساؤلات الكتاب على أهميتها محل نقاش مفتوح، ومنها لماذا لم تنجب الجزيرة العربية شعراء بعد انتهاء العصر الأموي وصمتت حتى العصر الحالي، وهو يناقض الوقائع التي تشير إلى نظم الشعر النبطي لأكثر من ألفي عام، لكن توقّف تفصيحه أدى إلى حجبه بعد أن قامت هذه العملية بدورها التاريخي.
تصحيح مصطلحات
مفارقة لغوية قادت عاشور إلى تأليفه كتابه، تعود إلى أواخر سنة 2013، مع سيطرة جماعات مسلحة على بلدة معلولا السورية التي لا تزال ناطقة مع قرى أخرى بالآرامية، مترافقاً مع خروج الناطقين باللغات المهرية والشحرية في اليمن على وسائل الإعلام في سياق الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالتغيير السياسي. ليطرح تساؤله كيف استطاعت هذه اللغات النادرة أن تحافظ على بقائها في المنطقة؟ ولم يتهيأ لها ما حظيت به اللغة الفصحى من أسباب التفوق، فهي لغة الشعر والأدب، ولغة الكتابة، ولغة دولة الخلافة، لكن الناطقون بها اختفوا من المدن منذ القرن الثاني الهجري كما يذكر الجاحظ، ومن البوادي مثلما يروي ابن جني!
مسألة أخرى تتعلّق باللحن (أخطاء الإعراب)، إذ لا يجد وجاهة للتفسير الذي يسلّم به اللغويون، ومردّه اختلاط العرب بالشعوب المسلمة الناطقة بلغات أخرى، وهو أمر لا ينطبق على غيرها من اللغات العالم، التي لم يفقد الناطقون بها لسانهم أو يفسد، إنما يؤدي اختلاطهم إلى حدوث بعض التغيرات المحدودة، بحسب الكتاب الذي يورد ما يسميه مجموعة مزاعم أسطورية، قدمتها كتابات العصر العباسي، متمثلةً بأن اليمن مسقط رأس العرب التاريخي، بينما تفنّد النقوش القديمة هذا الزعم حيث اللغات اليمنية القديمة لا صلة لها بالأبجديات العربية، وأن جزيرة العرب هي موطن العرب وحدهم منذ أقدم العصور وأنهم عاشوا في عزلة عن الشعوب المجاورة. لذلك حافظوا على نقاء لغتهم الفصحى، بينما تعكس اللغات والخطوط التي دوّن بها قرابة ألف نقش على امتداد طريق التجارة بين جنوب الأردن وشمال الحجاز، بين القرنين الأول والثالث الميلادي، درجة كبيرة من التنوع اللغوي تركتها قوافل المسافرين باليونانية والآرامية والنبطية والتدمرية والصفاوية والثمودية وغيرها مما تبطل أساس فكرة العزلة.
وتكشف نتائج التحليل السابق الارتباط الوثيق بين ظهور القرآن وولادة الأبجدية العربية التي لم يُكتب بها قبل ذلك عبارة واحدة، وكيف "قدّم النص المقدس حلولاً لمشكلات لغوية وكتابية مزمنة، عانت منها القبائل العربية على مدى زمني يقدّر بحوالي 1400 عام سبقت نزوله". وفي إشارة تحمل معناها، يلفت الكتاب إلى لفظة الفصاحة ومشتقاتها التي لم تعرفها النقوش العربية القديمة مطلقاً، ولا وجود لعبارات اللغة الفصحى واللسان الفصيح في جميع الأدلة الكتابية قبل الإسلام، ويرجع أقدم استخدام موثوق للجذر (ف ص ح) إلى القرآن.
القرآن والكتابة
بالنظر إلى عدم وجود أبجدية معيارية موحدة لدى العرب، اهتم القرآن بموضوع الكتابة، ليكون تأسيس دين كتابي أمراً متحققاً في مجتمع تنتشر فيه ديانات وثنية تقوم على الشفاهية، ودعوة لهم إلى "الوحدة في كل شيء تقريباً: الإله، الدين، الكتاب، الدولة، والمجتمع". يتوقف الكِتاب عند ذكر كلمة "عربي" في القرآن في 11 موضعاً، استخدمت فيها جميعاً وصفاً للقرآن نفسه، وتعني الحرف ولا تشير إلى جماعة إثنية، وهو يوجّه خطابه إلى العرب بل لجميع الناس.
في القرون الهجرية الثلاثة، يوضّح عاشور أن البرديات التي عُثر عليها لم تكتب بالفصحى بل لغة يسمّيها الدارسون "العربية الوسطى" وتجمع بين السمات القياسية (الفصحى) والعامية، مع سمات من نوع ثالث ليست قياسية ولا عامية، والتي ظلّت مستخدمة حتى اليوم، في التدريس والإعلام والخطب السياسية، والمراسلات، والكتابات الأدبية وغيرها.
ويخلص إلى أن الفصحى نجحت في أن تكون لغة كتابة تستخدمها النخبة، التي اعتبرتها مسألة صناعة هوية إثنية للعرب ضمن صراعهم الشعوبي مع بقية شعوب دولة الخلافة، لكنها فشلت فشلاً تاماً في التحول إلى لغة طبيعية، وحتى يمتلك العرب اليوم لغة عربية حديثة عليهم أن يمتلكوا رؤية حديثة للغة، تناسب العصر، وعلماً حديثاً يمكنهم من دراسة لغتهم، وفهمها بعيداً عن التصورات الأيديولوجية.
ينبّه المؤلف إلى أن هناك احتمالاً ضئيلاً لتغيير الفرضية التي يتبناها حول غياب الفصحى عن العرب أربعة عشر قرناً قبل الإسلام، لكن حقل النقاش هذا يخصّ اللغويين المتخصصين، وليس العامة الذين قد يرفضون كلّ ما جاء به الكتاب لمخالفته عقائد ومسلّمات رسخت لقرون، لكن الحديث عن سبل النهوض بالعربية اليوم في خاتمة الكتاب لتكون لغة علم ومعرفة ربما يشكّل مدخلاً ضرورياً يهمّ جميع الناطقين بها.
الكاتب : المتوكل طه
كلّما قامت بكت،وكلّما قعدت بكت.إذ ليس لها سيرة غير يافا،فأقول لها:يا أُمّي!ارحمي حالك،فأنتِ ما زلت في المكان،فَعَلامَ الدموع؟فكانت تلهمني بكلامها، الذي يجعلني أدفّ كأنني فراشةٌ تكتب قصيدتها عن حديقتها:أنتَ لا تعرف يافا التي أعرف! إنها حكاية الزّهر والشباب ، ونوافير الجنون، ومشاوير الصنوبر والجدائل الفائضة على وجهي ، وأوّل الأيائل، وليل الصنّاجة الذين تفرّقوا، ووهج الجدول، وحبور الوحش الأليف، وصدى الحلوى ، وخَدر الأصابع ، واحتفال الغريب ، وعطش الأحلام ، وأنفاس اليَمام .
يافا زمان ؛ بيتٌ واحدٌ لكلّ الناس، ومملكة للقمر الذائب على الشرفات، وفرس لها وطأة الحفر فوق الصدى . كانت سُكّراً للأغاني وحليباً لليل، تركت بصمتها النارية على ألواح مداركي . أما اليوم فهي بقايا حكاية ،كان من الممكن أن تصبح أسطورة.يافا ،يا ولدي! نكهة أنثى الفهد المُثارة ، وسواحل صدر الياقوت، وبؤبؤ ذَهب النرجس ، ومغرب الارتواء والرواية ، ومرونة الشفاه، وسعة الجنّة وأجنحة الطموح وكرم الربيع.يافا أقرب من الوريد، وأبعد من الخرافة . ظلموها، ولم يسمعوا مرافعة في القاعة!
لم تحجب يافا عنّي غرفَتها السريّةَ ، فقد وجدتُ صندوقها وخلاخيلها وثوبها وطرحتها وأساورها، وأكملت زينتها أمامي ،ولبست على ضوء سراجي ، فألبستُها خاتمها وخرجت معها إلى عرس الملائكة ، ورجعنا معاً.. وسمعت أحلامها على وسادة الريح.
سهولها بين ضلوعي تكبر، فتحملني للبحر والبرتقال والشتاء الساخن.
كانت الشمسُ على جدرانها أحلى!
وأمام الموقد الحجري الكبير ،في غرفة بيتنا، الكبرى، كانت صبيّةٌ تقف أمام النار، كما ولدتها السماء، إلى أن ينشر الدفءُ فراءَه على الهضاب والأودية والتلال والسواحل الملساء الناعمة، وفجأة يخرج كائنٌ دخانيٌ على شاكلة رجل، يتفشّى على الجسد النبيذ، ويبدو أن ألف أفعى تفثأ شَّهدها في الضلوع ، وألف مُهْر يخرج من الموج، وثمة مَن نتلوّى وجعاً، ورائحة الكستناء تعمّ المكان، وثمّة نحلةٌ أُغمي عليها !
وثمّة نقطة مطر زرقاء أثارت الحيرة والأسئلة والاستغراب، وبعثت الذهول في الناس ! إنها دمعة يتيم أخذتها الشمسُ عن وجهه في الصيف ، وثمة مطر أحمر في السماء.
وهناك غزالٌ طاب له أن يأخذ عروسه على صخرة.. وبعد فصول ؛ نبت الجوريّ على رخام صخرة البحر. أمّا الياسمين البلدي الفوّاح ،فهو ومضة بَرْق سقطت على الأرض.
كنتُ أخْنس في حضن الأريكة ، والرجل يحرقه الثلج. وحين ينام كان غطيط الشَّهد يملأ المكان.. وتصعد أحلامه مثل غمام خفيف، أتبعه، فألقى نفسي في حلم آخر، يطفو فيه إيقاع وترٍ بعيد.
في يافا،كان علينا أن نشكر السماء على الغيث وضوء البرق وموّال الرعد الصاخب.
وفي نار موقدها المتوهّجة ،وحش كامن في اللبّ تحت اللحاء، يخرج هرباً من الأوار ، فتتلقّاه أحزمة الّلظى وتشمله بثيابها المندلعة..فالجمر تفاح الشتاء المحرّم، بعد أن تنضجه النار، ويرتوي!.
..وأصبحت تجمّعاً بعد أن كانت مجتمعاً ، وأقفاصا حجرية بدل القرميد، وقد ضاقت الأرضُ على إكليل الجبل.. وفقدت غمّازاتها.وباتت سجن الحرّ، وحريّة السجين.قَبّلَها ملاكٌ وكانت نائمةً فصارت عروس الأرض، لكن عاشقها غاب، وبواباتها اختنقت، ومعابدها اختفت .. ويقال إن وحشاً حاول مسافدتها، فأبعدته، وظلّت الندبة ظاهرة على جسدها المشمشي. أحبُّها اليوم أكثر من ذكرياتي فيها.
هل لاقيت يافا وهي صبية مغندرة ؟ كانت زفّة ثلج، ورذاذ توتة ،وغنج سماء..
كانت زرافة بيضاء وبيْدر مراجيح وعيد سنابل وبساط ضوء وامرأة من تفاح.
وصرتُ أرى جغرافيا جديدة ناتئة ، إذ تصاعدت العمارات في كل اتجاه ، كأنها صناديق حجرية وسط شوارع وأزقة كانت رحبة! وأرى وجوهاً لا أعرفها ، ولَكنَاتٍ غير مستوية ، وتجهّماً في السحنات المُسرعة إلى اللاّمكان !
لقد ماتت يافا التي أعرفها! والآن هناك أُخرى مختلفة! قد تكون ضّاجة وممتلئة وحيوية، لكنها ليست الأولى التي راحت .. وهل ستعود ؟
رحم الله الفِطرة والوداعة والإلفة وشوارع القرميد والضباب، وتلك المشاوير التي صحِبتنا بها الطيور!
اليوم في يافا مدينتان، أو مُستويان أو مُجتمعان، الأوّل كأنك تعيش في عاصمة أوروبية من حيث اللباس والسلوك واللغات، والثاني كأنك وسط أبناء المكان الذين ظلّوا في المدينةَ ، مُحتفظين بأشكالهم ونوازعهم وخوفهم،وأخشى أن يتحوّلوا مثل أولئك الغرباء، فيصبحوا مثل مالك الحزين ،دون أن تهجرهم الفجاجةُ والتصنّع والتوهان.وفي المجتمعين، تضيع الهوية، ويغيب الفلكلور والتراث، وتنتفي وحدة اللسان، ولا مكان للانسجام ، ويصبح المُنْتَجُ الثقافي نخبويًّا شلليًّا مُنْبَتًّا عن جذوره وطامحاً في السفر إلى جهةٍ مُبْهمة.
وتحيط بكل ذلك قبضةُ الاحتلال التي تُطبق على عُنق كل شيء، ومؤسسات رسمية وأهليّة تحمل الفلسطينيين إلى مستقبل يبدو مُغلقاً، من دون أمل! بسبب إجراءات الاحتلال وعنصريته وصفاقته .وتُبعث في حياتهم مفاهيم جديدة تسعى لأنْ تجعلهم أبعد عن التطرّف أو الانفجار المقبل ، عبر تقليم مناهجهم وخطابهم وأظفارهم من كل سوء!
ما الذي يكوي الروح ، ويجعلها بؤرة إشعاع يغمر البصيرة، ويشلع القلب من موقعه يا ولدي؟
إنها المدينة ،التي لم يتركوا لنا فيها أيّ شيء.
أمّا الجوهرة؟فقد طمرها الصقيع ، واختفت تحت حريرة الندْف، وعشقتها الأعماق؛ فسحبتها إلى غرغرة المياه والبراكين العميقة..وعزائي أن النداء يقظ كعين العاشق الملهوف ،وضوءها سهم يشق الركام ، ويصعد.
أين راحت بركة الورد الطائش اليتهادى على مهل، كأنه راكد في حلم يتماوج طرباً على صوت أغنية ريفية راقصة؟ ويقول لي : اغمسي قدميك فيها وعابثي المياه، ولملمي دوائر الماء أساور للغابة ،لتكمل زينتها.
مَن يصدق أن الشمس تختنق بسنابلها، وشالها فضاءات لا تنتهي!
إن جراح يافا تؤلم الكوكب.
شربتُ أنفاسَها ،فاكتسبتُ ملامحَها ، وأحبّها!فلا تتركها يا ولدي.
*
رحم الله تعالى،أُمّي.لقد كانت شمعة تحترق من طرفيها،وكلّما مشت في طرقات المدينة كانت تفغر فمها مثل سائح،وتعجب من التحوّل الذي أصاب الأمكنة.
إنّ الأبد الذي عشته معها تكوّن من تلك اللحظات.
القدس-واثق نيوز-محمد زحايكة-يسجل للكاتب والباحث والمثقف البارز جميل السلحوت رعايته وتشجيعه لمن يلمس فيهم ميلا الى الاجتهاد والتميز ، خصوصا في الحقل المعرفي والثقافي.. ولن أنسى ذاك اليوم الذي اطلع فيه " الشيخ الأحمر " كما كنا نطلق عليه بعد أن ترك المشيخة الشرعية وحسم أمره مع جمهرة المبدعين والمثقفين ومواكبة روح العصر .. ذاك اليوم وبعد أن اطلع على قصة قصيرة كتبتها في بداية حياتي مع الكتابة.. فلمس فيها شيئا من الموهبة الأدبية.. ذلك اليوم الذي قادني فيه "ابو قيس" الي جريدة الفجر وعرّفني فيه على الشاعر والاديب الراحل علي الخليلي الذي رحب ايما ترحيب بمبادرة الشيخ جميل ونشر قصتنا سريعا في الجريدة.. ومن يومها التحقنا في دروب الصحافة والكتابة الصحفية التي أجدنا فيها على حد وصف بعض النقاد .
اقتباسات ..
وخلال لقاءات كثيرة مع " ابو قيس" اقتبسنا منه وترسخت لدينا ظاهرة حب المطالعة حيث طالما ارشدنا الى كتب قيمة تسهم في توسيع المدارك والانفتاح على حضارات وثقافات العالم والتزود بذخيرة معرفية متنوعة .. كما استفدنا من المثقف والإنسان الواعي جميل السلحوت الافتخار بأصل ومنبت الشخص مهما كان فقيرا معوزا او متواضعا والبوح بكل المصاعب التي واجهها في حياته . وكان الكاتب السلحوت بنفسه قد مارس أعمالا واشغالا قاسية كالعمل في حفريات الآثار والحراسة في ورش البناء في شبابه مما اكسبه خبرات وتجارب حياتية غنية اضافة الى مهنة التدريس .
الوحي ..
والملفت في تجربة الكاتب جميل السلحوت ان وحي الكتابة الإبداعية او غزارتها الإنتاجية من قصص وروايات قد نزل عليه إجمالا بعد سن الستين كان قبلها في حالة تركيز على الكتابة الصحفية والبحثية بشكل عام . والكاتب جميل السلحوت يشكل حالة ثقافية لافتة حيث فرض حضوره على المشهد الثقافي الفلسطيني من خلال مسيرته الثقافية الحافلة.. فعدا عن إنتاجه الإبداعي يعتبر من مؤسسي لقاء "اليوم السابع " في المسرح الوطني الفلسطيني الحكواتي.. هذا المنبر الهام الذي أبقى شعلة الثقافة الأدبية مشعة ومتقدة في سماء القدس.. وهناك وصف لطيف للفنان المقدسي حسام أبو عيشة حول " اليوم السابع " بأنه عبارة عن " شك عرب " في إشارة الى طريقة الشيخ جميل في إدارة الحوار احيانا .
ونحن نعتقد ان أمام المبدع جميل السلحوت تحديان... الحساسية الزائدة من النقد في بعض الأحيان وطريقة توصيل الأفكار شفاهية احيانا اخرى.. حيث تعج جعبته بكم هائل من المعلومات تجعله احيانا " يتشتت" ولا يركز وهو يطرحها على الملأ..؟
قامة ثقافية ..
لقد كنا من المحظوظين، بالتعرف على قامة ثقافية وابداعية كالشجرة السامقة بمستوى الكاتب والروائي والباحث جميل السلحوت ، الذي حببنا بالثقافة وضرورة التسلح بالوعي لمواجهة ضرورات ومشاق الحياة.
الكاتب جميل السلحوت منارة ثقافية ابداعية لها مكانتها في القدس وفلسطين .
القدس-واثق نيوز-محمد زحايكة-من أكثر الفنانين المسرحيين المتألقين والمشعين الذين عرفناهم واقتربنا منهم، الفنان الشامل حسام أبو عيشة الذي حوّل المسرح والفن المسرحي والتمثيل والتقمص خبزه اليومي .. وإذا كان ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان،. فإنه بالمسرح الواعي البعيد عن التهريج يرقى الإنسان وبكل كلمة جميلة منه ذات عمق ومغزى .
خلطة مميزة ..
والفنان ابو عيشة وزميله الآخر ابو سلعوم هما من طينة وعجينة مسرحية مقدسية شكلا في حقبة ما ، حالة متميزة وخلطة عجيبة من الثنائيات المبدعة ، وساحا في الأرض الفلسطينية والعالم ينشران ما يفيض به عليهما المسرح من ألق وإبداع يصور ويجسد آلام الإنسان الفلسطيني المتألم والمقهور تحت نير الاحتلال من خلال العمل الدرامي المسرحي المؤثر وذا القدرة على احداث التأثير المطلوب وكسب التأييد والتعاطف العالمي مع قضية الشعب الرازح تحت الاحتلال .
أداة للوعي والثورة ..
ومنذ ان وعى الفنان ابو عيشة رسالته الوطنية والإنسانية جعل من المسرح على مختلف أشكاله اداته الرئيسة في نقل وتجسيد نبض الشارع والجماهير المسحوقة وتحويلها الى مشاهد تقطر صدقا وإبداعا ، موظفا مهاراته وقدراته ومواهبه الفردية والذاتية في التعبير بسخرية سوداء عن واقع مر مؤلم يجب الثورة عليه وتغييره .
ورغم الإمكانيات المسرحية البسيطة ، واصل هذا الفنان الطامح طريقه الفني مجربا أشكالا فنية عديدة تألق فيها جميعا من التمثيل في المسرحيات الجماعية و الفردية المونودراما وشخصية الحكواتي وقرض الشعر العامي والكتابة المسرحية والدراما التلفزيونية وقدم الوانا مختلفة في الحقل الفني موظفا التصاقه ومعايشته اليومية للواقع الشعبي خاصة في البلدة القديمة من القدس وناهلا منه أفكارا شتى تعالج هذا الواقع الصعب والملتبس بطريقة واسلوب شيق وممتع وبسيط ولكنه مفعم بالحيوية ويلعب على وتر الحنين الى الماضي من أجل التقدم إلى الأمام وتحقيق الذات الجمعية وصولا الي ما هو أجمل .
شغف ومتابعة ..
الفنان ابو عيشة ، فنان نبيه ومتيقظ ومتابع بشغف للحركة المسرحية ليس محليا فقط وإنما على مستوى الإقليم والعالم وهو متابع جيد وقادر على تمييز الغث من السمين وهو معتد بنفسه وقدراته ومن المؤمنين بأهمية المسرح الفلسطيني وكوادره الذين حققوا مواقع متقدمة على الخارطة المسرحية المحلية والاقليمية والعالمية رغم شح الإمكانيات وغياب اهم ناقل ومروج للمنتج الفني وهو شاشة التلفزيون والفضائيات الفلسطينية التي لا تنتج الا اقل القليل وفي بعض المواسم مما يحرم الفنان الفلسطيني من الاطلال على العالم العربي او حتى المحلي الا في أضيق نطاق .
جعبة زاخرة ..
وتمتلء جعبة الفنان ابو عيشة بالكثير من المواقف والحكايات النادرة والطريفة والتي لا يتسع المقام لذكرها ، ولكن نورد واحدة او اثنتين منها ، عندما سارع الى ارشاد حاج قبطي وزوجته الى مدخل خلفي لكنيسة القيامة بعد أن يأسا من إمكانية الوصول إلى الكنيسة بسبب الازدحام الشديد ، وما ان اوصلهما الى باحة القيامة تمت دعوته للمشاركة في الصلاة ظانين انه مسيحي ولكنه ابلغهما انه سيذهب للصلاة في المسجد المقابل ، فسارعا لشكره بشدة وهما يشيدان بالتلاحم والعلاقةالمتينة والاخوية بين الشعب الواحد من مسيحيين ومسلمين . كما ابلغ ابو عيشة الصاحب أن جارهم المسيحي في حارة السعدية من القدس الشريف كان أحد الذين علّم ودّرس والده القرآن الكريم..؟؟ لهذا الحد كانت العلاقة دائما وعلى مر العصور بين أبناء الشعب الواحد من الطائفتين ويجب أن تستمر كذلك الى ان يرث الله الأرض ومن عليها .
الفنان حسام أبو عيشة سطّر لنفسه وضمن موقعا و مكانا سامقا ومرموقا في سفر المسرح الفلسطيني وأثبت مقدرته على التطور والتربع على سدة المسرح في كل المراحل والحقب وكأنه رقم صعب ، يصعب الاستغناء عنه . كما أنه واكب الحركة المسرحية الفلسطينية منذ البدايات وكّون تجربة غنية وثرية ، تحصلت له من خلال العمل الفني الجاد والمثابر غير المنقطع حتى في أحلك الظروف .
ويمكن القول انه كانت لنا إضاءات كثيرة على جوانب من أعمال هذا الفنان الدينمو الذي لا يهدأ ولا "يكن" ولا يمل وإنما يتقافز من عمل الى آخر واذا لم يجد عملا يشارك به فانه يلجأ الى جعبته الثرية ، فيستخرج منها جواهره الفنية ويدفع بها إلى مخرج فذ من أمثال الفنان كامل الباشا كما هو الحال في "قهوة زعترة" وكذلك مؤخرا مسرحية "عرق نعنع" عن تجربته في السجن الإسرائيلي ، لنكون امام عمل طازج ماتع يعيدنا الى ازمنة وامكنة جميلة ، فنتحسر على تلك الأيام الخوالي .
الفنان حسام أبو عيشة ، فنان مدهش مبهر متألق ، يتحدى نفسه وهو دائم القلق على فنه لا يقر له قرار الا بعد أن يلمس محبة وإعجاب الجمهور ولكنه سرعان ما يعود إلى القلق في العمل الفني التالي وهكذا دواليك .