يظل كتاب فريدريك إنجلز «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» نصاً تأسيسياً في الفكر الماركسي والأنثروبولوجيا الاجتماعية، لكنه في الوقت نفسه نص يثير أسئلة معرفية ومنهجية تتجدد مع تطور العلوم الإنسانية وتبدل أدوات القراءة والتحليل. والعودة إليه اليوم ليست عودة تقديسية بقدر ما هي محاولة لفتح إمكانات جديدة للفهم، وتفكيك البنية النظرية التي حكمت تصوره للتاريخ والأسرة والدولة.
ينطلق إنجلز من يقين راسخ بأن البنية المادية للإنتاج هي المحرك الأساس لنشوء المؤسسات الاجتماعية. هذا التصور الذي يستند إلى المنهج المادي التاريخي منحَ تفسيراً قوياً ومتماسكاً لظهور العائلة الأبوية والدولة الطبقية، وربط مصير المرأة بتطور وسائل الإنتاج. غير أن هذا التصور، على قوته، قدّم أحياناً اختزالاً للمسارات التاريخية، حيث تبدو أشكال القرابة وأنظمة الزواج وكأنها نتيجة سببية مباشرة لتحولات الاقتصاد، بينما تكشف الأنثروبولوجيا الحديثة عن دور أعمق للبنى الرمزية والثقافية والقيمية في تشكيل المشهد العائلي والمجتمعي.
يضع إنجلز تحول المرأة من مركز الإنتاج المشاعي إلى موقع التبعية داخل الأسرة الأبوية بوصفه “الهزيمة التاريخية الكبرى للجنس النسائي”. هذا الاستنتاج ظل مرجعاً أساسياً في النسوية الماركسية، لكنه يواجه اليوم أسئلة تتعلق بوجود مجتمعات أبوية لا تقوم على الملكية الخاصة، وأخرى أمومية رغم امتلاكها أنماطاً متعددة من الموارد. كما أنّ ربط الاضطهاد حصراً بملكية أدوات الإنتاج يتجاهل تعقيد ميكانيزمات السيطرة في التاريخ، ويقصي دور الدين والرموز والتنظيم القرابي والمخيال الاجتماعي في صناعة البطريركية.
اللافت في قراءة د. سمير منصري للنص هو تمسكها بالخط السياسي للنظرية الماركسية، وتقديمها إنجلز بوصفه مرجعية نهائية، مع توظيف لغة نضالية واضحة. وهذا يمنح المقال قوة تعبئة، لكنه يحجب أحياناً المسافة النقدية الضرورية بين التحليل العلمي والرهانات الإيديولوجية. فالفكر الماركسي ذاته يدعو إلى نقد الذات التاريخية، وإعادة تقييم منطلقاته على ضوء التراكم العلمي الجديد، لا التعامل مع نصوصه كأنها وثائق مغلقة.
ومع ذلك، يظل الربط الذي يقيمه المقال بين الإنتاج والعائلة والدولة من أهم مساهماته. إذ يذكّرنا بأن الأسرة ليست مجرد علاقة عاطفية أو صيغة أخلاقية، بل مؤسسة سياسية واقتصادية تؤدي دوراً مركزياً في إعادة إنتاج الفوارق الطبقية والفوارق الجندرية. وتحليل مكانة المرأة من زاوية العمل والإنتاج هو أحد أهم إنجازات إنجلز التي ما زالت صالحة للنقاش اليوم، خاصة في ظل أشكال العبودية المعاصرة للعمل المنزلي غير المدفوع.
لكن تجاوز إنجلز لا يقل أهمية عن العودة إليه. فالنسوية المادية المعاصرة، من نانسي فريزر إلى ليز فوغل وهايدي هارتمان، أعادت صياغة علاقة المرأة بالإنتاج على نحو أكثر تعقيداً، معتبرة أن اضطهاد النساء لا يمر فقط عبر الملكية أو الأجر، بل عبر منظومة واسعة تضم العمل المنزلي والرعاية والسلطة الرمزية والمؤسسات القانونية والدينية. وهذا التراكم النظري يفتح طرقاً جديدة لقراءة الأسرة والدولة، بعيداً عن التسلسل التطوري الخطي الذي ورثه إنجلز من القرن التاسع عشر.
إنّ قراءة كتاب «أصل العائلة» اليوم تفرض الجمع بين قوة التحليل المادي وثراء المقاربات الأنثروبولوجية الحديثة، بما يسمح بفهم أكثر تعقيداً للأسرة والعلاقات الجندرية والدولة. فالعائلة ليست مجرد نتاج اقتصادي، بل فضاء تتقاطع فيه السلطة والرموز والعاطفة والاقتصاد، والدولة ليست مجرد جهاز لحماية الملكية الخاصة، بل شبكة متعددة الوظائف تصنع وتعيد إنتاج أشكال الشرعية والنظام الاجتماعي.
من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى نقد مزدوج : نقد للإنجلزية التي تحوّل النص إلى عقيدة، ونقد للنظريات المعاصرة التي قد تسقط في تفكيك بلا جذور مادية. بين هذين الطرفين يمكن أن يستعيد الفكر الماركسي حيويته، وأن يقدّم أدوات أكثر قدرة على فهم تعقيدات الأسرة والطبقة والجندر في عالم يتغيّر باستمرار.
إنّ تحرير المرأة، وفق هذا الأفق المركّب، لا يمكن أن يكون مجرد شعار سياسي أو وعد اقتصادي، بل مشروع اجتماعي شامل يعيد الاعتبار لقيمة العمل بكل أشكاله، وينقد بنية السلطة في المجالين العام والخاص، ويعيد بناء مفهوم القرابة خارج شروط السيطرة. وهنا فقط يستعيد إنجلز دوره التاريخي: ليس كنص نهائي، بل كبداية لسؤال ما زال مفتوحاً.



