الاخبار الرئيسية

مياه ملوّثة وأمراض متفشية... كيف تحوّل شحّ المياه الآمنة في غزة إلى أزمة صحية؟

5 مشاهدة قراءة 15 دقيقة

غزة-واثق نيوز-محمد الجمل-حوّل الاحتلال الإسرائيلي مياه قطاع غزة إلى أحد أبرز مصادر انتشار الأمراض بين النازحين، في ظل تدمير الآبار وشبكات الصرف الصحي، وعرقلة إدخال مواد التعقيم والمستلزمات اللازمة لمعالجة المياه. وبينما تتعدد المصادر التي يلجأ إليها السكان لتأمين احتياجاتهم اليومية، لا تبدو أيٌّ منها آمنة بصورة كافية، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

ويحذّر الدكتور محمد أبو عفش، مدير جمعية الإغاثة الطبية في فلسطين (PMRS)، إحدى أكبر المنظمات الصحية غير الحكومية، من التداعيات المتفاقمة لتلوث المياه في القطاع، ولا سيما مع غياب البدائل واضطرار السكان إلى استخدامها للشرب والنظافة والطهي وسائر الاحتياجات اليومية.

وتتزامن أزمة المياه مع انهيار متواصل في المنظومة الصحية، التي تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الفحص المخبري، إذ تجاوز العجز 75% من الاحتياجات الضرورية للتعامل مع الأمراض المرتبطة بتلوث المياه. وينعكس ذلك على المرافق الصحية التي تستقبل يومياً مئات المصابين من مختلف الفئات العمرية، من دون امتلاك القدرة الكافية على تشخيصهم وعلاجهم، ما يثير مخاوف من أن تصبح الأمراض الناجمة عن التلوث أكثر انتشاراً وتعقيداً خلال المرحلة المقبلة.

المياه الملوثة مصدر لـ28% من الأمراض ..
تجد تحذيرات أبو عفش ما يدعمها في البيانات الوبائية المتاحة لدى وزارة الصحة في غزة. ويقول مدير عام الوزارة، الدكتور منير البرش، إن 28% من الأمراض المسجلة في القطاع تنتقل عبر المياه الملوثة.

وتكشف تجربة عائلة عبد الله الشاعر، المقيمة في مواصي خانيونس جنوبي القطاع، جانباً من هذه الأزمة. فقد تكررت إصابات أطفاله الأربعة بأمراض معوية وفيروسية ثلاث مرات منذ بداية العام الحالي وحتى أوائل أغسطس/آب الماضي.

وتنوعت الأعراض التي عانى منها الأطفال بين الإسهال والمغص والطفح الجلدي وارتفاع درجات الحرارة واصفرار العينين والجلد، إضافة إلى ظهور حبوب وبثور على أجسادهم. ووفق تشخيصات طبية، أُصيب الأطفال بطفيليات معوية، من بينها الجيارديا (Giardia)، وبالزحار الأميبي (Amoebic dysentery)، وهو التهاب معوي تسببه طفيليات Entamoeba histolytica التي تنتقل من المياه الملوثة إلى الجهاز الهضمي، سواء عبر شربها أو استخدام المياه في غسل الأواني والأطعمة.

كما أُصيب اثنان من الأطفال بفيروس التهاب الكبد الوبائي A، فيما أصيب أحدهم بجدري الماء المعدي، وفق رواية والدهم .

ارتفاع التلوث الميكروبيولوجي ..
ارتفعت نسبة التلوث الميكروبيولوجي في مياه الآبار الأرتوازية، التي تمثل المصدر المائي الرئيس لسكان قطاع غزة، من 4% قبل الحرب إلى أكثر من 25% حالياً، وفق فحوص أولية محدودة تمكنت وزارة الصحة من إجرائها مؤخراً.

لكن المهندس سعيد العكلوك، مسؤول الرقابة على المياه والصرف الصحي في الوزارة، يرى أن هذه النسبة لا تعكس بالضرورة حجم التلوث الحقيقي، نظراً إلى إجراء الفحوص بإمكانات محدودة وفي ظل غياب الأدوات والمقومات اللازمة لإجراء اختبارات دقيقة وشاملة.

وتشير نتائج الفحوص المستمرة التي تجريها منظمة الصحة العالمية إلى صورة أكثر خطورة. فقد شملت العينات آباراً أرتوازية وشاحنات لنقل المياه ومنشآت صحية. ومن أصل 6700 عينة فُحصت بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2026، ارتفعت نسبة العينات التي أظهرت تلوثاً ميكروبيولوجياً من 6% في يناير إلى أكثر من 18% في آب .

وأوضحت ممثلة منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رينهيلد فان دي ويردت، هذه البيانات خلال إحاطة أممية عُقدت في جنيف في الأول من سبتمبر/أيلول 2026، ما يعكس تدهور جودة المياه وصعوبة تحديد حجم التلوث الفعلي في القطاع.

انهيار الصرف الصحي يضاعف الخطر ..
يرى أبو عفش أن الاحتلال سعى إلى تلويث مصادر المياه في غزة عبر مسارات متزامنة، من بينها تدمير الآبار واستهداف شبكات الصرف الصحي، إلى جانب دفع مئات الآلاف من النازحين إلى مناطق تقع فوق مخزون المياه الجوفية الرئيس في القطاع.

ويشرح العكلوك أن أحد أبرز أسباب التلوث يتمثل في انهيار منظومة الصرف الصحي، بما فيها محطات المعالجة والضخ. فقد أدى تدمير هذه المنشآت إلى اختلاط مياه الصرف الصحي المتجمعة في البرك بمصادر المياه النظيفة.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك بركة الشيخ رضوان غربي مدينة غزة، التي كانت مخصصة لتجميع مياه الأمطار قبل الحرب، لكنها تحولت خلال الحرب إلى موقع لتجميع مياه الصرف الصحي، وارتفع منسوب المياه فيها إلى مستويات باتت تهدد السكان في المناطق المحيطة.

كما تتسرب كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي من أسفل المباني المدمرة بعد تضرر خطوط نقلها، فتنتشر بصورة عشوائية في الشوارع والمناطق السكنية.

أما العامل الثاني، وفق العكلوك، فيتمثل في حقن كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي والمياه العادمة في باطن الأرض، من خلال أكثر من 300 ألف حفرة امتصاصية حفرها النازحون المقيمون في الخيام للتخلص من مياه الصرف.

ورصد معدّ التحقيق في ثلاث مناطق على الأقل في دير البلح وسط القطاع خروج مياه الصرف الصحي من باطن الأرض وغمرها الخيام والشوارع، في مشهد يعكس اتساع نطاق التلوث، وسط مناشدات من النازحين بالتدخل العاجل لاحتواء ما يصفونه بالوباء.

ولا يتوقف خطر التلوث عند انهيار شبكات الصرف الصحي، إذ أدى منع إدخال كميات كافية من مواد التعقيم والمطهرات إلى تفاقم المشكلة.

ويقول أبو عفش إن قطاع غزة كان يعتمد قبل الحرب على ثلاث تقنيات رئيسة لتعقيم المياه: الكلور، أو هيبوكلوريت الصوديوم (NaClO)، وتقنية ضخ الأوزون (O3) في المياه، إضافة إلى التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية.

ويُستخدم الأوزون بوصفه عاملاً مؤكسداً قوياً يتفاعل مع المياه لتدمير البكتيريا والفيروسات والطفيليات والمركبات العضوية الضارة، من دون ترك مخلفات كيميائية ضارة. أما الأشعة فوق البنفسجية، فتستخدم أطوالاً موجية محددة، في حدود 254 نانومتراً، لإتلاف المادة الوراثية للكائنات الممرضة وتعطيل قدرتها على التكاثر.

لكن تقنيتي الأوزون والأشعة فوق البنفسجية اختفتا تماماً من القطاع، بحسب أبو عفش، نتيجة منع الاحتلال إدخالهما منذ بداية الحرب. ولم يبقَ سوى الكلور، الذي انخفضت الكميات الداخلة منه إلى القطاع بنسبة 70%، وفق العكلوك.

أمراض متعددة تهدد النازحين ..
ينتقل عدد من الجراثيم الممرضة إلى سكان غزة عبر شرب المياه الملوثة أو ملامستها. وتشمل أبرز هذه المسببات الطفيليات المعوية، مثل الجيارديا وطفيليات Entamoeba histolytica المسببة للزحار الأميبي، والتي تؤدي إلى الإسهال والمغص والتهابات الأمعاء، وتكون مضاعفاتها أكثر خطورة لدى الأطفال وذوي المناعة الضعيفة.

كما تنتقل فيروسات عدة عبر المياه الملوثة أو ملامستها، من بينها فيروس التهاب الكبد الوبائي A، فيما ثبت وجود فيروس شلل الأطفال في مياه غزة. وشهد القطاع كذلك انتشاراً واسعاً لجدري الماء خلال الفترة الأخيرة، ما دفع إلى إطلاق حملات تطعيم ضد عدد من الأمراض والفيروسات خلال العامين الماضيين، وفق المصادر الطبية.

ويؤكد المهندس زاهر الوحيدي، رئيس قسم المعلومات في وزارة الصحة، حجم انتشار جدري الماء، مشيراً إلى تسجيل 65,561 إصابة منذ بداية العام الحالي وحتى الثلث الأول من أغسطس/آب الماضي.

وتظهر آثار هذا الانتشار في حالة الطفلين أحمد وإبراهيم نصر، بعدما غطت البثور جسديهما ووجهيهما، ما دفع والدهما عبد الله إلى اصطحابهما إلى عيادة للرعاية الأولية تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

ويقول الوالد إن جميع أبنائه أصيبوا بجدري الماء، وإن اثنين منهم عانيا أعراضاً شديدة، ما اضطره إلى زيارة العيادات ثلاث مرات خلال أسبوع واحد. وفي كل زيارة كان يحصل على جزء من العلاج، بينما يكتب الطبيب وصفة ببقية الأدوية ويطلب منه البحث عنها في الصيدليات القليلة التي ما زالت تعمل في القطاع.

ويعيش الطفلان في مخيم مكتظ، بحسب الأسرة، تتسرب مياه الصرف الصحي الملوثة بين خيامه وتتراكم النفايات الصلبة في محيطها، بينما يعتمد السكان على المياه التي تنقلها الشاحنات إلى المخيمات للشرب.

وفي ظل هذه الظروف، تستقبل مستشفيات القطاع وعياداته أعداداً كبيرة من المرضى الذين يعانون أمراضاً معوية وجلدية وفيروسات مرتبطة بالمياه الملوثة. ومن بينها التهاب الكبد الوبائي A، الذي تجاوز عدد المصابين به منذ بداية الحرب 70 ألفاً وفق بيانات وزارة الصحة.

ويحذر أبو عفش من خطورة هذا المرض، موضحاً أن فيروس التهاب الكبد A يوجد في دم وبراز الشخص المصاب، ما يجعل طرق انتقاله متعددة، خصوصاً في مخيمات النزوح التي تحولت، بفعل الحرب والاكتظاظ وغياب المياه الآمنة والصرف الصحي، إلى بيئة مواتية لانتشاره.

تقلص الآبار الرسمية ..
قبل الحرب، كانت وزارة الصحة تراقب 320 بئراً تستخدم لإيصال المياه إلى سكان القطاع، وتُضاف مواد التعقيم إليها بطريقة علمية وآمنة، وفق حالة شبكات التوزيع من حيث الطول والعمر والتسرب ومعدل الضغط.

أما اليوم، فلم يتبقَّ سوى 110 آبار، بعد تدمير بعضها ووقوع أخرى في مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال.

وفي المقابل، اضطر السكان إلى الاعتماد على آبار زراعية ومصادر مائية عشوائية لا تخضع للرقابة أو التعقيم، وهو ما يصفه العكلوك بأنه "الخطر الأكبر على الحياة".

كما لا يمكن ضمان سلامة جزء كبير من المياه التي تصل إلى مخيمات النازحين عبر صهاريج تابعة لشركات مياه خاصة متعاقدة مع مؤسسات دولية، فضلاً عن المياه المستخرجة من الآبار الزراعية، بحسب أبو عفش، الذي يؤكد أن آثار ذلك تظهر يومياً في أعداد المرضى الذين يصلون إلى المستشفيات وعيادات الرعاية الأولية.

وفي ساحة استقبال العيادات الخارجية بمجمع ناصر الطبي جنوبي القطاع، يتجمع مئات النازحين طلباً للعلاج، ويعاني كثير منهم مشكلات معوية وفيروسية يقول الأطباء إنها مرتبطة بشرب مياه ملوثة.

وأرهق تكرار المرض الوالدة، التي بحثت عن معقمات ومطهرات للمياه في الأسواق من دون أن تجدها، قبل أن تلجأ إلى غلي المياه وتبريدها للشرب في محاولة لتقليل مخاطرها، رغم شح غاز الطهي وارتفاع أسعار الخشب والحطب.

مخيمات النزوح... بؤر لتفشي الأمراض ..
يربط العكلوك جذور الأزمة بموجات النزوح التي دفعت مئات الآلاف من سكان القطاع إلى مناطق غربي غزة، ولا سيما مواصي خانيونس، الواقعة فوق منطقة المخزون الجوفي الرئيس للمياه.

وفي ظل غياب شبكة صرف صحي، اضطر النازحون إلى حفر آبار امتصاصية والتخلص من النفايات الصلبة في محيط أماكن إقامتهم، ما أدى إلى تسرب الملوثات إلى المخزون الجوفي، وتحول المياه نفسها إلى وسيلة لانتقال الأمراض.

 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية