الكاتب : الخبير العالمي محمد خميس/ طوكيو
الكراتيه ليست لعبةً، ولا مجرد حركات جسدية أو ألوان أحزمة، بل هي فن ذو جذور عميقة ونمط حياة متجذر في الثقافة اليابانية منذ الطفولة. هي تدريب روحي وأخلاقي يمتحن الصبر والانضباط والاحترام، ويغرس وعيًا جمعيًا متواصلاً مع طبيعة وثقافة البلد.
كل حركة، كل أسلوب، وكل تقليد في الكراتيه ينبع من نظام حياة متجانس يعيش فيه الياباني منذ نعومة أظافره، وليس مجرد حركات تُمارس لأجل الشكل أو المظهر.
كلما سمعت عن “حاملي الدرجات المرموقة”، ينتابني شعور بالخجل؛ فقد اختزل كثيرون هذا الفن العميق في قطعة قماش مزركشة، وعدّ بصوت مرتفع “إتش، ني، سن”، ومشاركة في مسابقات، وورقة شهادة، معتقدين أن ذلك يعكس فهمهم للفن. الحقيقة أن فهم فن الكراتيه لا يُنال بالزيارة القصيرة، ولا بالقراءة العابرة، بل بالممارسة اليومية والعيش المتواصل للثقافة التي ولد فيها هذا الفن.
المتدرب الزائر الذي يبحث عن حزام أو شهادة لفترة قصيرة غالبًا يفشل في الوصول إلى الجوهر، إلا إذا صادف من يدربه طمعًا في المال، فيمنحه الدرجة، لتصبح مجرد سلعة تباع وتشترى، فارغة من روح الفن. أما الدرجات العليا الحقيقية، فهي تُمنح فقط من لجان مؤهلة في اليابان، وفق نظام كل أسلوب، حيث تُختبر النفس قبل الجسد، والروح قبل الحركة.
الكراتيه بهذا المعنى أكثر من فن قتال؛ إنها فلسفة حياة، طريقة ممارسة مستمرة، ونمط تفكير وروح متجددة، لا تُقاس بالأحزمة ولا بالشهادات.
ما يُمارس اليوم في كثير من الساحات ليس سوى تقليد فارغ لموروث ثقافي عميق، يبتعد عن جذوره أكثر مما يظن من يبحث عن المظاهر أو يختزل الفن في الأداء والمنافسة، بينما الجوهر الحقيقي للفن يظل متجذرًا في الانضباط، الاحترام، والوعي المتواصل .



