محليات

الدحدوح يستعيد آخر نداء من زوجته الشهيدة...“وائل أمانة رد علي”

11 مشاهدة قراءة 16 دقيقة

الدوحة - واثق نيوز- استعاد مدير مكتب الجزيرة في غزة وائل الدحدوح خلال مشاركته في ملتقى “بالعربي 2026” الذي تنظمه مؤسسة قطر، محطات مؤلمة من تجربته في تغطية الحرب على قطاع غزة، بينها لحظة تلقيه نبأ استشهاد عدد من أفراد أسرته، وما رافق ذلك من ظروف قاسية واصل خلالها عمله الصحافي.

وأشار إلى أن الصحافيين، رغم الأثمان الباهظة التي دفعوها، صمدوا وواصلوا أداء دورهم في نقل صور الحرب وأخبارها وتفاصيل ما وصفه بالإبادة، “بغض النظر عن أي شيء”، مضيفاً أن إسرائيل، رغم ترسانتها العسكرية وما تحظى به من انحياز عالمي، أصبحت للمرة الأولى “مرتبكة، ومتهمة، ومعزولة ومنبوذة”.

وقال الدحدوح: “في يوم وصلت فيه الأحداث إلى ذروتها في مدينة غزة وشمال القطاع، من حيث الشدة والخطورة، نظرت إلى هاتفي، فوجدت رسالة نصية من زوجتي الشهيدة، رحمها الله. تفاجأت وفرحت فرحاً شديداً، كما لو أنني وجدت كنزاً، ببساطة لأن التواصل مع الأهل حينها لم يكن سهلاً، بل كان صعباً ونادراً ولا يحدث إلا بشق الأنفس، بسبب الدمار الكبير الذي أصاب شبكات الاتصال، والتشويش الإسرائيلي، فضلاً عن حالة الشتات والنزوح التي بتنا نعيشها، إلى جانب انغماسنا وانشغالنا بشؤون الحرب وتغطيتها”.

وأضاف: قالت زوجتي في الرسالة “وائل أمانة رد عليا.. أمانة ضروري” حاولت الاتصال جاهدا لكن محاولاتي ذهبت مع الأسف أدراج الرياح، وواصلت العمل لأن الأحداث كانت تشتد، كتبت لها على عجل رسالة نصية علها تصل في وقت ما “اطمئني.. وفوضي الأمر إلى الله وسأحاول التواصل معك”، وواصلت العمل وكنت كلما سنحت الفرصة أحاول الاتصال من جديد.

وتابع الدحدوح: “بعد محاولات مضنية، شعرت بشيء من الإحباط، وظننت للحظة أنني لن أستمع مجدداً إلى صوتها، وهممت فعلاً بقطع المحاولة الأخيرة التي كنت أجريها، وفجأة سمعت صوتها يقول: “ألو”. كان الصوت بعيداً ومتقطعاً ومرتبكاً وغير واضح، وكان يحمل كل هذه المتناقضات، لكنني تسمرت في مكاني ووضعت الهاتف على أذني خشية أن ينقطع الاتصال، وبادرتها بالقول: “كيف حالك؟ كيف الأولاد؟ طمنيني عنك؟ عن الجميع؟ ناقصك شيء؟ بدك شيء؟ صار عندكم شيء؟ في عندكم خطر؟ في شيء؟”.

وأضاف: “كانت ألف سؤال أريد إجاباتها دفعة واحدة، قبل أن ينقطع الاتصال. فقاطعتني هي بكلمات، صدقوني، أحسست بمرارتها في قلبي عبر الهاتف: “وائل، بكفي.. بكفي خلاص. تعالى، فيش اللي أنت في غزة؟! تعال اعمل المستحيل. رجاءً، لا أريد أن أفقدك، لا أريد أن أشرب حسرتك. تعال خلينا نموت مع بعض”، ثم أجهشت بالبكاء”.

وأردف: تصبرت وحاولت واجتهدت في تطمينها والتهدئة من روعها، لكنني اكتشفت أنني أتحدث مع الهاتف فقد كان الاتصال قد قطع مجددا عندها على صوت المصور “يالله يا أبو حمزة طالبينك على الهوا”، وفعلا التقطت الميكرفون ووقفت أمام الكاميرا وبدأت بالحديث عن الويلات التي تسببها الحرب للناس، دون أن أتمكن من الإشارة إلى ما يعصف بي من حزن وقلق وتوتر.

وأوضح أن ذلك من أصعب المواقف والتجارب التي يمكن أن يعيشها الصحافي، حين يعمل في مسقط رأسه وبين أهله وناسه، فيجد نفسه موزعاً ومشتتاً بين الخوف على نفسه، وعلى أهله وأولاده وذويه وجيرانه وأصدقائه وزملائه، وعلى صوته وصورته وأرشيفه وذكرياته وآماله وأحلامه. وقال إن الصحافي في قطاع غزة يتحدث عن كل شيء، إلا عن الحرب التي تدور في داخله، وهو واقع يعيشه الصحافيون في القطاع.

وأشار إلى أن مهنة الصحافة في قطاع غزة تحولت إلى “مهنة الموت”، وأن ذلك كان واقع الحال في القطاع، فيما كان المطلوب من الصحافي دائماً أن يمضي كآلة، كصخرة صماء. وأضاف أن هذه الحرب لم تكن كسابقاتها، إذ كان واضحاً منذ بدايتها، بحسب قوله، أن جيش الاحتلال يخطط لارتكاب جرائم حرب غير مسبوقة، فبدأ بإغلاق القطاع وعزله، وقطع الكهرباء والمياه، ومنع دخول أي شيء إليه، كما منع الصحافيين الأجانب من الوصول إلى القطاع، قبل أن تبدأ سلسلة لا تنتهي من القتل والتشريد والنزوح والشتات والاستفراد والتكالب والخذلان، في مشاهد قال إنها لم تُشهد من قبل.

وقال وائل الدحدوح: “مضت الأيام ثقيلة علينا، حتى جاء الامتحان الأصعب. أذكر يومها أنني كنت أتحدث عن أصعب أيام الحرب وأكثرها دموية وتدميراً. شعرت أن شيئاً مريباً يحدث حولي، لكنني استرسلت في الحديث على الهواء مباشرة كعادتي. وسرعان ما علا صوت رنين الهاتف، وعلى غير عادته، سارع ابن أخي المصور حمدان إلى التقاط الهاتف الذي كان في الدرع الذي أرتديه، وردّ عليه. ولمحته بطرف عيني وهو يضرب قدمه بالحائط القريب ويتمتم بكلمات. عندها قلت له: “إيش في؟”، ونسيت أنني على الهواء مباشرة».

وأضاف: “التقطت الهاتف منه، وسمعت صوت ابنتي خلود، وأدركت أن شيئاً جللاً قد حدث. تمنيت لو كان الأمر غير ذلك، وقلت: “مين؟”. فردّ عليّ صوت رجل لا أعرفه، ولم أسأله حتى الآن من يكون، وقال: “بنتك يا راجل، بنتك”. قالت خلود: “يابا، استهدفوا البيت اللي لجأنا إليه. أنا خرجت، بعرفش كيف، ومش عارفة إيش صار في الآخرين”. و”أدركت حينها أنني كنت أتحدث عن غارة تستهدف أسرتي من دون أن أعلم”.

وتابع: “أغلقت الهاتف وانطلقت مسرعا برفقة الفريق إلى النصيرات وسط قطاع غزة، وصلت المكان وجدته موحشا كئيبا مبعثرا مدمرًا، الظلام دامس ورائحة الغبار والدخان والبارود والدماء منتشرة في كل مكان، ورأيت عددا قليلا من الناس يحاولون التنقيب بأيديهم بين الأنقاض بحثا عن ناجين عن جرحى حتى عن شهداء بعد فترة وجيزة وجدنا جثة حفيدي الرضيع آدم، احتضنت الجثة ولكنني لم أجد الآخرين أين الزوجة؟ أين الأولاد؟ أين الأقارب الذين كانوا يعج بهم المكان؟ لا أحد يعرف لا أحد يجيب”.

وواصل الدحدوح قائلًا: “انطلقت مسرعا بسيارة الإسعاف التي كانت في الخارج بالانتظار إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح المجاورة، وصلت نظرت بحثت سألت والكل يتهرب من الإجابة، ما الذي يحدث؟ ثم ما لبثوا أن أخذوني إلى الخيمة المخصصة لجثامين الشهداء، وهناك أول من وقعت عليه عيني كان ولدي وتوأم روحي محمود، كان مكشوف الوجه وكان يبدو كأنه نائما، لكنه كان ينام في بركة من دماء، على مقربة منه كانت طفلتي ريحانتي وآخر العنقود شام، وهي تغط في سبات أبدي عميق”.

وأضاف: “أرشدوني إلى جثمان زوجتي نظرت ولم أجد سوى أشلاء داخل كيس من القماش جلست إلى جوارها وضعت يدي على أشلائها، أسررت لها بكلمات كنت أتمنى أن تكون آخر الكلمات وهي تنظر إلى وجهي، أو على الأقل وأنا أنظر نظرة الوداع إلى وجهها أو ما تبقى من وجه، لكنها إرادة الله تلفت يميناً ويساراً في هذه الخيمة التي تعج بجثامين الشهداء وجدت أبناء أشقائي وأبناء عمومتي في أكياس بيضاء من البلاستيك، ومع الأسف كان هذا هو الواقع الأليم وفي الصباح أدينا صلاة الجنازة على أرواحهم ثم واريناهم الثرى في قبر جماعي بالكاد حصلنا عليه في مقبرة دير البلح”.

وأشار إلى أن ساعة الحقيقة جاءت بعد ذلك، مع سؤال “ماذا سأفعل الآن؟، وكيف سأتصرف مع من بقي من أطفالي الجرحى المكلومين المصدومين المفجوعين الحائرين الخائفين، وقد أصبحوا بحاجتي أكثر من أي وقت مضى ترددت تلعثمت لكنني في النهاية، متابعًا: قلتها بشكل واضح وقاسي خيرتهم وقلبي يتمزق “يا أبا أنا سأعود إلى مدينة غزة ليكمل المهمة فإما أن تأتوا معي وإما أن تبقوا في هذه المستشفى، ولي ولكم الله” لبرهة خيم صوت رهيب على المكان ونظروا في وجوه بعضهم البعض، ثم قالوا لم يبق لنا غيرك يا أبي ليس لنا سواك سنعود معك إما أن نحيا معا أو نموت معا.

 

وتابع: اليوم في هذه اللحظات جاء الوقت الذي أقول لكم فيه: شكرا على كل شيء، ولتدركوا وأنتم في هذه القاعة بأنكم كنتم وما زلتم سرا من أسرار صمودي وبقائي واستمراري.

ونوه إلى أنه عاد للوقوف أمام الكاميرا مجددا، حينها قال له المذيع بصوت حزين ومتضامن “أعظم الله أجركم” قلت “شكر الله سعيكم وبارك الله فيكم وتقبل الله منا ومنكم، أما بالنسبة للأوضاع في قطاع غزة فهي في غاية التدهور والصعوبة”، لافتًا إلى أنه يتحدث عن الوجع وعن القصة الشخصية، لكن اكتشف لاحقا بأن ما حدث كان مجرد بداية فقد اشتدت الأحداث وزادت الاستهدافات، نجا من الموت مرات واضطر إلى النزوح نحو الجنوب بعد أن وصلت الدبابات إلى المكان، الذي يتواجد فيه في قلب مدينة غزة في مكتب قناة الجزيرة، ودمروا المكتب وواصلت دمروا بيته.

وأضاف الدحدوح: نجوت من الموت بأعجوبة، واستشهد زميلي ورفيقة دربي سامر، وواصلت، ثم استشهد ولدي بكري فؤادي وكلي وزميلي حمزة، وواصلت، واضطررت إلى الخروج خارج القطاع للعلاج، وواصلت، فقدت والدتي مصدر السعادة والطهر والنقاء والدعاء والتوفيق والصبر والتثبيت، وواصلت، وفقدنا اسماعيل الغول، وأنس الشريف ومحمد قريقع، وأعداد كبيرة من الزملاء في قطاع غزة، وواصلت حمل هذه الرسالة إلى العالم ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

 

وأردف: اليوم لا بد من السؤال هل تمكنت إسرائيل حقاً من قتل الحقيقة باستهداف وقتل رسل الحقيقة؟ أظن أن واقع الحال الذي يعيشه العالم اليوم يجيب على هذا التساؤل بوضوح، فالصحافيون رغم هذه الأثمان الكبيرة صمدوا ثبتوا واستمروا في رفع صوتهم ونشر صورهم وأخبارهم وحكاياهم وتفاصيل الحرب والإبادة بغض النظر عن أي شيء وإسرائيل المدججة بالسلاح والانحياز العالمي أصبحت لأول مرة مرتبكة متهمة معزولة ومنبوذة.

ونوه إلى أن أهمية السؤال حول كيفية يتعرض إنسان أو مجموعة من البشر لكل هذه الأهوال والمصائب أن يتحملوا يثبتوا يواصلوا لحن الحياة وصناعتها من بين الدمار وبراثن الموت، وأن السؤال وإن كان صعبًا فالإجابة عليه أصعب حتى لمن عاش هذه التجارب الأليمة.

وقال وائل الدحدوح: أعتقد جازماً بأنه بعد توفيق الله وتأييده مرد الأمر إلى أربعة مفاتيح الحب الإيمان الاستعداد والرضا، والحب هو العلاقة والتفاعل مع هذه المهنة لا كوظيفة فقط وإنما كرسالة إنسانية نبيلة وسامية وكوسيلة للدفاع عن القيم والحقوق والحريات، والإيمان هو اليقين بأن نقل الحقيقة والدفاع عنها هو واجب أخلاقي ومهني، أما الاستعداد فهو أن بإدراك الأثمان الباهظة قبل اختيار الطريق، والرضا هو رأس الأمر وهو سر الثبات وهو مفتاح الفرج وهو بداية الصبر وحلاوته أو مره، وأن الصبر والرضا هو برد الأمر إلى صاحبه، إلى الله سبحانه وتعالى مسبب الأسباب هازم الأحزاب الذي يقول للشيء كن فيكون.

وأوضح أن ذلك يبرهن على أن الثبات والانتصار وتحقيق الذات لا تتطلب بالضرورة امتلاك السلاح الفتاك، إذ إن من يمتلك السلاح، إذا افتقد هذه المفاتيح والقيم والروح، يمكن أن يتحول سلاحه إلى أحد أسباب الهزيمة وخسارة المعركة، “وهذا هو الشيء المهم في هذا السياق”.

وأضاف: خلاصة القول إن الأحداث مهما عظمت تتحول إلى ذكرى، قد تنسى بعض التفاصيل لكن جملة واحدة تبقى راسخة في العقول وفي القلوب جملة خرجت من قلب خائف مرتجف إلى هاتف لا يجيب “وائل أمانة رد عليّ.. أمانة ضروري” فبعض النداءات بالتأكيد لا تحتاج جواباً بالكلام تحتاج منا فقط أن نعيش ما بعد سماعها بطريقة لا تشبه أبداً ما قبلها.

واختتم بالقول: أعتقد أن غزة اليوم ومنذ البداية تؤدي نفس الرسالة نفس الشيء وهي تقول وتخاطب العالم في كل يوم بلغات مختلفة، وبصور كثيرة بصور لا تحتمل “أيها العالم أنصت لحظة، استمع إلى جراحاتنا أنظر إلى إباداتنا، ردوا علينا، أغيثونا، أدركونا، ماذا دهاكم؟! وأعتقد أن غزة والقدس وفلسطين وقضايا الناس جميعاً ما زالت بانتظاركم وبانتظار العالم وصحوة ضميره، أقولها من هذه المنصة “بالعربي” وبكل اللغات “الحرية لفلسطين”.