رئيس التحرير

"أم راجي".. خمسة أيام من البحث انتهت بفاجعة تهز القدس والوطن

38 مشاهدة قراءة 7 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 
لم تكن القدس تبحث خلال الأيام الماضية عن اسم عابر في سجل المفقودين. كانت تبحث عن امرأة يعرفها كثيرون باسم «أم راجي»؛ الحاجة فاطمة الرجبي، ابنة المدينة التي ارتبط اسمها لسنوات بتغسيل الموتى وتجهيزهم للدفن.

لكن رحلة البحث التي بدأت أملاً في أن تعود فاطمة إلى بيتها، انتهت يوم امس الجمعة بخبر ثقيل على عائلتها ومحبيها: العثور على جثة امرأة في منطقة شرقي القدس، بالتزامن مع اعتقال رجل في الستينيات من عمره للاشتباه بالضلوع في اختفائها وقتلها. وأعلنت عائلة الرجبي لاحقاً أن الجثة تعود إلى المرحومة الحاجة فاطمة، وأن المشتبه به اعترف بالجريمة، فيما تواصل الجهات المختصة تحقيقاتها وسط قيود على نشر التفاصيل.  

وكانت الحاجة فاطمة قد خرجت في مطلع الأسبوع الماضي،لأداء عمل اعتادت أن تؤديه بصمت، قبل أن تنقطع أخبارها. وتشير التقارير إلى أنها كانت قد توجهت إلى مستشفى المقاصد، ثم شوهدت لاحقاً في طريق عودتها، قبل أن تضيع آثارها.

ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن الغياب عادياً بالنسبة إلى أهلها. بدأت الاتصالات والأسئلة، ثم تحولت القضية إلى عملية بحث شارك فيها أهالي ومتطوعون وقوات من الشرطة الاسرائيلية وحرس الحدود . وعلى مدى أيام، ظلت العائلة معلقة بين رجاء بأن تعثر على أمها أو شقيقتها أو قريبتها حية، وخوف يتسع مع كل ساعة تمر من دون خبر.  وكانت القدس تبحث في الطرقات والأماكن المفتوحة، وتفتش في كل معلومة، مهما بدت صغيرة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الهاتف أكثر من وسيلة اتصال؛ يصبح شرياناً يصل العائلة بالأمل.

ثم جاء الخبر الذي لم تكن الأسرة تريد سماعه ... العثور على فاطمة وهذا لم يكن نهاية رحلة البحث بقدر ما كان بداية مواجهة الحقيقة الأكثر قسوة: أن المرأة التي خرجت لقضاء شأن من شؤون الحياة، لم تعد إلى بيتها.

وهنا لا تعود الأرقام مهمة. لا تعود السنوات الإحدى والستون سوى تفصيل صغير أمام حياة كاملة انقطعت فجأة: بيت، أهل، ذكريات، وجوه اعتادت حضورها، وأناس ربما كانوا ينتظرون أن تفتح الباب وتقول كعادتها كلمة عابرة.

إن أقسى ما في الجريمة ليس فقط أنها سلبت إنسانة حياتها، وإنما أنها تركت وراءها دائرة واسعة من الألم؛ أمّاً أو أختاً أو زوجة أو جدة أو قريبة، وأصدقاء وجيراناً سيبقى سؤال «لماذا؟» يلاحقهم طويلاً.

ولا تزال دوافع الجريمة وتفاصيلها النهائية رهن التحقيق، ولذلك لا يصح تحويل ما يتردد من روايات إلى حقائق مكتملة قبل انتهاء التحقيقات والإجراءات القضائية.

لكن هذه الجريمة، كما كل جريمة قتل بدافع المال أو الطمع إن أثبت التحقيق ذلك، تفتح سؤالاً أكبر من تفاصيل القضية نفسها: كيف يمكن للجشع أن يدفع إنساناً إلى النظر إلى حياة شخص آخر باعتبارها عقبة أمام ما يريد؟

وحين يتحول الطمع إلى مبرر للعنف، لا تكون الخسارة في الممتلكات وحدها، بل في معنى الأمان نفسه. يصبح الجار مصدر خوف، ويصبح الغريب موضع شك، وتتحول العلاقات التي يفترض أن تقوم على الثقة إلى أبواب مغلقة وحذر دائم.

ولهذا فإن مواجهة الجريمة لا تبدأ فقط بعد وقوعها، ولا تنتهي بإدانة مرتكبها أمام القضاء؛ بل تبدأ أيضاً من رفض ثقافة الجشع والعنف والاستخفاف بحرمة الإنسان.

وسط الحزن والغضب، تبدو الحاجة إلى السلم الأهلي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالدم لا يُغسل بالدم، والغضب مهما كان مفهوماً لا ينبغي أن يتحول إلى اعتداء على بريء أو خصومة بين عائلات أو انتقام خارج القانون. وقد شددت عائلة الرجبي، بحسب ما نقلته التقارير، على ضرورة ضبط النفس وترك المسار القانوني يأخذ مجراه.  

وهنا تقع مسؤولية المجتمع بأسره: أن يقف إلى جانب عائلة الحاجة فاطمة الرجبي " ام راجي " رحمها الله، وأن يطالب بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، من دون أن يسمح للحزن بأن يتحول إلى فوضى.

فالعدالة ليست انتقاماًوالقصاص العادل لا يعني أن يتحول المجتمع إلى ساحة ثأر والسلم الأهلي لا يعني الصمت عن الجريمة، بل يعني مواجهتها بالقانون، وبحماية الناس من أن تدفعهم الصدمة والغضب إلى جريمة أخرى.

ربما تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً في حكاية الحاجة فاطمة في أنها أمضت سنوات تساعد الناس على توديع موتاهم بكرامة، قبل أن تصبح هي نفسها خبراً ينتظره الناس في نهاية عملية بحث مضنية.

لقد رحلت الحاجة فاطمة وتركت فاجعة كبيرة في نفوس المقدسيين، والسؤال الذي تركته وراءها ليس سؤال عائلتها وحدها. إنه سؤال مجتمع بأكمله عن قيمة الحياة، وعن الحدود التي يمكن أن يصل إليها الجشع حين يغيب الضمير، وعن قدرتنا على حماية بعضنا بعضاً قبل أن تتحول المخاوف إلى مآسٍ.

في القدس، حيث تتقاطع الحكايات كل يوم، ستبقى حكاية «أم راجي» واحدة من تلك الحكايات التي لا تنتهي عند خبر العثور عليها.فثمة بيت سيفتقدها. وثمة عائلة ستتعلم كيف تعيش مع غيابها. وثمة مدينة عليها أن تتذكر أن الإنسان أغلى من المال، وأن الخلاف لا يبرر القتل، وأن الطمع مهما كان الدافع إليه لا يمكن أن يكون أقوى من حرمة الدم.