محليات

براءة اختراع أمريكية في علاج السرطان لباحثة من قطاع غزة

66 مشاهدة
براءة اختراع أمريكية في علاج السرطان لباحثة من قطاع غزة

غزة - واثق نيوز: وردة الشنطي- لم تكن تعرف د. بدرية السماك، حين بدأت بحثها، أن بروتيناً صغيراً داخل الخلية سيقودها إلى اكتشاف يفتح باباً جديداً للبحث العلمي، ولا أن سنوات الدراسة والتدريس والابتعاد عن غزة والقلق على عائلتها ستنتهي ببراءة اختراع أمريكية.
لكن الطريق الذي بدأ في بيت والدها، واستمر في أروقة الجامعة الإسلامية في غزة، قادها إلى مختبرات قطر ثم إلى منصات علمية دولية، لتصبح قصتها حكاية باحثة حملت غزة معها إلى العالم، لا كمدينة محاصرة بالحرب، وإنما كمدينة قادرة على إنتاج المعرفة.

بيت العلم
كان والدها، الدكتور فؤاد السماك، أحد رواد وعمداء العلوم الطبية المخبرية في قطاع غزة، نقطة البداية في علاقتها بالعلم، فقد نشأت وهي ترى أمامها نموذجاً لعالم يؤمن أن تخصص المختبرات الطبية يتجاوز حدود المهنة، ليصبح خدمة للإنسان والمجتمع.
التحقت بالجامعة الإسلامية في غزة، وحصلت منها على البكالوريوس والماجستير في علوم المختبرات الطبية، وهناك لم تكتسب المعرفة التخصصية فحسب، بل تعلمت التفكير العلمي ومنهجية البحث وطرح الأسئلة ومحاولة الوصول إلى إجابات قائمة على الدليل.
وبعد تخرجها، عادت إلى الجامعة نفسها عضواً في هيئة التدريس، وقضت نحو 12 عاماً في تعليم طلبة الطب، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأولى من البرنامج الطبي، ومع مرور السنوات، أدركت أن دور الأستاذ لا يقتصر على تقديم المعلومات، وإنما يمتد إلى بناء التفكير النقدي وربط العلوم الأساسية بالممارسة الطبية، وكانت تتابع طلبتها وهم ينتقلون من مقاعد الدراسة إلى المستشفيات، ثم يصبحون أطباء في فلسطين وخارجها.

رحلة الدكتوراه
وفي عام 2021، انتقلت بدرية إلى قطر لبدء دراسة الدكتوراه، وهي خطوة حملت معها تحديات كثيرة، بدءاً من صعوبة مغادرة غزة في ظل إغلاق المعابر وقيود الحركة، وصولاً إلى التأقلم مع بيئة أكاديمية وبحثية جديدة.
كانت بعيدة عن عائلتها، لكن القلق عليها لم يكن بعيداً عنها، خصوصاً مع اندلاع الحرب على غزة، وبينما كانت تتابع الأخبار وتحاول الاطمئنان على أهلها، كان عليها أن تواصل تجاربها داخل المختبر، وتنجز أطروحتها، وتستعد لمناقشة الدكتوراه.
تقول إن أصعب اللحظات كانت تلك التي اضطرت فيها إلى الفصل بين مشاعرها كابنة تخشى على عائلتها ووطنها، ومسؤوليتها كباحثة مطالبة بالاستمرار، ومع ذلك، أصبح البحث بالنسبة إليها وسيلة للمقاومة والاستمرار، فكل تجربة ناجحة ونتيجة جديدة وورقة علمية كانت تمنحها شعوراً بأنها تتقدم رغم كل ما يحدث.

فاختارت بدرية سرطان الثدي موضوعاً لبحثها، انطلاقاً من انتشاره الواسع بين النساء، وركزت على دراسة دور بروتين Nesprin-4 في تنظيم سلوك الخلايا السرطانية وعلاقته بانتشار المرض، ولتبسيط الفكرة، تشبه الخلية في مدينة صغيرة، ويعمل البروتين أشبه بجسر يربط بين أجزاء مهمة فيها ويساعدها على الحركة والتواصل.
لكن نتائج البحث كشفت لها شيئاً لم يكن متوقعاً، إذ تبين أن للبروتين دوراً في مسارات مرتبطة أيضاً بعمليات الأيض وتخزين الدهون، ما يفتح الباب أمام فهم علاقته بأمراض مثل السمنة والسكري والكبد الدهني، إلى جانب دوره في سلوك الخلايا السرطانية.
وعند ظهور هذه النتائج، بدأت تدرك أن ما توصلت إليه قد لا يبقى مجرد نتائج أكاديمية، وإنما قد يكون اكتشافاً قابلاً للحماية والتطوير، وصولاً إلى الحصول على براءة اختراع في الولايات المتحدة.
وبالنسبة إليها، كانت البراءة خلاصة سنوات من التجارب والمحاولات الفاشلة والناجحة، وساعات طويلة في المختبر، ودعم مشرفيها، لكنها في الوقت ذاته ليست نهاية الطريق، بل بداية لإمكانية تطوير استراتيجيات علاجية تستهدف المسارات المرتبطة بالبروتين مستقبلاً.

صمود باحث
لم تكن أصعب مراحل رحلة الدكتورة بدرية البحثية مرتبطة بتجربة مخبرية فاشلة أو نتيجة لم تأتِ كما توقعت، بل كانت في تلك الليالي التي كانت تتابع فيها أخبار الحرب في غزة، بينما تحاول في الوقت نفسه إكمال تجارب الدكتوراه وكتابة أطروحتها والاستعداد للمناقشة.
كانت عائلتها وأحباؤها هناك، وهي في قطر، تعيش قلقاً مستمراً عليهم، ثم تعود إلى المختبر محاولة أن تفصل بين خوفها كابنة وإنسان وبين مسؤوليتها كباحثة، كانت تحمل في داخلها القلق والخوف، وتحاول في الخارج التركيز في التجارب والنتائج، قبل أن تعود مجدداً إلى الهاتف بحثاً عن خبر يطمئنها على أهلها.
ورغم هذا الضغط النفسي والإنساني والأكاديمي، وجدت في استمرار البحث مصدراً للقوة، كانت ترى نتائج التجارب تتراكم، وأبحاثها تُنشر في المجلات العلمية، وتشعر أن كل خطوة جديدة تقربها من الهدف الذي عملت من أجله سنوات.
وعندما وقفت أخيراً أمام لجنة المناقشة ونجحت في مناقشة أطروحتها، شعرت أن كل التعب والقلق والليالي الصعبة تراجعت للحظة، وأن سنوات العمل تحولت إلى إنجاز حقيقي، لم تكن تحتفل بالحصول على الدكتوراه فقط، بل شعرت بأنها انتصرت أيضاً على ظروف حاولت أن تجعل الطريق أكثر صعوبة.
ومن هذه التجربة، تنظر بدرية إلى واقع الباحثين في غزة بوصفه معركة أخرى من أجل البقاء العلمي، فالمشكلة، في رأيها، ليست في غياب العقول أو الطموح أو القدرة على الابتكار، وإنما في غياب البيئة التي تسمح لهذه العقول بتحويل أفكارها إلى إنجازات.
فتدمير الجامعات والمختبرات لا يعني خسارة مبانٍ وأجهزة فقط، بل خسارة سنوات من الخبرة والبيانات والعينات والمشاريع، وتهديد مستقبل جيل كامل من الباحثين.
ولذلك ترى أن إعادة بناء المختبرات والجامعات ضرورية، لكن الحفاظ على الإنسان والعقل الفلسطيني أكثر أهمية، لأن الأجهزة والمباني يمكن إعادة بنائها، بينما يصعب تعويض الخبرات التي تضيع، وتتوقف المسارات العلمية لسنوات.
وتؤكد أن الباحث الفلسطيني يواجه تحديات إضافية مقارنة بمن يعمل في بيئة مستقرة، فهو قد يبني مشروعاً لسنوات وهو يعرف أن مختبره أو مواده أو أجهزته قد تضيع في أي لحظة.
كما أن صعوبة السفر والمشاركة في المؤتمرات والوصول إلى المراكز العلمية والتعاون مع الباحثين حول العالم تحد من فرصه.
ومع ذلك، تحمل بدرية هذه الصعوبات معها إلى المحافل الدولية، فعندما تقف في مؤتمر علمي وتسألها الأعين عن بلدها، تقول بفخر: «أنا من غزة، فلسطين»، لا تريد أن يكون انتماؤها مدعاة للشفقة، بل مصدراً للفخر، وأن تثبت أن خلف المدينة المحاصرة عقولاً قادرة على البحث والمنافسة وصناعة المعرفة.
ولعل حصولها على المركز الأول في مسابقة أطروحة في ثلاث دقائق على مستوى جامعة حمد بن خليفة عام 2024 كان إحدى اللحظات التي أكدت لها ذلك.
فقد تمكنت من اختصار سنوات من البحث حول موضوع معقد في ثلاث دقائق، وتحويل المعرفة العلمية إلى فكرة يفهمها الجمهور، أما رسالتها للشباب وطلبة غزة الذين يشعرون بأن أحلامهم العلمية أصبحت بعيدة، فتختصرها في إيمانها أن الظروف قد تؤخر الطريق، لكنها لا تمنع الوصول، لذلك تدعوهم إلى التمسك بأحلامهم والاستثمار في العلم والمعرفة، لأن غزة، كما تقول، مليئة بالعقول القادرة على صناعة مستقبل أفضل رغم كل ما يحيط بها من ظروف قاسية.