غزة-واثق نيوز-خاص-في قطاع غزة، لا يبدو المشهد الإنساني مجرد أزمة عابرة أو طارئة، بل حالة ممتدة من الانهيار المركّب الذي يطال أدق تفاصيل الحياة اليومية. فمنذ تصاعد العمليات العسكرية في أواخر عام 2023 واستمرار تداعياتها حتى عام 2026، تحوّل القطاع إلى مساحة مكتظة بالألم، حيث تتقاطع معاناة النزوح مع نقص الغذاء، وتنهار المنظومات الصحية والتعليمية تحت ضغط غير مسبوق، وفق توصيفات صادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة.
القطاع الصحي: منظومة على حافة الانهيار..
في قلب هذه الأزمة، يقف القطاع الصحي بوصفه أحد أكثر القطاعات تضررًا. حيث تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أقل من نصف المرافق الصحية في غزة تعمل بشكل كامل أو جزئي، في ظل أضرار جسيمة لحقت بالبنية التحتية الطبية ونقص حاد في الإمدادات الأساسية. المستشفيات التي ما تزال تعمل تحولت إلى نقاط استنزاف يومي، تستقبل أعدادًا تفوق قدرتها الاستيعابية بكثير، في وقت تعاني فيه من شحّ حاد في الوقود اللازم لتشغيل المولدات، ما يهدد بتوقف الخدمات الحيوية في أي لحظة.
داخل هذه المرافق، تتجلى صورة أكثر قسوة: غرف العمليات تعمل في ظروف طارئة، والأطباء يضطرون إلى تأجيل أو إلغاء إجراءات جراحية بسبب نقص الأدوية والمستلزمات، بينما تتزايد الحاجة إلى خدمات حيوية مثل غسيل الكلى والعناية المركزة. وتفيد تقارير أممية بأن آلاف المرضى، خصوصًا من أصحاب الأمراض المزمنة، يواجهون خطرًا مضاعفًا نتيجة تعثر الوصول إلى العلاج أو تعذر تحويلهم إلى خارج القطاع لتلقي الرعاية اللازمة.
ولا تقتصر الأزمة على الجرحى والمرضى المباشرين، بل تمتد إلى الصحة العامة. فمع انهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وتحول مراكز الإيواء إلى بيئات مكتظة تفتقر لأبسط شروط النظافة، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من تزايد انتشار الأمراض المعدية، خاصة بين الأطفال. وقد سُجلت بالفعل حالات متزايدة من الأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي، في ظل ضعف برامج التطعيم وانقطاع سلاسل التبريد الخاصة باللقاحات.
التعليم: جيل مهدد بالضياع ..
إذا كان القطاع الصحي يعكس حجم الكارثة الراهنة، فإن التعليم يكشف عن عمق آثارها المستقبلية. فبحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تعرضت نسبة كبيرة من المدارس في غزة للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما تحولت مئات المدارس إلى مراكز لإيواء النازحين، ما أدى فعليًا إلى تعطّل العملية التعليمية لمئات آلاف الطلبة.
في هذا السياق، تؤكد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن طلابها، الذين يشكلون شريحة واسعة من أطفال القطاع، حُرموا من التعليم المنتظم لفترات طويلة، في ظل غياب بيئة آمنة للتعلم ونقص حاد في الكوادر والمواد التعليمية. وحتى المبادرات البديلة، مثل التعليم المؤقت أو الإلكتروني، اصطدمت بواقع انقطاع الكهرباء وضعف الاتصال بالإنترنت.
المشهد داخل مراكز الإيواء يلخص حجم التحدي: أطفال بلا مقاعد دراسية، وكتب مدرسية استبدلت بأغطية للنوم، ومعلمون يحاولون تقديم الحد الأدنى من الدعم التعليمي والنفسي في ظروف شديدة التعقيد. وتشير تقديرات أممية إلى أن جيلًا كاملًا بات مهددًا بفقدان سنوات حاسمة من تعليمه، ما ينعكس على مستقبله الاجتماعي والاقتصادي، ويعمّق من دوائر الفقر والهشاشة في المجتمع.
بين الصحة والتعليم: دائرة مغلقة من التدهور ..
لا يمكن فصل انهيار القطاع الصحي عن تدهور التعليم، فكلاهما يعكسان وجهين لأزمة واحدة. فالأطفال الذين يُحرمون من التعليم هم أنفسهم الأكثر عرضة للأمراض وسوء التغذية، والبيئة الصحية المتدهورة بدورها تعيق أي محاولة لإعادة إحياء العملية التعليمية. هذه الدائرة المغلقة تجعل من التعافي مهمة أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل استمرار القيود على إدخال المساعدات الإنسانية وصعوبة وصول فرق الإغاثة إلى العديد من المناطق.
وتجمع التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية على أن ما يعيشه قطاع غزة يتجاوز حدود الأزمات التقليدية، ليصل إلى مستوى "كارثة إنسانية ممتدة". وبينما تستمر الجهود الدولية في محاولة احتواء الوضع، يبقى الواقع على الأرض أكثر قسوة من أي استجابة متاحة حتى الآن.
في غزة، لم يعد السؤال عن حجم الدمار، بل عن قدرة الناس على الاستمرار وسط هذا الدمار. وبين مستشفى يفتقر إلى الدواء، ومدرسة تحولت إلى ملجأ، تتشكل يوميًا ملامح أزمة تهدد الحاضر والمستقبل معًا.



