الكاتب : مروان إميل طوباسي
في خضم التصعيد المتسارع في الخليج ، تكشف الضجة المثارة حول موقف الصين من مضيق هرمز عن حقيقة أعمق من مجرد سجال إعلامي . فبينما سعت إدارة دونالد ترامب إلى حشد تحالف دولي لتأمين الملاحة ، جاء الرد الصيني حذراً ورافضاً الانخراط العسكري في الرؤية الأمريكية العدوانية ، دون أن يذهب إلى حد تبني الرواية الإيرانية كما روجت بعض المنصات من ملكية المضيق .
هذا التباين بين الواقع والترويج يعكس محاولة توظيف سياسي للأزمة ، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على تحول مهم في بنية النظام الدولي التي كنت قد اشرت لها مرارا في مقالات سابقة ، والتي يفترض بنا الإستفادة منها في بناء وضوح رؤيتنا .
فالصين ، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج وتحديدا الايراني ، لا ترى في عسكرة المضيق حلاً ، بل خطراً مباشراً على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية . ومن هنا، فهي تفضل التموضع كقوة توازن ، لا كطرف علني في صراع مفتوح تقوده واشنطن .
في المقابل ، تدرك إيران أن رفض قوى كبرى الانخراط في أي تحالف عسكري ضدها يمنحها هامشاً أوسع للمناورة ، سياسياً وميدانياً . وهذا ما يفسر جزئياً التحرك الدبلوماسي المتسارع لها ، بما في ذلك زيارة وزير خارجيتها إلى موسكو ولقائه مع الرئيس الروسي بوتين امس ، في خطوة تعكس سعياً واضحاً لتعزيز شبكة الأمان الدولية في مواجهة العنجهية والضغوط الأمريكية .
فروسيا من جهة اخرى ، تنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة ، هي فرصة لإعادة تثبيت نفسها كلاعب دولي قادر على موازنة النفوذ الأمريكي ، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة . وهذا التقاطع في المصالح بين موسكو وبكين وطهران لا يعني تحالفاً صلباً بقدر ما يعكس تقاطعاً مرحلياً في مواجهة الهيمنة الأمريكية ، وهو ما يُفسر الاتفاقيات الثلاثية بينهم منذ سنوات .
النتيجة الأبرز والمهمة حتى الآن هي فشل واشنطن في بناء إجماع دولي حقيقي حول استراتيجيتها القائمة على العدوان والشراكة مع إسرائيل كذراع لها بالمنطقة وفق استراتيجية الامن القومي الامريكي المعلنة قبل أشهر . فحتى الحلفاء التقليديون أبدوا تردداً واضحاً في الانخراط في مغامرة عسكرية غير محسوبة ، ما يعكس تآكلاً نسبياً في القدرة الأمريكية على فرض رؤيتها بشكل أحادي وفشل جر الأوروبيين الى مخاطر تلك السياسات ومحاولة من ترامب لافشال المبادرة الفرنسية البريطانية .
باعتقادي ، إن ما يجري في مضيق هرمز يتجاوز كونه أزمة ممر مائي استراتيجي ، إنه اختبار فعلي لشكل النظام الدولي القادم الأخذ بالتكون .
كما ان الإعلان المنسوب إلى الإمارات بالخروج من أوبك وأوبك بلس ، يعكس اتجاهاً متصاعداً نحو استقلال القرار الوطني وتراجع الأطر الجماعية ، بما ينسجم مع تحولات النظام الدولي الراهنة التي ذكرتها .
وبين محاولة أمريكية لتدويل المواجهة ، ورغبة صينية – روسية في احتوائها ، تقف المنطقة على حافة توازن هش ، لا هو حرب شاملة ولا هو سلام مستقر .
ولا تقف تداعيات هذا الاشتباك الدولي عند حدود الخليج ، بل تمتد إلى ساحات أكثر هشاشة في الإقليم ، وفي مقدمتها لبنان وما قبل ذلك في غزة ، حيث تتقاطع حسابات إيران مع واقع المواجهة المفتوحة مع إسرائيل ،
وهو ما ينبغي أن يكون دافعا قويا لدى الجماهير العربية لتطهير وعيها وأنماط تفكيرها من الطائفية والنظرة الدينية الضيقة إلى السياسة والتاريخ .
وفي هذا السياق يتجدد في الخطاب السياسي والإعلامي نمط إشكالي يقوم على تحميل قوى المقاومة بالجنوب اللبناني مسؤولية التوتر ، متجاهلاً جذور الصراع المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة وطبيعة دولة اسرائيل الإستعمارية التوسعية منذ نشأتها ، وهو ما يعكس شكلاً من أشكال “لوم الضحية” الذي عانينا منه في فلسطين بمواقف غربية قامت على ازدواجية المعايير من الصراع مع الاحتلال ، وهو الذي يختزل تعقيدات المشهد ويُعيد إنتاج رواية أحادية قائمة على اهداف التوسع الإستعماري باعتباره "حق بالدفاع عن النفس" . وبين هذا التبسيط المخل وتعقيدات الواقع ، يبقى لبنان مساحة تأثر لا قرار ، يدفع كلفة التوتر دون أن يكون طرفاً في صناعته ، كما نحن أيضا في فلسطين في مواجهة مخططات "مجلس ترامب للسلام" في غزة وتسارع الهجمة الأستيطانية بالضفة الغربية في محاولة فرض الوقائع الإستعمارية بتوافق أمريكي يسهل ذلك بشكل عملي وفعلي .



