تل ابيب - ترجمة - واثق نيوز- خلال عقود كثيرة تشكلت الرؤية الأمنية لإسرائيل على افتراض أن التهديدات الرئيسية تأتي من الخارج: دول معادية، منظمات إرهابية، وأحياناً حتى من ساحات بعيدة. وبناء على ذلك، تم بناء آليات الإنذار والاستجابة. ولكن بدأ ينشأ تهديد يتفاقم في الداخل في السنوات الأخيرة. ينظر أحياناً إلى إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية على أنه مشكلة تتعلق بإنفاذ القانون أو فشل موضعي، لكنه في الواقع ظاهرة واسعة النطاق، مع إمكانية للتصعيد الإقليمي، وتقوض الأسس المركزية للأمن القومي الإسرائيلي. ويبدو أن المستوى السياسي والمستوى الأمني يواجهان صعوبة في التعامل مع هذا التهديد الاستراتيجي، أو أنهما يمتنعان عن ذلك.
في السابق، كان ينظر إلى عنف جماعات اليمين المتطرف في المناطق المحتلة بأنه ظاهرة هامشية وعفوية، تفتقر إلى هيكل تنظيمي واضح. ولكن منذ 7 أكتوبر شهدت نشاطات “شبيبة التلال” والجماعات المشابهة، تحولاً جذرياً. من منظمات محلية غير منظمة إلى نظام متسق، يتمتع بحضور رقمي وقدرة على التنظيم السريع، وحتى بخصائص شبه عسكرية.
تشير البيانات المتعلقة بالإرهاب اليهودي، حتى لو كانت غير مكتملة، إلى توجه واضح نحو التصاعد المطرد في نطاق العنف وشدته. وفي الوقت نفسه، هناك تراجع ظاهر في الردع وإنفاذ القانون. عندما تصبح أحداث العنف أمراً روتينياً، وتكاد لا يقابلها ردود فعل، يتشكل أمام أنظارنا معيار أمني جديد. ولأول مرة منذ 1967 تجاوز عدد العمليات الإرهابية اليهودية عدد العمليات الإرهابية الفلسطينية في المناطق المحتلة. إن ظاهرة التهديدات من الداخل، المدعومة من قبل الحكومة، لا تعتبر حكراً على إسرائيل. ففي الولايات المتحدة، عشية 6 كانون الثاني 2021، تراكمت معلومات كثيرة عن نوايا جماعات سياسية متطرفة للقيام بأعمال عنف، ومع ذلك واجهت المخابرات الأمريكية صعوبة في تقدير احتمالية تحقق هذا التهديد، ولم تحذر جهاز الأمن التابع لمجلس النواب. لم يكن سبب الفشل الاستخباري النقص في المعلومات، بل صعوبة في المفاهيم.
كان الافتراض أن التهديدات الخطيرة تأتي من الخارج. واعتبرت احتمالية مجيء تهديد من داخل النظام السياسي نفسه أمراً مستبعداً. وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً للرؤية الاستراتيجية، حيث لم يتم تفسير المعلومات المتاحة بشكل صحيح بسبب التحيز السياسي أو بسبب أنماط التفكير الجامدة.
تقع مسؤولية التصدي للتهديدات الداخلية على جهاز “الشاباك”، الذي يعطيه القانون صلاحيات واسعة لحماية الدولة والحكومة الديمقراطية من الإرهاب والتخريب والتجسس. ولكن عملياً، هناك فجوة بين الإطار القانوني وطريقة تطبيقه، لا سيما بعد تولي دافيد زيني منصب رئيس الجهاز. يعمل الجهاز بنجاح على إحباط الإرهاب الفلسطيني. ولكن فيما يتعلق بالإرهاب اليهودي، يكاد إنفاذ القانون يكون معدوماً. والرسالة الفعلية هي اللامبالاة.
تعود أسباب الوضع الأمني في الضفة الغربية في جزء منها، إلى صعوبات عملياتية وتعريفات غامضة للإرهاب اليهودي، وفي جزء آخر منها للاعتبارات السياسية. عندما تدعم عناصر في الجهاز الحكومي علناً أفعالاً وأفكاراً تغذي الإرهاب اليهودي، فإن قدرة الأجهزة الأمنية على التحرك تتأثر سلباً، ويزداد الوضع سوءاً مع وجود مؤشرات على أن رئيس “الشاباك” الجديد لا يعتبر الإرهاب اليهودي إلا احتكاكاً عنيفاً بين الفلسطينيين واليهود.
إن من ينظر إلى الإرهاب اليهودي على أنه قضية أخلاقية أو سياسية بحتة، يغيب عنه جوهر المشكلة: استمرار العنف قد يشعل انتفاضة فلسطينية جديدة، ويضر بالتعاون الأمني الإسرائيلي – الفلسطيني، وقد يمتد إلى داخل إسرائيل. أيضاً هو يعمق عزلة إسرائيل في العالم. تكمن المشكلة في أن النقاشات الأمنية والتخطيط الاستراتيجي والتقديرات الاستخبارية ما زالت تركز على الساحة الخارجية، بينما يتطور تهديد حقيقي في داخل النظام ولا يُعطى الوزن الذي يستحقه في أوساط الاستخبارات ومتخذي القرارات. هذه ليست مشكلة وظيفية، بل صراع بين الاحتياجات الأمنية وأيديولوجيا عناصر السلطة، وهو ما قد يكون مدمراً.
يتطلب التعامل مع تهديد داخلي للديمقراطية توازناً دقيقاً بين الأمن والحقوق المدنية، ويجب مراقبة الجماعات السياسية المتطرفة باستخدام وسائل سرية وقوة إنفاذ القانون. الصعوبات التي تواجهها الدولة لا تعفيها من مسؤوليتها الأساسية في حماية أمنها ومؤسساتها.
لتحقيق ذلك، يجب اتخاذ عدة خطوات. أولاً، اعتراف رسمي وواضح بأن العنف اليهودي في الضفة الغربية يشكل تهديداً أمنياً، وليس مجرد مشكلة إنفاذ قانون. ثانياً، دمج التهديدات الداخلية بشكل كامل في تقديرات الاستخبارات كي يحصل متخذو القرارات على صورة شاملة للتهديدات. ثالثاً، تعزيز الاستقلالية المهنية لأجهزة الأمن والاستخبارات، كي تتمكن من العمل من دون خوف من الضغوط السياسية. والأهم، الحاجة إلى قيادة تضع حدود واضحة، حتى لو كان ذلك ينطوي على تكلفة سياسية.
من أبرز صفات العمى الاستراتيجي هو الاعتراف بالخطأ بعد حدوثه. فبعد الفشل وعندما يحدث الضرر بالفعل، يشاهد الجميع العلامات التي كانت واضحة من البداية. يمكن التحذير من العمى الأمني وعرض احتمالية العواقب الوخيمة للإرهاب اليهودي في الوقت الفعلي، لا سيما عندما تدعمه جهات كثيرة في الحكومة. العلامات موجودة، والبيانات تتراكم، والتحذيرات تسمع. وحتى في الخارج، في الولايات المتحدة، ثمة تحذيرات من تدهور الأوضاع. يبقى أن نرى إذا كانت المنظومة الأمنية ستتمكن من مراجعة نفسها والتحذير من التهديد بشجاعة. يكمن الخوف في استمرار التجاهل واستمرار الإرهاب اليهودي في المناطق المحتلة، الذي تدعمه عناصر في الحكومة، بل وازدياده.
آفنر برنياع
هآرتس 27/4/2026



