الكاتب : زياد الحلبي
في الضفة الغربية، لا تحتاج إلى أرشيف طويل ولا إلى وثائق سرية لتفهم أين تقف الأمور الآن . المشهد نفسه هو الوثيقة. قرية تُهاجَم في وضح النهار، طريق يُغلقه ثلاثة فتية بلا سبب، مئات السيارات تنتظر، والجيش يصل… لكن ليس لفتح الطريق، بل لضبط الضحية. هنا، تتكثف القصة كلها.
ما يجري لم يعد ظاهرة هامشية يمكن احتواؤها أو تسميتها بأسماء مخففة. لم يعد الأمر “فتيان تلال” ولا “تدفيع ثمن”. نحن أمام "إرهاب يهودي"-وهو توصيف حدده جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك”-ميليشيات منظمة، مسلحة، تتحرك بثقة من يعرف أن لا رادع أمامه. تدخل القرى، تحرق، تسرق، تقتل، تُهين الناس في يوميات مفتوحة، بلا خوف، وبلا حتى محاولة للاختباء. قبل أيام فقط، قُتل فلسطينيان على يد مستوطنين، وجرت محاولة لحرق عائلة كاملة، في مشهد يلخص إلى أي حد بلغ هذا الانفلات. هذا ليس انفلاتاً عابراً، بل حالة مستقرة من الفوضى الممنهجة.
والمشهد الأكثر دلالة ليس في حجم العنف فقط، بل في طبيعته الرمزية. أن يستطيع فتى لا يعرف أن يكتب اسمه أن يقرر إغلاق شارع رئيس في وجه شعب كامل، فهذه ليست فوضى… هذه رسالة. رسالة تقول إن ميزان القوة لم يعد يحتاج إلى تبرير، وأن السيطرة لم تعد بحاجة إلى قانون، بل إلى إرادة عارية تمارس نفسها على الأرض.
هنا يتجلى نظام كامل، لا مجرد سلوك. قانون مدني للمستوطن يفعل ما يشاء، وقانون عسكري للفلسطيني يُحاسَب على كل شيء. نظام فصل عنصري مكتمل الأركان، ليس كشعار سياسي، بل كواقع يومي يُعاش في الطرق والحواجز والقرى. هذه الازدواجية ليست تفصيلاً قانونياً، بل هي البنية التي تنتج هذا العنف وتحميه وتعيد إنتاجه.
لكن الخطأ الأكبر هو تفسير ما يجري على أنه مجرد ارتفاع في منسوب التطرف. التطرف هنا ليس عرضاً، بل أداة. ما نشهده هو سياسة تُدار من أعلى، حتى لو نُفذت من أسفل. حكومة يمين تسيطر عليها عقليات خرجت من هوامش الاستيطان إلى مركز القرار، تحمل معها تصوراً واضحاً: فرض وقائع لا يمكن التراجع عنها. هؤلاء لا يرون في هذه الميليشيات عبئاً، بل امتداداً طبيعياً لهم على الأرض، ويستند بعض رموزها إلى خلفيات إدانة أو ارتباطات سابقة بتنظيمات مصنفة إرهابية، كما في حالة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وهنا يعود التاريخ ليطلّ بوجهه الصريح. الفكرة ليست جديدة. هناك استلهام واضح لنماذج سابقة، حين كانت العصابات المسلحة جزءاً من عملية التهجير الكبرى. الفرق أن ما كان يُنفذ في ظل فراغ الدولة، يُعاد اليوم إنتاجه تحت مظلة دولة قائمة، وبحمايتها أو بصمتها في ارض تحتلها ومطالبة بحماية المدنيين فيها وفق القانون الدولي.
النتيجة هي ما نراه الآن: الضفة الغربية تتحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة لعملية تفكيك بطيء، لكنها متواصلة. المجتمع يُستنزف يومياً، الأرض تُضغط، والإنسان يُدفع إلى حافة الاحتمال. هذا ليس حدثاً منفصلاً، بل مسار.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن لهذا المسار أن يستمر طويلاً ؟
التاريخ، في مثل هذه الحالات، لا يعطي إجابات مطمئنة. المجتمعات التي تُدفع إلى هذا الحد من الإذلال اليومي، لا تبقى ساكنة إلى ما لا نهاية. الضفة اليوم على صفيح ساخن، نعم، لكنها أيضاً فوق برميل بارود تتجمع فيه كل عناصر الانفجار: القهر، الفوضى، غياب الأفق، وانهيار أي شعور بالعدالة.
وعندما تتجمع هذه العناصر، لا يكون الانفجار احتمالاً… بل يصبح توقيتاً مؤجلاً.



