آراء

طبول الحرب تقرع في واشنطن وتل أبيب: هل تقترب المواجهة الثالثة مع إيران؟

13 مشاهدة قراءة 7 دقيقة

الكاتب : بروفيسور/ حسين الديك

  
لم تعد احتمالات تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد سيناريو افتراضي في حسابات الأمن والاستراتيجية، بل أصبحت مسألة ترتبط بمجموعة من التحولات السياسية والعسكرية والإقليمية التي قد تدفع نحو فتح جولة جديدة من الصراع. وفي هذا السياق، تبرز فرضية أن مرحلة ما بعد الانتخابات قد تشكل توقيتاً مناسباً لإعادة طرح الخيار العسكري، في ظل ما يُثار حول الاستعدادات الأمريكية والإسرائيلية لإعادة ترتيب أدوات المواجهة.
إن الحديث عن جولة ثالثة من الحرب مع إيران لا ينطلق فقط من احتمالات التصعيد الميداني، وإنما من طبيعة الصراع الاستراتيجي بين الأطراف المعنية، ومن استمرار الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي لطهران، ومعادلات الردع والأمن في الشرق الأوسط.
إلى أين تتجه المواجهة؟
تشير التقارير المنشورة في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى أن واشنطن وتل أبيب أعدّتا خططاً لاستئناف الضربات العسكرية ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.2026  كما تحدثت تقارير عن تكثيف التدريبات العسكرية والاستعدادات العملياتية، وعن بحث أهداف محتملة تشمل المنشآت النووية والطاقة والترسانة الصاروخية والطائرات المسيّرة. وهذه المعطيات تعزز جدية سيناريو استئناف الحرب. 
ويكتسب التوقيت الانتخابي أهمية خاصة؛ إذ يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تجنب تداعيات اقتصادية وسياسية إضافية للحرب قبل الانتخابات، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وانعكاساتها على الناخب الأمريكي. ومن ثم، فإن تأجيل أي قرار عسكري إلى ما بعد الانتخابات قد يمنح واشنطن هامشاً سياسياً أوسع للتحرك، ويقلل من تأثير المواجهة المباشرة على الحسابات الانتخابية الداخلية.
في المقابل، لا يمكن فصل الحسابات الأمريكية عن الموقف الإسرائيلي. فالحكومة الإسرائيلية تنظر إلى استمرار القدرات النووية والصاروخية الإيرانية باعتباره تحدياً استراتيجياً طويل الأمد، فيما تسعى إلى منع طهران من استعادة قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، قد ترى تل أبيب أن استئناف العمليات العسكرية يمثل فرصة لاستكمال الأهداف التي لم تتحقق خلال الجولات السابقة، وإعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمية.
لماذا قد تكون الجولة المقبلة أكثر تدميراً؟
تكمن خطورة أي مواجهة جديدة في احتمال انتقالها من استهداف القدرات العسكرية والنووية إلى توسيع نطاق الأهداف لتشمل البنية التحتية الاقتصادية والطاقة والمرافق الحيوية. فالتقارير المتداولة بشأن الخطط الأمريكية والإسرائيلية تتحدث عن عمليات مكثفة تستهدف قطاعات استراتيجية، وهو ما قد يجعل تداعيات الحرب تتجاوز حدود إيران وإسرائيل لتطال دول الخليج والمنظومة الاقتصادية الإقليمية والدولية. 
كما أن إيران تعمل على إعداد خيارات رد أكثر اتساعاً في حال استئناف الهجمات، بما يرفع احتمالات تحول المواجهة إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات. وتبرز هنا أهمية مضيق هرمز، باعتباره ممراً استراتيجياً لتجارة الطاقة العالمية، فضلاً عن احتمالات استهداف المصالح والمنشآت المرتبطة بالأطراف المنخرطة في الحرب.
وبالتالي، فإن خطورة الجولة الثالثة لا ترتبط فقط بحجم الضربات العسكرية المتبادلة، وإنما باحتمالات انهيار ما تبقى من قواعد الاشتباك، واتساع دائرة الأطراف المتورطة، وارتفاع كلفة المواجهة على الاقتصادات الإقليمية، ولا سيما الدول التي تجد نفسها بين الالتزامات الأمنية تجاه واشنطن ومخاطر الرد الإيراني.
ما بعد الانتخابات ليس بالضرورة ما قبل الحرب
إن المؤشرات الراهنة تسمح بالقول إن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، وإن احتمالات استئناف المواجهة العسكرية بعد الانتخابات الأمريكية باتت حاضرة بجدية في الحسابات الاستراتيجية. لكن الانتقال من التخطيط والاستعداد إلى اتخاذ قرار الحرب يظل رهناً بحسابات سياسية وعسكرية ودبلوماسية معقدة.
والسؤال المركزي لم يعد فقط ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب قادرتين على شن جولة جديدة من الهجمات، بل ما إذا كانتا قادرتين على التحكم بمساراتها ونتائجها. فالحرب قد تبدأ بقرار أمريكي وإسرائيلي، لكنها لن تنتهي بالضرورة وفق الحسابات التي وضعها أصحاب القرار.
إن الجولة الثالثة، إذا اندلعت، قد لا تكون مجرد استكمال للجولات السابقة، بل نقطة تحول في بنية الصراع الإقليمي، وفي معادلات الأمن والطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط. ولذلك، فإن طبول الحرب التي تقرع في واشنطن وتل أبيب لا تعكس فقط استعداداً عسكرياً جديداً، بل تكشف عن أزمة استراتيجية مفتوحة، قد تكون كلفة الخروج منها أكبر بكثير من كلفة الدخول إليها.

* خبير الشؤون الامريكية