آراء

الرَايَات السوداء تضرب أنموذج حكم الأمويين للشرق العربي المتمثل بحكم الهاشميين الأشراف

10 مشاهدة قراءة 16 دقيقة

الكاتبة: كريستين حنا نصر

نشأت الدولة الأموية واستمرت في الحكم خلال الفترة الممتدة من عام 41 إلى 132هـ، الموافق 661–750م، وقد اتسم حكمها بمظاهر متعددة من التعددية الدينية والعرقية والثقافية والإدارية، على الرغم من مركزية النظام السياسي وارتكازه على العصبية العربية. وقد ضمّت الدولة نسيجًا مجتمعيًا متنوعًا، تعاملت معه السلطة الأموية بقدر من البراغماتية السياسية، بهدف استيعاب التنوع الجغرافي والسكاني والعرقي والديني الذي امتدت رقعته من حدود الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا.

وفي هذا السياق، أود تسليط الضوء على مفهوم التعددية الدينية والمذهبية. فعلى الرغم من أن الإسلام كان الدين الرسمي للدولة الأموية، فإن المجتمع آنذاك تميز بتنوع ديني واسع، ضم المسلمين وأهل الذمة من اليهود والمسيحيين والزرادشتيين والصابئة. وقد أتاح الحكم الأموي لأهل الذمة، بدرجات متفاوتة، ممارسة شعائرهم الدينية وإدارة جانب من شؤونهم الداخلية والقضائية وفق شرائعهم وتقاليدهم الدينية.

اعتمد الخلفاء الأمويون، ولا سيما في عهد معاوية بن أبي سفيان، على كفاءات مسيحية في إدارة دواوين الدولة وتسيير شؤونها المالية والإدارية، مستفيدين من الخبرات المتراكمة لدى سكان بلاد الشام. ومن أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالإدارة المالية الأموية سرجون بن منصور، المنتمي إلى أسرة مسيحية سريانية، والذي تولى مسؤوليات مالية وإدارية في الدولة الأموية، وكان له دور بارز في إدارة شؤون الجباية والمال في بلاد الشام.

ويعكس هذا التوجه أهمية الكفاءات المسيحية في بناء الجهاز الإداري والمالي للدولة الأموية الناشئة، كما يبرز دور الخبرات المحلية في ترسيخ مؤسسات الحكم وتعزيز قدرتها على إدارة أقاليم الدولة الواسعة.

تميزت الدولة الأموية باتساع صلاحيات الولاة في عدد من الأقاليم الكبرى، مثل العراق وخراسان ومصر، بما أتاح لهم التعامل مع الظروف السياسية والاجتماعية والديمغرافية الخاصة بكل إقليم. وقد أسهم هذا النمط من الإدارة الإقليمية في تيسير إدارة الدولة الواسعة، وإن ظل الحكم قائمًا على سلطة مركزية للخلافة.

ومن الأمثلة على ذلك ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق، وما ارتبط بها من نفوذ في إدارة شؤون المشرق، إلى جانب تجربة عمرو بن العاص في إدارة مصر خلال المرحلة الإسلامية المبكرة.

ومن هنا، تتضح أهمية الدور الذي أدته الكفاءات المسيحية في إدارة الدولة الأموية، إذ أسهمت خبراتها في بناء الجهاز الإداري والمالي وتطويره، واعتمد الخلفاء على معارف أبناء بلاد الشام ومهاراتهم في تثبيت دعائم دولتهم وترسيخ مؤسساتها.

تُعد نشأة إمارة شرق الأردن، التي أسسها الملك المؤسس عبد الله الأول بن الحسين، رحمه الله، محطة مهمة في مسيرة بناء الدولة الأردنية الحديثة، وتجسيدًا لمشروع وطني وقومي ارتبط بالرسالة الهاشمية التي حمل رايتها الشريف الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى.

وقد واصل أحفاده ملوك بني هاشم مسيرة بناء الدولة وتطوير مؤسساتها، وصولًا إلى عهد الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، ثم عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين، حفظه الله ورعاه.

لقد تميز الحكم الهاشمي في الأردن، في رؤيته الوطنية، بالاعتدال والانفتاح واحترام التنوع الديني والثقافي والعرقي، والعمل على استقطاب الكفاءات والمثقفين من مختلف أنحاء العالم العربي. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال مرحلة تأسيس إمارة شرق الأردن، حين أسهم أفراد من خلفيات جغرافية وقومية ودينية متعددة في بناء الإمارة وتأسيس مؤسساتها.

واليوم، تواصل المملكة الأردنية الهاشمية، في ظل قيادة الملك عبد الله الثاني، نهجًا يقوم على الاعتدال واحترام الآخر، وصون التعددية، وتعزيز مشاركة مختلف مكونات المجتمع في بناء الدولة وتقدمها الحضاري.

ويشكل حضور المواطنين المسيحيين في مؤسسات الدولة الأردنية ومواقع المسؤولية العامة امتدادًا لهذا النهج. فقد تولى مسيحيون أردنيون مناصب وزارية وإدارية وأدوارًا في مؤسسات الدولة، كما يشارك أبناء المجتمع المسيحي في قطاعات متعددة، بما فيها المؤسسات الأمنية والعسكرية، إلى جانب إسهاماتهم في مختلف المجالات الوطنية.

وفي السياق الإداري، تتبنى المملكة نظام الإدارة المحلية واللامركزية بهدف تعزيز التنمية في المحافظات، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وتوسيع مشاركة المواطنين في تحديد أولويات مناطقهم. كما تُنظَّم مسائل الأحوال الشخصية، بما فيها الزواج والطلاق والميراث، وفق الأطر القانونية المعمول بها، مع مراعاة الأحكام الدينية المختصة بحسب الحالة.

إن مختلف مكونات المجتمع الأردني، بتنوعها الديني والثقافي والاجتماعي، تمثل ركائز أساسية في بناء الدولة ومؤسساتها. فالتعددية ليست عبئًا على الوطن، بل مصدر غنى وقوة، حين تُصان في إطار سيادة القانون والمواطنة والالتزام المتبادل بين أبناء الشعب الواحد، الملتفين حول الراية الهاشمية.

للأسف، شهد الشرق العربي، خلال العقود الأخيرة، تصاعدًا في مظاهر التطرف والعنف، ولا سيما مع التحولات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في العراق، وصعود تنظيم داعش الإرهابي، وما رافق ذلك من انتهاكات جسيمة بحق مكونات المجتمع العراقي، وفي مقدمتها المسيحيون في مدينة الموصل، الذين تعرضوا للتهجير والاضطهاد والاعتداء على ممتلكاتهم ومقدساتهم.

وامتدت آثار التطرف إلى سوريا، حيث تعرضت جماعات دينية واجتماعية متعددة، من المسيحيين والعلويين والدروز وغيرهم، لانتهاكات وأعمال عنف في سياقات مختلفة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بشأن مستقبل التعددية والتعايش في بلاد الشام.

وتدفعنا هذه الوقائع إلى التأمل في خطورة الخطابات المتطرفة التي تسعى إلى إقصاء الآخر، وتغذي الكراهية والانقسام بين أبناء المجتمع الواحد. كما تعيد إلى الأذهان أهمية التجربة الأردنية في التعايش والتآلف بين المسلمين والمسيحيين، ولا سيما في مدينة الكرك وقراها، التي عُرفت عبر سنوات طويلة بروابط اجتماعية متينة ومناسبات مشتركة وعلاقات جوار راسخة.

ففي قرى الكرك، مثل حمود ذات الحضور المسيحي البارز، والسماكية التي تضم عشائر مسيحية، ومنها عشيرتا هلسة وحجازين، عاشت العائلات المسيحية والمسلمة جنبًا إلى جنب، وتشاركت الأفراح والأحزان والتقاليد الاجتماعية. وقد شكلت هذه العلاقات نموذجًا للتآلف والوئام الوطني، وأكدت أن الاختلاف الديني لا يحول دون بناء علاقات إنسانية واجتماعية متينة.

غير أن تسلل الأفكار المتطرفة إلى بعض العقول، وتنامي خطابات الكراهية والتحريض، يهددان هذا النسيج الاجتماعي، ويعملان على زرع الشقاق بين أبناء الوطن الواحد. وتزداد خطورة هذه الخطابات عندما تتحول إلى اعتداءات تستهدف المدنيين بسبب انتمائهم الديني، أو تنتهك حرمة دور العبادة والمناسبات الدينية والإنسانية.

إن استهداف الكنائس أو المساجد لا يمثل اعتداءً على جماعة بعينها فحسب، بل هو اعتداء على قيم المجتمع بأسره، وعلى حق الإنسان في ممارسة شعائره الدينية بأمان وكرامة. وقد شهد العراق وسوريا اعتداءات طالت دور عبادة إسلامية ومسيحية، في مشهد يكشف الطبيعة الإقصائية للتطرف الذي لا يحترم حرمة المقدسات ولا يعترف بحق الاختلاف.

إن ما يحدث في منطقتنا مؤلم، ويستدعي استحضار القيم التي أسهمت في بناء مجتمعاتنا، وفي مقدمتها العدل والاعتدال والرحمة واحترام التعددية. وهي قيم ارتبطت، في الذاكرة التاريخية، بتجارب حكم سعت إلى إدارة التنوع، كما أنها تمثل اليوم أساسًا ضروريًا لحماية المجتمعات العربية من الانقسام والتفكك.

كنت في قرية حمود بمدينة الكرك خلال مراسم دفن الشهداء، وقد تأثرت كثيرًا بالمأساة التي وقعت وبما خلفته من ألم في نفوس ذوي الضحايا وأبناء المجتمع المحلي. غير أن ما ترك في نفسي أثرًا عميقًا أيضًا كان مشهد التضامن الإنساني والوطني، وما أبدته القيادة الهاشمية من مواساة وتعاطف مع العائلات المنكوبة.

لقد عكست مواقف جلالة الملك عبد الله الثاني،صورة القائد الذي يقف إلى جانب شعبه في المحن، ويعبّر عن قيم الرحمة والتضامن والمسؤولية الوطنية. كما جسدت مواقف جلالة الملكة رانيا العبد الله، وأفراد العائلة الهاشمية، معاني التعاطف الإنساني والوقوف إلى جانب أسر الضحايا في مصابهم.

وكان لحضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وسمو الأميرة رجوة الحسين، وسمو الأميرة إيمان، وما أبدوه من مواساة ودعم معنوي للعائلات المفجوعة، أثر في تأكيد وحدة المجتمع الأردني وتماسكه في مواجهة الإرهاب.

كما برزت مشاهد التضامن بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين، بما حملته من رسالة واضحة مفادها أن الألم واحد، وأن المصاب الذي يصيب جماعة دينية يمس المجتمع بأكمله. فقد أكدت هذه المواقف أن الروابط الوطنية والإنسانية أعمق من محاولات المتطرفين زرع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

وكان حضور المواطنين الأردنيين المسلمين إلى جانب إخوتهم المسيحيين في أحزانهم تعبيرًا صادقًا عن التلاحم الوطني، ورسالة مفادها أن المسيحيين مكون أصيل وأساسي من مكونات المجتمع الأردني، وأن حماية حقهم في الأمن والعبادة والكرامة مسؤولية وطنية مشتركة.

وتجسد هذه المواقف جوهر الرسالة الهاشمية القائمة على صون وحدة المجتمع، واحترام التنوع الديني، ورفض الإرهاب والتطرف بكل أشكالهما. كما تؤكد أن المواجهة الحقيقية للتطرف لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تتطلب أيضًا ترسيخ ثقافة المواطنة والتسامح، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز الثقة المتبادلة بين أبناء المجتمع.

وفي هذا الإطار، فإن التصدي للإرهاب وملاحقة المتورطين في الاعتداءات يمثلان ضرورة لحماية المواطنين وصون أمن الدولة، على أن يظل ذلك في إطار القانون، وبما يضمن العدالة ويحمي المجتمع من دوامة العنف والانتقام.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستتمكن الرايات السوداء، بما تحمله من تطرف وإقصاء، من إطفاء نور المحبة والسلام في الشرق العربي؟ وهل ستنجح الأفكار المتشددة في تقويض قيم الاعتدال والتعايش التي شكلت جزءًا من تاريخ مجتمعاتنا؟

أم ستبقى عقولنا منفتحة على الآخر، قادرة على تقبل الاختلاف واحترام التنوع، ومتمسكة بالقيم الإنسانية التي تجمع ولا تفرق؟

إن استحضار التجارب التاريخية، ومنها تجربة الدولة الأموية في إدارة مجتمع متنوع، إلى جانب التجربة الهاشمية في بناء الدولة الأردنية الحديثة، لا يعني تجاهل الاختلافات بين المراحل التاريخية أو إغفال ما شهدته من صراعات، بل يهدف إلى التأكيد على أهمية إدارة التنوع، والاستفادة من الخبرات التاريخية في بناء مجتمعات أكثر عدلًا واستقرارًا.

لقد أثبتت التجربة الأردنية أن التعددية الدينية والثقافية يمكن أن تكون مصدر قوة وتماسك، عندما تقوم على المواطنة وسيادة القانون والاحترام المتبادل، وعندما يشعر كل فرد بأن له مكانًا ودورًا في بناء وطنه، بصرف النظر عن دينه أو أصله أو خلفيته الاجتماعية.

إن حماية هذا النموذج مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمجتمع والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، من خلال مواجهة التطرف، ونشر ثقافة الحوار، وترسيخ قيم التسامح، وصون حرية العبادة، ورفض كل أشكال التمييز والتحريض.

فهل نسمح للظلام والتطرف بأن يسيطرا على مستقبل الشرق العربي، أم نختار طريق المحبة والسلام والاعتدال، ونحافظ على إرث التعددية والتعايش، ونبقى متمسكين بالنور الذي يجمعنا؟