لندن-طهران-واثق نيوز-سخرت إيران شبكة عسكرية ومالية تضم 5000 كيان لجلب مكونات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة ضرورية لبرامجها للطائرات المسيرة والصواريخ، وحتى خلال الحرب، وصلت الشحنات إلى إيران برا وبحرا وجوا.
خلص تحقيق أجرته "رويترز" إلى أن إيران أنشأت شبكة من الكيانات العسكرية السرية ذات امتداد عالمي لاستيراد معدات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة بما لا يقل عن ملياري دولار منذ يناير كانون الثاني 2025، متجاوزة الحصار البحري الأمريكي والعقوبات الغربية.
وتحمل تلك الكيانات التي تعمل في الخفاء أسماء تبدأ بحروف (ودجا) وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية.
ويشكل ما يربو على 5000 كيان منظومة مالية وعسكرية ضخمة. ويمكن تتبع معاملاتها المالية في بوالص الشحن وغيرها من بيانات الاستيراد التي تعود لعام 2016. ويرتبط بعضها بالحرس الثوري الإيراني وبمجموعات تجارية تعرف باسم “البُنياد” وتخضع لسيطرة النخبة الإيرانية.
وتكشف نتائج التحقيق أحد أكبر ألغاز الحرب: كيف يعزز الحرس الثوري ترساناته من الصواريخ والطائرات المسيرة بينما يطلقها بالآلاف؟
وفي الأشهر الثمانية عشر من يناير كانون الثاني 2025 إلى يونيو حزيران 2026، وهي فترة تشمل الأشهر الأربعة الأولى من حرب هذا العام، استوردت جهة واحدة فقط من هذه الكيانات، وهي ودجا 346428، كميات ضخمة من وقود الصواريخ والمتفجرات ومكونات الأسلحة الضرورية لتصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ، فضلا عن شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها كمنصات لإطلاق الصواريخ. ووصلت هذه المعدات إلى إيران برا وبحرا وجوا، وأظهرت سجلات أن جزءا كبيرا منها جاء من الصين وروسيا وألمانيا.
يستند هذا التحقيق حول شبكة وزارة الدفاع الإيرانية إلى آلاف السجلات المصرفية والحكومية الإيرانية ووثائق تسجيل الشركات وبيانات الاستيراد.
وتتخذ جميع الكيانات السرية عنوانا واحدا في طهران هو نفسه عنوان وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية، وتدرج هذه الوكالات تاريخ تأسيسها في 11 فبراير شباط 1979، وهو اليوم الذي تولى فيه آية الله الخميني السلطة في إيران بعد الإطاحة بنظام الشاه. لكن السجلات تظهر أن معظم هذه الكيانات تأسست فعليا في عام 2013، بينما كانت إيران ترزح تحت وطأة العقوبات التي أدت إلى تراجع صادراتها من النفط الخام وانهيار عملتها.
تشكل هذه الكيانات، التي حددتها رويترز للمرة الأولى بالتعاون مع شركة (240 أناليتكس) الإسرائيلية الأمريكية لاستشارات المخاطر، العمود الفقري لمنظومة إيران للمشتريات العسكرية والتحايل على العقوبات. وتدير هذه الكيانات شبكة من أشخاص يعملون كواجهات وشركات صورية أجنبية، يُعرفون باسم “الأمناء”، ويستخدمون عائدات مبيعات النفط غير المشروعة لشراء سلع لصالح الجمهورية الإسلامية.
ويستخدم الشبكة قادة عسكريون كبار منخرطون في برامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. كما تظهر أرقام هواتف مسجلة باسم 91 من هذه الكيانات في سجلات بنك سبه الحكومي الخاصة بأفراد من الحرس الثوري لديهم حسابات في البنك. ومن بين هؤلاء قائدان على الأقل اتهمتهما الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات بحق محتجين مدنيين.
وفي حين يخضع الجيش الإيراني منذ عقود لعقوبات أمريكية متعددة، لم تجد رويترز أي دليل على أن أيا من الكيانات المذكورة في الوثائق قد تم ادراجها على قوائم العقوبات الغربية.
وقال مياد مالكي، المسؤول الكبير السابق في وزارة الخزانة الأمريكية الذي ساعد في وضع برنامج العقوبات الأمريكية على إيران “ما نراه هنا هو شريان الحياة العسكري للنظام خلال هذا الصراع ولسنوات عديدة قبله. هذه هي المنظومة المتكاملة بأكملها للأعمال التجارية للجيش الإيراني”.
ووفرت شبكة استيراد الأسلحة كثيرا من المواد الخام التي تحتاجها طهران لصنع الصواريخ والطائرات المسيرة. وهذه الأسلحة مسؤولة عن هجمات إيران الدقيقة المتواصلة على منشآت للطاقة في الخليج، مما أتاح للجمهورية الإسلامية الحد من تأثير الهجوم العسكري الأمريكي. وفي تقارير أخرى هذا العام، أظهرت رويترز كيف صمدت إيران أمام الضغوط الأمريكية من خلال استغلال منصات تداول العملات المشفرة وشبكات المقامرة غير القانونية للحصول على إيرادات غير مشروعة والتحايل على العقوبات، وكيف عزز الحرس الثوري الإيراني سيطرته على مضيق هرمز، وكيف دشنت الحرب حقبة جديدة من القمع في إيران.
وكان مالكي واحدا من أربعة خبراء في العقوبات على إيران والأسلحة اطلعوا على نتائج تحقيق رويترز وأكدوا أن كثيرا من هذه المواد يمكن استخدامها في برامج إيران للصواريخ والطائرات المسيرة.
ولم ترد أي من الجهات الحكومية أو الشركات الإيرانية التي تواصلت معها رويترز على طلبات مفصلة للتعليق، بما في ذلك بعثة طهران لدى الأمم المتحدة في جنيف والرئاسة الإيرانية.
وفي إطار تتبعها للواردات، راجعت رويترز جزءا من نحو 19 ألف سجل استيراد بمقارنتها بوثائق الشحن، ومقاطع مصورة من وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير وسائل الإعلام الرسمية. وتظهر البيانات أن جميع المواد التي استوردتها إيران تقريبا كانت معفاة من الرسوم الجمركية ومصنفة على وجه التحديد على أنها معدات عسكرية. وأشار الخبراء إلى أن كثيرا من الواردات، حتى المتفجرات، يمكن اعتبارها مزدوجة الاستخدام، ومن ثم يمكن أن تكون لها أيضا استخدامات مدنية.
ونشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريرا عن بعض الشحنات القادمة من الصين في 23 سبتمبر أيلول.
وقال مالكي، الذي كان حتى العام الماضي المدير المساعد لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية، إن الكيانات العسكرية السرية تشكل نظاما للتجارة الخارجية موازيا للاقتصاد العالمي الرسمي، يتيح لإيران إنفاق الأموال التي تجنيها في الخارج من مبيعات النفط غير مشروعة على المعدات العسكرية.
ونادرا ما تعبر الأموال الحدود، إذ قد يؤدي ذلك إلى إطلاق إنذار بشأن انتهاك العقوبات. وبدلا من ذلك، أظهرت بيانات الاستيراد أن معاملات 97 بالمئة من الشحنات التي راجعتها رويترز جرت تسويتها “من دون تحويل أموال”. وكان وسطاء موثوق بهم من الإيرانيين المقيمين في الخارج يشترون السلع باستخدام أموال مودعة في بنوك أجنبية ثم يشحنونها إلى إيران.
ومن بين الجهات التي تحصل على احتياجاتها عبر هذه الشبكة الوحدة العسكرية المشرفة على برامج إيران للصواريخ الباليستية. ومن بينها أيضا شركة تندر صحرا (رعد الصحراء)، التي فرضت عليها واشنطن عقوبات في عام 2024 لتصنيع وتوريد طائرات مسيرة إلى روسيا أحدثت دمارا في أوكرانيا.
وتوصلت رويترز وشركة 240 أناليتكس إلى الوحدات العسكرية الإيرانية من خلال مطابقة بيانات الاستيراد مع سجلات الشركات ورسائل بريد إلكتروني ووثائق جمعها موقع (ويكي إيران).
ولم تتمكن رويترز من تحديد هوية القائمين على ويكي إيران، وهو موقع إلكتروني يستقبل وثائق مسربة من الجمهورية الإسلامية ويقول إن إيرانيين معارضين للحكومة “أُجبروا على العيش في المنفى” هم من يديرونه.
ووفقا لقواعد بيانات الواردات خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، فقد شملت الشحنات صواعق تفجير بقيمة 1.9 مليون دولار وأطنانا من المتفجرات وأجزاء لمحركات طائرات ومكونات لوقود الصواريخ ومركبات إطلاق ثقيلة. وقال خبراء في الأسلحة والعقوبات إن جميع هذه المواد يمكن استخدامها كمكونات رئيسية لصنع وإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بما في ذلك طائرات شاهد.
وقال بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد غير المتفرغ في جامعة كولومبيا الذي أمضى السنوات القليلة الماضية في دراسة عمليات نقل الأسلحة الإيرانية وسلاسل توريدها “يبدو أن هذا جهد واسع النطاق لإعادة بناء أو توسيع ترسانة إيران الحالية” من الطائرات المسيرة والصواريخ. وأضاف “تُظهر هذه البيانات بوضوح قدرة المنظومة الإيرانية على التكيف وإيجاد مسارات جديدة”.
وقال سالزبري وأحد خبراء الأسلحة إنهما استخدما بيانات ويكي إيران في السابق ووجدا أنها دقيقة.
واستهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات إيران المتعلقة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة منذ بداية حرب هذا العام في 28 فبراير شباط، بما في ذلك مصانع قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إنها كانت تنتج ذخائر. ولم تتمكن رويترز من تحديد حجم الأضرار، لكن طهران واصلت استهداف جيرانها والسفن التي تحاول عبور مضيق هرمز.
ودخلت الورادات إلى إيران على متن سفن شحن عبر بحر قزوين من روسيا، وبالشاحنات من آسيا الوسطى، وعلى متن طائرات شحن من الصين، وفقا لبيانات الاستيراد ووثائق حصلت عليها رويترز.
وردا على أسئلة مفصلة بشأن ما توصلت إليه رويترز، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها “ليست على علم بالوضع الذي تصفونه”.
وقالت الوزارة في بيان أرسلته بالفاكس “نرفض بشدة محاولات الربط بسوء نية بين الأعمال القتالية في المنطقة وبين الصين أو تشويه سمعة الصين”.
ولم ترد وزارة الدفاع الروسية ووزارة الخزانة الأمريكية والبيت الأبيض والقيادة المركزية الأمريكية على طلبات للتعقيب.
وعلاوة على المكونات المنفردة، تشتري إيران آلات دقيقة يمكن استخدامها لتصنيع معداتها العسكرية بنفسها. وتشمل المشتريات على مواد مصنفة على أنها مخارط متطورة تعمل بالتحكم الحاسوبي، وأفران تعمل بحزم الإلكترونات ومسرعات جسيمات، وفقا لبيانات الاستيراد التي تغطي الفترة حتى يونيو حزيران. ولكل هذه المعدات استخدامات صناعية ويمكن استخدامها أيضا في تصنيع معدات عسكرية، بما في ذلك هياكل الطائرات المسيرة والصواريخ.
وفي 12 أكتوبر تشرين الأول، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه لا يعتقد أن الصين وروسيا تقدمان دعما لطهران. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي “إذا كانتا تفعلان ذلك، فهو على مستوى محدود جدا، لكنني لا أعتقد أنهما تفعلان ذلك على الإطلاق”. وأضاف “لديهما الكثير لتخسراه، وسنعلم بذلك، وسنعلم به سريعا جدا!”
وتظهر البيانات أنه منذ اندلاع الحرب، سُجلت واردات للجيش الإيراني بقيمة 27 مليون دولار على أنها قادمة من الإمارات، ووصلت كلها تقريبا عن طريق البحر.
واستهدفت إيران منشآت للبنية التحتية في الإمارات حتى مايو أيار، ولا تزال تقصف ناقلات النفط الخام التابعة لها بطائرات مسيرة وصواريخ.
وكانت أحدث شحنة من الإمارات، والمُدرجة على أنها إلكترونيات، قد وصلت بحرا في 27 يونيو حزيران، بعد تسعة أيام من إعلان الولايات المتحدة تعليق حصارها البحري. واستؤنف الحصار في منتصف يوليو تموز ولا يزال ساريا.
ولم ترد حكومة الإمارات على طلب للتعليق بشأن الشحنات.
وبالإضافة إلى مالكي، ضمت قائمة خبراء الأسلحة ولف كريستيان بايس وهنري تومسون، وهما متخصصان في إمدادات الأسلحة الإيرانية، وداميان سبليترز، مؤسس هيمدال، وهي منظمة متخصصة تركز على سلاسل الإمداد غير المشروعة ومشتريات الأسلحة.
* الشبكة
قال نوام بينستوك، كبير المحللين في 240 أناليتكس، التي تجمع وتحلل بيانات مخاطر الإرهاب وتمويله لصالح عملاء من الشركات والحكومات “هذه الكيانات التي تحمل أرقاما هي بمثابة البنية التحتية الخفية لشبكة الجمهورية الإسلامية للالتفاف على العقوبات الدولية، وما هو أكثر من ذلك بكثير”. وأردف قائلا “حجم الأموال التي تمر عبر هذه الجهات مذهل، ولم يسبق لأحد أن انتبه إليها”.
وأضاف بينستوك، وهو خبير اقتصادي يبلغ من العمر 35 عاما، إنه اكتشف الكيانات في يونيو حزيران 2025 أثناء تحميل آلاف الصفحات من وثائق بنك سبه المتاحة مجانا على موقع ويكي إيران، على منصة 240 أناليتكس الإلكترونية. وبنك سبه هو المصرف الإيراني الذي يتولى مدفوعات الرواتب والمعاشات لأفراد الحرس الثوري.
وأعلنت جماعة تُدعى (كود بريكرز) مسؤوليتها عن اختراق بنك سبه، ثم أعلنت لاحقا عن تنفيذ عمليات أخرى للاستيلاء على بيانات حكومية إيرانية.
ولم يرد بنك سبه على طلب للتعليق بشأن الاختراق.
وقال موقع ويكي إيران في رد عبر البريد الإلكتروني على أسئلة من رويترز بشأن البيانات “يمكننا أن نؤكد أن المواد أصلية وأن مصدرها جرى التحقق منه من خلال مصادرنا واتصالاتنا داخل إيران وخارجها”.
تأسست شركة 240 أناليتكس لتقديم خدمات للشركات والحكومات للتحقق من الشركاء والعملاء المحتملين. وقال بينستوك إنه اعتقد أن الوثائق ستساعد في كشف العمليات المالية لإيران. لكنه سرعان ما أدرك أن آلافا من تلك الحسابات تعود لجهات تتبع نمط التسمية ذاته. وكانت جميع أسمائها تبدأ بالحروف ودجا، يليها رقم مكون من خمسة أو ستة أرقام يُكتب بالحروف وليس الأرقام. كما كانت جميعها مسجلة في التاريخ نفسه وعلى العنوان نفسه.
وأظهرت السجلات المصرفية التي اطلعت عليها رويترز أسماء أصحاب الحسابات، وأرقاما تعريفية مختلفة، وأرصدة مالية.
وقال بينستوك إنه عندما رأى للمرة الأولى حجم أرصدة الحسابات في بنك سبه، اعتقد أنه أخطأ في موضع العلامة العشرية. ووجد أن 36 من هذه الكيانات لديها حسابات بالنقد الأجنبي بلغت ودائعها 1.2 مليار دولار في نهاية عام 2024.
وكانت بقية الشبكة تمتلك نحو 1.8 مليار دولار بالعملة المحلية، بمتوسط نحو 360 ألف دولار لكل حساب.
وفي ذلك الوقت، بينما كان يوازن بين إعداد أطروحة الدكتوراه وعمله في 240 أناليتكس ورعاية مولوده جديد، جمد بينستوك المشروع. وعاد إليه في أغسطس آب الماضي، وبحث في وثائق أحدث، ووجد أن الجهات نفسها تتلقى أموالا من مبيعات النفط المهرب وتشتري كميات كبيرة من المعدات ذات الاستخدام المزدوج.
وذكر بينستوك “كان ذلك الاختراق الكبير الذي جعلني أبدأ في إدراك الحجم الفعلي لما نتحدث عنه، والعثور على أمثلة فعلية لواردات… عندها أدركت أننا توصلنا إلى شيء كبير حقا”.
وكان من الممكن أيضا التعرف على كل جهة تابعة لوزارة الدفاع من خلال رقم تعريف حكومي فريد مكون من 11 رقما، كما كانت هذه الجهات مدرجة في السجل التجاري الإيراني، وهو قاعدة بيانات رسمية تضم آلاف الشركات. وأدرك بينستوك أن رقم التعريف المكون من 11 رقما أو رقم وزارة الدفاع نفسه كان يظهر مرارا في بوالص الشحن والفواتير والحسابات المصرفية، مما أتاح تتبع الشبكة حتى عندما كانت الجهة تعمل من خلال شركة واجهة.
وعندها تواصلت 240 أناليتكس مع رويترز للمساعدة في رسم خريطة لشبكة الكيانات. وباستخدام الأرقام التعريفية المكونة من 11 رقما التي قدمها بينستوك، راجعت رويترز وثائق شحن سرية وبيانات حديثة عن الواردات، واستعانت بسجل الشركات الإيراني للكشف عن نطاق الشبكة وكيف مكّنت إيران من تجديد مخزوناتها خلال الحرب.
وبرزت جهة واحدة تعود مشترياتها إلى عام 2016، وهي التي تحمل الرقم التعريفي ودجا 346428.
وزادت مشتريات ودجا 346428 من الخارج باطراد على مر السنين، من 442 مليون دولار في الاثني عشر شهرا المنتهية في مارس آذار 2023 إلى 989 مليون دولار في العام التالي، وفقا لإحصاءات جمركية نشرتها وسائل إعلام إيرانية. ووضع ذلك هذه الجهة ضمن أكبر عشرة مستوردين في إيران.
ووجدت رويترز أن ودجا 346428 استوردت عتادا عسكريا بقيمة 2.3 مليار دولار في الفترة من يناير كانون الثاني 2025 حتى يونيو حزيران 2026، وفقا لسجلات قدمتها إمبورت جينيوس، وهي منصة تجمع بيانات الاستيراد والتصدير.
وتظهر بيانات الاستيراد أن ودجا 346428 استوردت، في الفترة بين يناير كانون الثاني وأبريل نيسان 2025، 886 طنا من المواد الكيميائية عبر مجمع ميناء بندر عباس الإيراني. وأشارت البيانات إلى أن منشأ هذه المواد هو الصين، وأنها تندرج تحت بند جمركي يشمل كلورات الصوديوم وأنواعا أخرى من البيركلورات، وهي مواد أولية رئيسية تدخل في إنتاج وقود الصواريخ الصلب. وبعد ثلاثة أيام من وصول الشحنة الأخيرة، هز انفجار هائل الميناء.
وقال شخصان على دراية بانفجار 26 أبريل نيسان إنه نجم عن اشتعال مادة بيركلورات الصوديوم أثناء وجودها داخل حاويات شحن على رصيف الميناء. وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن شركة سينا لتطوير خدمات الموانئ والخدمات البحرية كانت تخزن المواد الكيميائية. والشركة مملوكة لبُنياد مستضعفان (مؤسسة المستضعفين)، وهي مؤسسة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات ويخضع نشاطها لسيطرة مباشرة من الزعيم الأعلى الإيراني.
وقتل الانفجار ما لا يقل عن 70 شخصا وأصاب أكثر من 1200. وقال الرئيس التنفيذي لشركة سينا آنذاك إن الانفجار نجم عن “معلومات غير صحيحة” بشأن محتويات شحنة سُلّمت “دون وثائق أو بطاقات تعريف”. ولم تتمكن رويترز من تحديد ما إذا كانت المواد الكيميائية الواردة في الشحنة التي تزن 75 طنا هي التي تسببت في الانفجار.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مؤسسة مستضعفان في عام 2020. ورغم أنها تُقدم نفسها باعتبارها مؤسسة خيرية لخدمة الفقراء، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها تُستخدم من جانب الزعيم الأعلى لإثراء مكتبه ومكافأة حلفائه.
ويتولى حسين دهقان إدارة المؤسسة، وكان قد عُين وزيرا للدفاع في عام 2013، عندما بدأ نشاط معظم هذه الكيانات. وشغل دهقان هذا المنصب لمدة أربع سنوات. وقبل ذلك، كان قائدا لقوات الحرس الثوري الإيراني في لبنان خلال التفجير الدامي الذي استهدف قوات حفظ السلام الدولية في بيروت عام 1983، والذي أسفر عن مقتل 241 جنديا أمريكيا و58 مظليا فرنسيا ومدنيين لبنانيين، وفقا لبيان وزارة الخزانة الأمريكية بشأن العقوبات المفروضة عليه. وحملت الولايات المتحدة إيران مسؤولية الهجوم.
ولم يرد دهقان على طلب للتعليق بشأن الانفجار أو الكيانات التابعة لوزارة الدفاع أو منصبه، أُرسل إليه عبر المؤسسة وممثلها القانوني.
وإلى جانب المكونات التي يمكن استخدامها في تصنيع وقود الصواريخ، تظهر البيانات أيضا أن إيران تستورد شاحنات ثقيلة، يستخدمها الجيش كمنصات إطلاق متنقلة مموهة للصواريخ والطائرات المسيرة.
وتبين لبينستوك في وقت مبكر مثال على تلك الواردات. ففي خريف عام 2022، اشترى تاجر سيارات إيراني يعيش في إيطاليا ست شاحنات من طراز إيفيكو يوروكارجو مقابل 426 ألف يورو، وفقا لسجلات من موقع ويكي إيران. وشحن الشاحنات إلى شركة أخرى تُدعى ديلمي تريدنج في دبي، والتي تولت بدورها إيصالها إلى ميناء بندر عباس.
وكان الرقم التعريفي المكون من 11 رقما للمشتري النهائي يعود إلى ودجا 346428. ووفقا لقائمة الشحن، جرى في نهاية المطاف تسليم الشاحنات إلى صحرا تندر، التي تؤدي دورا رئيسيا في تصنيع وبيع طائرات شاهد الإيرانية المسيرة. ولم ترد ديلمي على طلب للتعقيب على الصفقة.
وفي الفترة بين يناير كانون الثاني 2025 ويونيو حزيران 2026، استوردت ودجا 346428 عددا إضافيا من شاحنات إيفيكو بلغ 435 شاحنة. وباستخدام صور الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي، تتبعت رويترز بعض هذه الشاحنات إلى ساحة تابعة للجمارك على مشارف طهران في فبراير شباط 2025، واستخدمت بيانات الاستيراد لمطابقة أرقام تعريف ثلاث من المركبات، وهي رموز فريدة تحدد الشركة المصنعة للمركبة ومنشأها.
وظهرت شاحنة أخرى من إيفيكو خلال الحرب، عندما نشرت القيادة المركزية الأمريكية مقطعا مصورا على وسائل التواصل الاجتماعي في مارس آذار، قالت إنه يظهر ضربة استهدفت منصة إطلاق صواريخ إيرانية متنقلة كانت مموهة. ولم تتمكن رويترز من تحديد ما إذا كانت الشاحنة من بين تلك التي استوردتها ودجا 346428. لكن محللين في شركة جينز البريطانية المتخصصة في معلومات الدفاع المستقاة من المصادر المفتوحة قالوا إن الشاحنة التي يظهر المقطع تدميرها من طراز إيفيكو من نوع تستورده إيران.
وقالت إيفيكو ردا على نتائج رويترز “يتعين على الموزعين المعتمدين ضمان عدم استخدام منتجاتنا، بعد بيعها، لأغراض عسكرية أو كيميائية أو بيولوجية أو نووية”. وقالت الشركة إن لديها ضمانات تعاقدية تكفل عدم وصول منتجاتها إلى “وجهات أو كيانات أو أفراد محظورين”.
وقالت إيفيكو، ومقرها إيطاليا، إنها لا تملك أي سيطرة على “المنتجات التي تنقلها أو تصدرها أطراف ثالثة لا تربطنا بها علاقة تعاقدية مباشرة”.
وأضافت الشركة “تأكدنا من أن أي وجود لشاحنات إيفيكو في إيران حدث خارج نطاق سيطرة ومسؤولية مجموعة إيفيكو”. وقالت الشركة إنه ليس لديها أي سجل لعملية البيع التي تمت للتاجر الإيراني المتواجد في إيطاليا عام 2022، وإن معظم شاحنات إيفيكو التي رصدتها رويترز في ساحة الجمارك عام 2025 كانت متجهة إلى آسيا الوسطى.
وباستخدام ودجا 346428، استوردت إيران أيضا آلاف الشاحنات من طرازي تويوتا هايلوكس ولاند كروزر، التي يعدلها الحرس الثوري الإيراني وجماعات مسلحة موالية له لتثبيت رشاشات ثقيلة على صناديقها الخلفية.
وتظهر لقطات مصورة من احتجاجات شهدتها إيران في وقت سابق من هذا العام قوات أمن ترافقها مركبات مزودة بمدافع رشاشة ضمن رتل من سيارات تويوتا لاند كروزر يجوب شوارع مدينة تنكابن في شمال البلاد.
وفي يناير كانون الثاني 2025، استوردت ودجا 346428 أربع سيارات تويوتا تندرا، وهي مركبة يستخدمها الحرس الثوري الإيراني لنقل الطائرات المسيرة.
وقال متحدث باسم تويوتا إن الشركة لا تمارس أي أعمال في إيران. وأضاف “لم تشارك تويوتا في المشتريات التي أوردتها رويترز وليست لديها أي معرفة بها”.
وقالت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية إنها لا تستطيع التعليق على تفاصيل تحقيق رويترز، لكنها أضافت أنها تفرض ضوابط صارمة على السلع المرتبطة بالأمن القومي.
وتابعت “ننفذ أيضا أنشطة توعية وتواصل لتعريف الشركات بهذه اللوائح الخاصة بالرقابة على الصادرات”.
وفي التاسع من فبراير شباط 2026، وصلت سفينة إلى بندر عباس تحمل 93 طنا من التيتانيوم الصيني الخام، وهو معدن شديد الصلابة قال خبراء في الأسلحة والعقوبات إنه يمكن استخدامه في تصنيع هياكل الصواريخ وأغلفة محركاتها.
وفي المجمل، وعلى مدار الشهر السابق لاندلاع الحرب في 28 فبراير شباط، نقلت سفن أيضا ما مجموعه 268 طنا من النيتروسليلوز و276 طنا من مواد كيميائية أخرى من الصين مدرجة تحت البند الجمركي الذي يشمل البيركلورات، وهي مكونات تدخل في تصنيع وقود الصواريخ والمتفجرات.
وحتى مع احتدام الحرب وفرض حصار على السفن الإيرانية، واصل الجيش الإيراني جلب مواد من الخارج. ووفقا للبيانات، هبطت أحجام الواردات الشهرية في البداية 47 بالمئة إلى 54 مليون دولار في مارس آذار مقارنة بالشهر السابق، لكنها ارتفعت بحلول مايو أيار إلى 77 مليون دولار.
وفي يونيو حزيران 2026، وصلت شحنة روسية من الصواعق بقيمة 1.9 مليون دولار، وهي أدوات يمكن استخدامها لتفجير مواد شديدة الانفجار مثل تلك الموجودة في الرؤوس الحربية للطائرات المسيرة والصواريخ، وكانت الأخيرة من بين خمس شحنات روسية مماثلة بقيمة إجمالية 7.6 مليون دولار منذ بداية عام 2025.
ولم تأت الواردات من روسيا والصين فحسب. فقد قامت شركات في الاتحاد الأوروبي، الذي فرض عقوبات على وزارة الدفاع الإيرانية، بشحن بضائع أيضا إلى الجيش الإيراني.
وأظهرت بيانات الاستيراد أن شاحنات ومكونات لمحركات طائرات وإلكترونيات بمئات الملايين من الدولارات، من بينها شاحنات إيفيكو بقيمة 34 مليون دولار، جاءت جميعها من ألمانيا وأماكن أخرى في الاتحاد الأوروبي. وأدرجت المستندات الخاصة بها جميعا تحت اسم ودجا 346428.
ولم تتضمن جميع بيانات الاستيراد أوصافا تفصيلية للشحنات. وفي حالات كثيرة، اعتمدت رويترز على الرموز الجمركية لتحديد محتوياتها ومناشئها المعلنة دون أن تتمكن من التحقق منها بشكل مستقل.
وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن الدول الأعضاء مسؤولة عن إنفاذ عقوبات التكتل، التي تشمل صحرا تندر وغيرها.
وأضاف المتحدث “يواصل الاتحاد الأوروبي تقييم المعلومات المتعلقة بتعزيز إيران لبرنامجيها للطائرات المسيرة والصواريخ بعناية فائقة”.
ولم ترد حكومتا ألمانيا وإيطاليا على طلبات للتعليق.
* المسيرة الوردية
يخضع جزء كبير من الاقتصاد الإيراني لسيطرة مؤسسات شبه حكومية تُعرف باسم (البُنياد) بالفارسية، والتي يديرها أفراد من النخبة في البلاد. وتأسس الكثير منها بعد الثورة الإسلامية عام 1979 باستخدام أصول صودرت من أسرة الشاه المخلوع ومن أشخاص آخرين اعتُبروا أعداء للدولة الجديدة.
ووفقا لتحقيق أجرته رويترز عام 2013 ووثائق متعددة بشأن العقوبات صادرة عن الحكومة الأمريكية، تستخدم النخبة الإيرانية مؤسسات البُنياد للحفاظ على قبضتها على السلطة، من خلال ربط المسؤولين الموالين لها بشبكة واسعة من المحسوبية. وتقول الولايات المتحدة وأوروبا في عقوبات فرضتها على مدى سنوات إن مؤسسات البُنياد، مثلها مثل الحرس الثوري الإيراني، تؤدي دورا محوريا في القمع العنيف للإيرانيين منذ سنوات.
وتوضح إحدى هذه المؤسسات، وهي مؤسسة الحفاظ على الآثار ونشر قيم الدفاع المقدس، مدى تغلغل شبكة وزارة الدفاع في الاقتصاد الإيراني وفي جهاز القمع في البلاد. ولا تشمل المعاملات الواردات فحسب، بل تشمل أيضا تحويلات نقدية داخلية، وفقا لما اطلعت عليه رويترز في وثائق تعود إلى سنوات وتربط المؤسسة بكيانين منفصلين على الأقل تابعين لوزارة الدفاع.
وتتولى المؤسسة مهمة الترويج “لثقافة المقاومة والتضحية والجهاد والشهادة”، وهي ذراع دعائية رئيسية للحكومة ومسؤولة عن الحفاظ على شرعية الجمهورية الإسلامية وأيديولوجيتها.
وفي عام 2017، تسلمت المؤسسة أربع شحنات من الأجهزة الإلكترونية ووحدات التبريد، وفقا لبيانات ويكي إيران. ومرة أخرى، تطابق رقم التعريف المسجل على الشحنات مع الكيان ودجا 346428.
ولا يُعرف كيف استخدمت المؤسسة هذه المواد، لكن قيادتها تضم قادة كبارا في الحرس الثوري الإيراني في كل من أقاليم إيران البالغ عددها 31 إقليما. وفي خوزستان، يشمل ذلك البريجادير جنرال حسن شاهوار بور، القائد منذ فترة طويلة لقوات النخبة التابعة للحرس الثوري في المنطقة المضطربة.
ولم يرد شاهوار بور على طلب مفصل للتعليق.
ووفقا لوثيقة عقوبات أمريكية، قتلت وحدات خاضعة لقيادة شاهوار بور ما لا يقل عن 100 مدني إيراني في ماهشهر عام 2019 خلال احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود. وقالت الولايات المتحدة إن هذه الوحدات حاصرت أشخاصا كانوا يحاولون الفرار باستخدام مركبات مدرعة وأطلقت نيران الرشاشات على الحشود.
وذكر ناشط حقوقي محلي، قال إنه شهد عمليات القتل، أن قوات شاهوار بور أضرمت بعد ذلك النار في حقول قصب السكر التي كان يختبئ فيها بعض المحتجين الفارين. وأيد روايته ناشط ثان كان موجودا في ذلك اليوم.
وبعد أن فرضت واشنطن عقوبات على شاهوار بور في عام 2020 بسبب اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، قبله رجل دين بارز على رأسه خلال مراسم دينية وقال له إن العقوبات “مصدر فخر”.
وفي عام 2021، طلب شاهوار بور 50 مليار ريال إيراني، كانت تعادل آنذاك أكثر من مليون دولار وفقا لسعر الصرف الرسمي، من شركة للصلب مملوكة للدولة لتمويل مبنى جديد للحرس الثوري في خوزستان، وذلك وفقا لوثيقة اطلعت عليها رويترز. وكان صاحب الحساب الذي كان من المقرر إيداع الأموال فيه، وفقا لمستندات تحمل توقيعه، هو الكيان ودجا 424000.
وفي بداية هذا العام، سحق رجال شاهوار بور احتجاجات جديدة في خوزستان كانت جزءا من انتفاضة على مستوى البلاد احتجاجا على الانهيار الاقتصادي، وفقا لناشطين. وفي أنحاء إيران، قُتل الآلاف وسُجن عشرات الآلاف. وفي خوزستان، قال الناشطان إنهما وثقا أسماء 46 قتيلا، وإن معظمهم قُتلوا يومي الثامن والتاسع من يناير كانون الثاني عندما فتح الحرس الثوري النار على المتظاهرين.
وتظهر لقطات بثتها وسائل الإعلام الرسمية من عرض أُقيم في وقت سابق من هذا العام قوات الحرس الثوري التابعة لشاهوار بور وهي تجوب بلدة في خوزستان في شاحنات تويوتا تندرا بيضاء من النوع الذي تفضله شبكة وزارة الدفاع. وكانت إحدى الشاحنات تحمل طائرة شاهد مسيرة وردية زاهية.

