آراء

إرادة الإدارة على أبواب الانتخابات

7 مشاهدة قراءة 9 دقيقة

الكاتب : تحسين يقين

"هذي الست عندها إدارة..هذا الزلمة عندو إدارة"، وهكذا استطاعت أمهاتنا وآباؤنا من رعايتنا، نحن والكثير من الأسر، بالرغم من محدودية الدخل، إلا أن "الأمور مشيت". لكن جاء بعدهم خلف تعلموا الإدارة في الجامعات، وتخصصوا فيها، ولكن "الأمور ما مشيت"، كما يناسب العلم، فالإدارة تأتي من العلم ومن الخبرة، بشرط وجود إرادة.

هذا هو ملخص المقال؛ فباستطاعة القارئ الاكتفاء بهذه الأسطر، وله إن شاء تأمل حياة أسرته ثمّ نفسها، على المستوى الشخصيّ أو آخرين من محيطه، وله أن يتأمل مراحل معينة من حياة شعبنا وأمتنا، وله إن أحبّ ووجد ذلك مشوّقا أن يقرأ شيئا عن الإدارة في الحضارات القديمة والحديثة، لأنه وقتها سيكتشف ارتباط الإدارة بالحكم، لذلك يتمّ ربط الإدارة دوما بالحكم الرشيد.

من إدارة بيت، بل أجزاء منه، إلى إدارة بلاد، نحن إزاء البدء من حيث انتهى الآخرون، من ناس حولنا أو بلاد، ففي الوقت الذي يمكن أن يساعد امتلاك دخل ماليّ أو معرفة، في الإدارة، فإنّ ذلك ليس كافيا، ولنا في تجارب من عرفنا حولنا ما يؤكد وجود منظومة كاملة تتناغم لإحداث إدارة ناجحة.

وهكذا، فقد صارت الإدارة الأسرية مثلا، مجالا للبحث، من زوايا الإدارة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ومعه إن نشاء إدارة العائلة الممتدة التي تتمّ من خلال عدد من الشخصيات القادرة، والتي ليس شرطا أن ينضم فيه الابن الكبير إلى الوالدين، بل الابن الأكثر حكمة.

وهكذا، سنجد أنفسنا الآن فيما نهتم به على المستوى العام الوطنيّ والقوميّ، دون الزهد بالمستوى الشخصي؛ فمجموع الإدارات الفردية الناجحة، هي المحصّلة العامة، التي ترتقي بالمجتمعات.

لم تنته تماما أساليب الإدارة العثمانية، بسقوط السلطنة، بل ظلّت كإدارة تقليدية، ورثها "الانتداب البريطاني" الذي ورّثها لمن خلفه، حسب أماكن وجود السلطات الجديدة، وقد واكب ذلك تعرّض شعبنا هنا وفي الشتات لمنظومات إدارية متنوعة، فكانت أولا للإدارة الكولينيالية في فلسطين المحتلة عام 1948 خصوصية، كونها إدارة للمستوطنين من جهة، وإدارة لمن تبقى من شعبنا، في حين انتظمت الضفة الغربية ضمن الإدارة الأردنية، وقطاع غزة (الذي تمّ تسميته وفقا لنتيجة حرب 1948" ضمن الإدارة المصرية، مدة 19 عاما، ثم لينتظما معا 27 عاما ضمن إدارة الاحتلال، ثم لتتوحد الضفة والقطاع ضمن إدارة السلطة الوطنية.

لذلك، شهدنا خلال الثلاثة عقود السابقة، بدءا من عام 1994 كسنة أساس، وجود الإدارة الفلسطينية التي كانت امتدادا لمنظومات إدارية متنوعة، انسجاما مع ما مرّ من أشكال حكم، والتي تطوّرت بالطبع و"تحوكمت"، و"تعصرنت"، مستخدمة التكنولوجيا، والتي بالطبع أصبحت مجالا للبحث في الرسائل الجامعية، ومنا ما تعرفنا عنه في مجالات الإدارة الصحية والتربوية وغيرها.

إن ما نلاحظه من دراسات أو آراء، هو محدودية مناقشة علاقة الإدارة مالحكم من جهة، وعلاقتها بالقائمين على كلا الجانبين الحكم والإدارة معا.

ترى ما الذي نلمّح له؟

قد تجيب عبارة "هذي الست عندها إدارة..هذا الزلمة عندو إدارة"، حيث إنه في الوقت الذي وجدت فيه الإدارة، لم يتمّ ضمان وجود المديرين الجيدين كما ينبغي، انسجاما مع محدودية الحكم الصالح الذي يتمتع بشفافية كافية لمنحه الشرعية فلسطينيا ودوليا، وصولا لجعل ذلك مبررا لمن يريدون الانتقاص من سيادة فلسطين، بجعلهم أوصياء ماليين وإداريين، وتربويين ..الخ، بحيث يتم إعادة الوصاية المالية والخارجية لعدد من الدول العربية قبل الاستقلال بشكل علنيّ، وبعده بشكل ضمنيّ.

دوما كنا بحاجة لإدارة اقتصادية تتضمن إدارة المال العام، وإدارة جميع جوانب الحكم، في سياق إدارة سياسية ناجحة داخليا وخارجيا، تجنبنا أيّة تدخلات أجنبية، وتبعد أو تخفف من أثر تدخّل الاحتلال، الذي بالطبع يعجبه إخفاقنا، بل يسعى بخبث مباشرة تارة وغير مباشر تارة أخرى لإفشالنا. "الحقّ أقوله لكم" اننا نتحمّل جزءا كبيرا من المسؤولية.

وهكذا، وباعتبار أننا باقون في أرضنا وعليها، فإن بقاءنا يحتاج الى من يعرف بعمق أهمية البقاء، الذي له استحقاقات أهمها الحكم الرشيد والإدارة الفاعلة، حيث يصبح ذلك مجالا نضاليا.

وهنا، ونحن على أبواب الانتخابات، ومن خلال معرفة شعبنا بحاله، فإن هناك أهميّة أن يضع المرشحون لها ضمن القوائم الانتخابية، مشروعها فيما يتعلق بالحكم والإرادة معا. أما إعادة تكرار مقولات، لا نحن قادرين على إنجازها، ولا ظرف الاحتلال، لن يفيدنا كثيرا.

لذلك، فإننا نأمل من القوائم الانتخابية التي ستشكّل، أن تقوم بتكوين مجموعات من مؤيديها ومناصريها ومن خبراء مستقلين، لبحث ممكنات التطوير الإداري والماليّ، بالتفكير بهيكلييه المؤسسات القائمة، باتجاه البناء على ما تراكم من نجاح، واختيار المؤهلين فعلا لإدارتها، خصوصا في ظلّ الامتيازات التي يقدمه الوطن للمسؤولين الجدد، من أجل تفرغهم لما تم توظيفهم له، في جميع مستويات الوظائف؛ فلا يكون جلّ الاهتمام هو إرضاء المنابع والمنابت، فكلنا خليل وكلنا قدس وكلنا نابلس وكلنا باقي البلاد.

إن اختيار مسؤولين سياسيين قادرين، ويعرفون أنهم موظفون لدى شعبنا، وأنهم مُساءلون بما نمنحه لهم من امتيازات، يعني ضمان جوانب الحكم والإدارة. وتلك هي مهمة الناخب الوطنيّ حين يختار القائمة التي تقنعه في هذا الاتجاه.

من السهل جدا، لمن يريد، من قيادات ونخب وقطاعات شعبية، تقييم الإداء، فأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، فلا يتم إعادة إنتاج تكليف مسؤولين بشرط ضمان الولاء، أو تكليف ذوي القربى لأننا لسنا في سياق عمل خاص، بل عام ووطنيّ، في ظل الاحتلال، فماذا سيضرّ مثلا تكليف المحترفين والخبراء؟

إن شعبنا في ظل متابعته اختيار ذوي الحكم والإدارة، وكوننا في بلد صغيرة، نعرف بعضنا بعضا، سيكون قريبا من السلطة السياسية وسيحترمها، حين يجد النخبة القائدة وصانعة القرار قد "طلعت" من داخله، يعرفها وتعرفه.

فقط، مطلوب أن نبني على ما تراكم من نجاحات نوعية، وتجنّب العقبات، فإن نجحنا في هذا التحديّ فإننا نضمن الصعود، فلا نعدّ ما نعرفه فقط، بل لنوسّع دائرة البحث عمن يستطيع تحمل المسؤولية.

ذلك هو النضال إن أردنا فعلا تقوية وجودنا على هذه الأرض.