ثقافة

قراءة في رواية كميل أبو حنيش : تعويذة الجليلة     

4 مشاهدة قراءة 7 دقيقة

الكاتبة : أسماء ناصر أبو عياش 
قد يخيل للمتلقي في رواية تعويذة الجليلة أن الكاتب عمد إلى أسطرة الحكاية أو ما يشبه الأسطورة إذا ما حكم على الرواية من عنوانها من حيث مدلول مفردة تعويذة. فالرواية في مجملها هي قصة الفلسطيني الغرائبية التي تتوالد مع كل جيل يحملها أمانة يودعها في عنق نسله كما قلادة الجليلة الأم الأولى أودعتها عنق الجليلة الوليدة. 
هذا السرد الغرائبي لسيرة عائلة الجليلة والذي استطاع من خلاله الروائي أبو حنيش أن يأخذ بيد القارىء ويجوب وإياه مجازات جليلته يتخطى الزمان والمكان، يستحضر أطياف الشهداء يعيش معهم واقعاً ماثلاً لا خيالاً.
عن المرأة الإلهة، المرأة الفدائية، المرأة الأم والحبيبة كتب كميل أبو حنيش سيرة الجليلة وسر تعويذتها، رواية تجاوزت صفحاتها مئات ثلاث طافت بنا في مساحة تراوح كل المديات الفلسطينية، من مهبط الحلم وحتى ارتقائه حقيقة ومجازاً هي المساحة الحاضة للرواية. برزت مركزية المرأة فيها واضحة جلية ولعبت الذاكرة دوراً مركزيا كأحدى اللبنات الأساسية في بُنية الرواية، ذاكرة لا تبهت بل تعلو خطاً عابراً صاعداً مع تفاعل الحدث وتصاعده لتأتي ذروة النهاية عند أعلى مستوى بموت الجليلة.
راوحت الرواية مستويات ثلاثة اختزلها الكاتب في حياة الجليلة منذ الطفولة والشباب وحتى الكهولة وفي كل مرحلة كانت حياة الجليلة تعبيراً لحياة الفلسطيني منذ بدء نكباته وحتى خذلان أوسلو وما اعترى مسيرة النضال من جزر ومد . يبدأ المستوى الأول منذ طفولة الجليلة وبداية تشكل الوعي فتبرز صورة الثائر الفادي إلى جانب الكوبانية المقامة على أرض محاذية لبلدها الخيرية. في المستوى الثاني يصبح اسم الثائر مجاهد كإسقاط للفكر السائد في مرحلة ما بعد النكبة ليتحول في مرحلة لاحقة إلى فدائي وما لهذه المسميات والصفات من مدلول يدل على مراحل طغيان الأفكار في فترات زمنية متفاوتة والمراوحة ما بين اليمين واليسار.
من الخيرية إلى سلمة إلى نكبة إلى لجوء إثر نكبة فلسطين واحتلال ساحلها ومرجها وجبلها لتصبح الجليلة وعائلتها لاجئة فيما تبقى من فلسطين. وهنا يتحرك الكاتب إلى مستواه الثالث في الرواية، مستوى أكثر ذاتية واستقراراً في قرار الجليلة شراء قطعة أرض لإقامة بيت العائلة. هنا تتكرر مأساة الفلسطيني الذي يصعب عليه أن يرضى بديلاً عن أرضه فيستحضر الكاتب في هذا المشهد ما رواه لي أحد أبناء كهل من قرية زكريا المحتلة حينما هم بشراء راديو، فيما ارتأى أبناؤه شراء أرض حيث لجؤوا فنهرهم: "كيف أشتري أرضا وأرضي وبيتي هناك! بدي أشتري راديو عشان أسمع إيمتى رح نرجع".
تمور الرواية وتتفاعل مع احتلال باقي فلسطين في العام 1967 والخذلان الذي طغى على الروح العربية من محيطها لخليجها. تتطور أحداث الرواية مع انطلاق الانتفاضة الأولى وما تمخض عنها وانتهت بإتفاقية أوسلو وما أحدثته من شرخ في الوعي وجسم العائلة الفلسطينية، هذا الشرخ الذي عملت انتفاضة الأقصى واجتياحات الاحتلال الإسرائيلي لمدن الضفة الفلسطينية على لَأْمه مرحلياً.
تتميز شخصيات الرواية مع تفاوت أعمارها وتجاربها بالانسجام، ولم يبد ثمة تناقض في بنيويتها باستثناء عودة الذي حاول الكاتب أن يتمثل به شخصية أوسلو وتداعياتها واختلاف الناس حولها. عودة الذي اختفى وغاب دون مبرر وعاد بعد سنوات، عودة منقوصة بعد اتفاقية أوسلو لنصف وطن ونصف أرض ونصف تحرر وسلطة واحتلال ! 
جنح الكاتب نحو السيميائية في أسقاط الرمزية على معظم مفاصل الرواية من حيث أسماء الشخوص وتوظيفها -أعني الرمزية- لباقي أدوات الرواية كالشجرة والبارودة والقلادة، وتبدت سطوة الكاتب في توجيه وعي المتلقي في براعته في هذا الجانب.
تعويذة الجليلة رواية تنتمي من وجهة نظري للأدب الواقعي ذات سياقات وطنية إجتماعية بل وحتى إنسانية وثق فيها الكاتب مرحلة شاقة عسيرة وقف فيها من خلال أبطالها على حد المواجهة مع الذات والواقع الفلسطيني بسرد موضوعي متناولاً الجوانب المضيئة والمعتمة في الواقع الفلسطيني على كافة الصعد بلغة سلسة يتماهى معها المتلقي حتى ليخيل إليه أنه أحد شخوصها وصانع أحداثها، فيما ابتعد عن السياق التنظيري الذي يطبع غالبية أدب المقاومة ولا يخرج عن سياق الثيمة الوطنية التعبوية وإن بشكل غير مباشر ودون ادعاء.
ترى هل بالإمكان عرض رواية تتسم بكل هذا العمق! رواية تحررت من براثن السجن كتحرر مجازي لكاتبها. لئن كان التحرر هو الوسيلة فإن الحرية هي الهدف. لقد تمكن كميل من خلال جدلية الحرية والتحرر وهو الأسير مؤبد الأحكام أن يتحرر فكراً وكلمة وهو الكاتب غزير الإبداع روايةً وشعراً ودراساتٍ. تعويذة الجليلة لكميل أبو حنيش الصادرة عن دار الشامل هي تأريخ وتوثيق فانتازي لواقع حياة غير عادية، رواية جديرة بانتمائها للأدب المقاوم.