الكاتب : عيسى قراقع
ليس سؤال طفل يبحث عن أبيه الذي قتل خلال حرب الإبادة على غزة، بل هو اسم قنبلة استخدمتها دولة اسرائيل وفق نظام الذكاء الاصطناعي، يستهدف المواطنين أثناء وجودهم في منازلهم مع عائلاتهم، قنبلة تقتل جميع من في البيت دون تمييز.
كشف الصحفي الاسرائيلي يوفال ابراهام عن هذا البرنامج التدميري، والذي يقوم بمسح معلومات عن 90 بالمائة من سكان غزة، الآلة تفكر وتجلب الاسماء وتصنفهم وتتعقبهم وتحدد بنك الأهداف، توليد قوائم قتل واغتيالات وتصفيات، باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وارتكاب المجازر بحق الأفراد والجماعات.
قنبلة اين ابي جزء من منظومة أوسع أبرزها برنامج يسمى لافندر، والذي حلل كما هائلا من البيانات والمؤشرات الرقمية، ليضع عشرات الآلاف من الفلسطينيين في قوائم الاشتباه، ثم يأتي دور اين ابي في رصد موقع الشخص المعين ولا سيما عندما يعود إلى البيت أو الخيمة.
لقد ظهر في غزة مصطلح جديد : الناجي الوحيد، وهو من اكثر المصطلحات وجعا في قواميس الحروب المأساوية، الناجي الوحيد، هو ذلك الطفل الذي الذي خرج من تحت الأنقاض ليكتشف أنه آخر فرع في شجرة العائلة، وأنه يحمل مقبرة تمشي على قدمين .
قنبلة اين ابي، صناعة الموت السريع والخاطف، مباني تنهار ليلا، ارواح تزهق، حرارة شديدة، انفجار، اختراق طبقات الارض، اختلاط اللحم بالاسمنت، تترك وراءها حفرة واسعة من العار والخذلان.
لقد أسقطت اسرائيل ما يترواح بين 150 إلى 200 الف طن من المتفجرات على رؤوس الناس في قطاع غزة، مما يعادل أكثر 13 قنبلة من حجم القنابل التي القتها أمريكا على هيروشيما في الحرب العالمية الثانية.
قنبلة اين ابي ضربت القلب الإنساني، انفجرت في كل ضمير حي، اخذت معها أكثر من 2700 عائلة فلسطينية مسحت بأكملها من السجل المدني ومن الذاكرة، وأخذت معها أكثر من 6 آلاف عائلة لم يتبق منها سوى فرد واحد فقط من بينهم 39 الف طفل حرموا من أحد الوالدين أو كلاهما، لتشهد غزة أكبر أزمة يتم في التاريخ الحديث كما تقول تقارير الأمم المتحدة.
ما ظل حدا عايش، بابا مقدرش اعيش بدونك، لماذا تركتني يا بابا، أمانة ترجعي يا ماما، قولي لي انك عايشة يا ماما، بابا ليش ما يدخل ويشوفني وانا نايمة؟ كنت حلمت فيه امبارح، كان حاملني على كتفه، اصوات اطفال كانوا قبل قليل يضعون رؤوسهم على صدور آبائهم وأمهاتهم وينامون آمنين، وها هم يصرخون ويبكون وينادون لعلهم يوقظونهم من نوم طويل.
امي بتقول أن ابي استشهد، وان ربنا راح يجمعنا في الجنة، طيب انا بدي اياه هون، بدي العب معه هون.
قنبلة اين ابي تحول البيت إلى مقبرة، تدخل من الشباك إلى غرفة النوم والمطبخ وسرير الاطفال، قنبلة لا تقتل فحسب، بل تترك وراءها جيلا مشردا، ضائعا، ومجتمعا صار تحت الركام
.
قنبلة اين ابي القادمة من طائرة الشبح أو اف16 تنقل قرار الموت والحياة إلى سلسلة من البيانات والاحتمالات، تحول الاب من انسان إلى إشارة تلتقط على الشاشة، ثم تمحى بكبسة باردة ليصير ذلك الإنسان مجرد دخنة وغبار.
أين ابي سؤ ال لا يبحث عن الماء والطعام، بل عن العدل والإله، سؤال يولد من بين الردم، اطفال نجوا من الغارات، لكنهم لم يبقوا على قيد الطفولة، وسيبقى الطفل يسأل لسنوات وسنوات، بعد وقف إطلاق النار، وبعد توقيع الهدنة، وبعد أن يعاد الاعمار، لكن لا أحد يعيد الروح لمن مات، لا احد يرد على الاسئلة.
.
بابا راح يجيب خبز وما رجع، الجحيم هو الصمت أمام طفلة تائهة بلا حضن ورعاية وأسرة وبيت ومدرسة، لا تفهم عن انواع القنابل وصفقات السلاح، من المصانع الأمريكية إلى حي الشجاعية، من خطوط الانتاج في برلين وباريس ولندن وواشنطن إلى محرقة اسمها غزة، من شظايا القرارات السياسية، ومن تواقيع رسمية لدول تجيد الكلام عن حقوق الإنسان، ولكنها ترسل القنابل الذكية والغبية والارتجاجية لإكمال المجزرة، لماذا لم يأت العالم؟ لا احد يملك أجوبة.
طفلة غزية ابنة العشر سنوات، كتبت بقلم أحمر على ورقة وضعتها تحت وسادتها تقول فيها: ماما حبيبتي أنا خائفة كثير كثير، إذا استشهدنا كلنا ضعونا مع بعض في نفس القبر لابقى في حضنك.
قنبلة اين ابي تركت خلفها أكثر من خمسين ألف معاق في غزة معظمهم من الأطفال، جروح جسدية ونفسية واجتماعية، لا حكايات ولا بحر ولا العاب، لا اب ولا أم ولا رائحة القهوة في الصباح، الحرب في الجسد واللغة والملابس الملطخة بالدم، في الاحلام والكوابيس والصدمات والذكريات.
بابا مقدرش اعيش بدونك، بابا لما تيجي القصفة انا ما بخاف، بخاف لما اصحا الصبح وما حدا يفتح عيني ويقول لي صباح الخير.
في غزة لم يعد الطفل ينتظر عودة أبيه من العمل أو السفر أو السجن، أنه ينتظر معجزة، أن يخرج ابيه من تحت التراب، ينتظر ان يهزم الاسم القنبلة، أن يعود السؤال إلى معناه الاول: اين ابي؟ ليجده واقفا عند باب البيت حاملا الخبز والحياة والأمان.

