آراء

في الذكرى التاسعة عشرة للانقلاب: حين انقسم تعريف فلسطين

513 مشاهدة
في الذكرى التاسعة عشرة للانقلاب: حين انقسم تعريف فلسطين

الكاتب : أحمد دخيل

في الرابع عشر من حزيران يعود الفلسطينيون إلى لحظة ما تزال آثارها فاعلة في بنية الواقع الوطني حتى اليوم. فبعض الوقائع تستمر في إعادة إنتاج نفسها داخل الحاضر، عبر ما تتركه من تحولات في الوعي والمؤسسات والعلاقات السياسية. ومن هذا النوع كانت أحداث الرابع عشر من حزيران 2007، التي تحولت إلى أحد مفاتيح فهم الأزمة الفلسطينية المستمرة.

اعتاد الفلسطينيون النظر إلى تاريخهم الحديث من خلال محطات كبرى شكّلت وعيهم الجمعي: النكبة عام 1948 بوصفها لحظة اقتلاع، والنكسة عام 1967 بوصفها لحظة تعميق السيطرة الإسرائيلية على ما تبقى من الأرض. أما الانقلاب الذي تفجّر عام 2007، فقد حمل طبيعة مختلفة، إذ أنه أصاب البنية السياسية والمعنوية التي قامت عليها فكرة المشروع الوطني الفلسطيني.

غير أن أي قراءة جدية لهذا التحول لا يمكن أن تتجاهل أن الانقلاب لم يولد في لحظة واحدة، ولا كان نتيجة قرار منفرد. فقد سبقته سنوات من التراكمات السياسية، وإخفاق مسار التسوية، وتآكل الثقة الداخلية، وتفاقم الاستقطاب بين القوى الفلسطينية. كما ساهمت التحولات الإقليمية وتبدّل موازين القوى بعد أوسلو في إعادة تشكيل البيئة السياسية الفلسطينية على نحو جعل الانفجار أمراً مرجحاً. لكن إدراك هذه الخلفيات لا يلغي حقيقة أن ما حدث عام 2007 تجاوز حدود الخلاف على السلطة، ليمسّ سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة المشروع الوطني ذاته.

منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، تشكّلت الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة حول فكرة مركزية: أن الفلسطينيين شعب يمتلك هوية سياسية وطنية مستقلة، وأن قضيته هي مشروع تحرر لشعب يسعى إلى الاستقلال وتقرير المصير . ومن هذه الفكرة نشأت منظمة التحرير الفلسطينية، التي استطاعت عبر مسار طويل من النضال السياسي والكفاحي أن تفرض حضورها ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني في الإطارين العربي والدولي.

وقد كان هذا التحول تأسيساً لمفهوم سياسي جديد داخل التجربة الفلسطينية: مفهوم القرار الوطني المستقل. فقد سعت الحركة الوطنية، عبر عقود، إلى تحرير القرار الفلسطيني من الوصاية الخارجية ومن محاولات تحويل القضية إلى ورقة في صراعات إقليمية. وبذلك تشكّل جوهر المشروع الوطني بوصفه مشروعاً يضع فلسطين في مركزها، لا في هامش مشاريع الآخرين.

من هذا المنظور، يظهر الانقلاب كتحول أعمق مسّ سؤال المرجعية السياسية نفسها. فالساحة الفلسطينية، منذ 2007، شهدت تبايناً بين رؤية تعتبر أن الشرعية الوطنية تُستمد من فكرة التمثيل الوطني الجامع، ورؤية أخرى تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع أطر أيديولوجية أو إقليمية أوسع، ما جعل تعريف “الوطن” نفسه موضع اختلاف ضمني في بعض الحالات.

ولا يتعلق هذا التوصيف بإدانة طرف أو تبرئة آخر، بقدر ما يتعلق بفهم طبيعة الإشكال الذي واجهته حركات التحرر في العالم حين تتقاطع فيها الأيديولوجيا مع المشروع الوطني. فالتجارب المقارنة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تُظهر أن نجاح حركات التحرر كان مرتبطاً بقدرتها على إبقاء الفكرة الوطنية الجامعة فوق الانقسامات الفكرية، بحيث تبقى الدولة أو الوطن هو الإطار الذي تتعايش داخله التعددية، لا أن يتحول إلى ساحة تتنافس فيها المشاريع البديلة على تعريفه.

إن أخطر ما كشفه الانقلاب ظهر جلياّ في  تباين مفهوم الشرعية الوطنية. فمنذ ذلك التاريخ امتدّ الخلاف ليشمل السؤال الأعمق: من يملك حق تعريف المشروع الوطني؟ وعندما يصل الخلاف إلى هذه النقطة، يصبح من الصعب التعامل معه بوصفه خلافاً سياسياً تقليدياً، لأنه يمسّ الأساس الذي يقوم عليه أي نظام سياسي موحد.

وقد انعكس هذا الواقع بوضوح على طبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي وجد نفسه أمام ساحة فلسطينية منقسمة جغرافياً ومؤسسياً وسياسياً، الأمر الذي أضعف القدرة على بلورة استراتيجية وطنية موحدة، وساهم في تعميق الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي إعادة تشكيل إدارة الصراع على نحو أكثر تجزئة وأقل قابلية للحسم السياسي.

ومع مرور السنوات،تحولت نتائج الانقلاب إلى بنية قائمة بذاتها، لها مؤسساتها ومصالحها وتوازناتها الداخلية. ونتج عن ذلك واقع اجتماعي وسياسي جديد، نشأت داخله أجيال لم تعرف سوى هذا الشكل من التعدد المنقسم، ما جعل استعادة الوحدة الوطنية أكثر تعقيداً من كونها اتفاق سياسي، لأنها باتت تتطلب العودة إلى التصور المشترك لمعنى الوطن ذاته.

ورغم كل ما يمكن قوله عن أخطاء الحركة الوطنية الفلسطينية وتجربة السلطة الفلسطينية خلال العقود الماضية، فإن التفريق يظل ضرورياً بين نقد الأداء السياسي وبين المساس بجوهر المشروع الذي تأسست عليه هذه التجربة. فإعادة بناء النظام السياسي ممكنة عبر التقييم والمراجعة، أما تفكك المرجعية الوطنية الجامعة فيهدد بتحويل القضية من مشروع تحرر وطني إلى فضاء مفتوح لصراعات مشاريع متعددة لا يجمعها إطار واحد.

بعد تسعة عشر عاماً، ينبغي علينا استعادة القدرة على إنتاج إجماع وطني حول معنى فلسطين نفسها: ما هي، وما الذي تمثله، وما طبيعة المشروع الذي يناضل الفلسطينيون من أجله. فالوحدة، في جوهرها، تتعدى كونها ترتيباً إدارياً لتصبح اتفاقاً تاريخياً على تعريف القضية.

لقد بدأت النكبة باقتلاع الفلسطيني من أرضه، لكن أخطر ما يمكن أن يواجهه اليوم هو تآكل وضوح الفكرة التي تجعل من تلك الأرض وطناً ومن شعبها قضية. وبين الأرض والهوية والسياسة، تبقى المهمة الأكثر تعقيداً هي الحفاظ على المعنى المشترك. فالشعوب تنتصر حين تتفق على ما الذي تقاوم من أجله، وعلى الصورة التي تريد أن ترى بها نفسها في المستقبل.

المجد للشهداء.

والحرية لفلسطين.

والوحدة لشعب ما زال، رغم كل الانكسارات، قادراً على إعادة تعريف مشروعه الوطني واستعادة وحدته التاريخية.