الكاتب : واصل الخطيب
منذ نحو شهر، يواصل عدد من الجرحى الفلسطينيين اعتصامهم أمام مجلس الوزراء في رام الله، في مشهد يعكس حجم المعاناة الإنسانية التي يكابدها أولئك الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجسادهم وصحتهم خلال سنوات الصراع مع الاحتلال. ولا يمكن النظر إلى هذا الاعتصام باعتباره مجرد تحرك مطلبي يتعلق بالرواتب أو الخدمات أو الحقوق الاجتماعية، بل هو في جوهره قضية وطنية وإنسانية وقانونية تتصل بمكانة الجرحى ودورهم في تاريخ النضال الفلسطيني، وبواجب المجتمع ومؤسساته تجاههم.
فالجرحى الفلسطينيون يمثلون شريحة دفعت من صحتها ومستقبلها الشخصي ثمناً مباشراً لواقع سياسي وأمني فرضه الاحتلال المستمر منذ عقود . وقد تركت الإصابات التي تعرضوا لها آثاراً جسدية ونفسية واقتصادية طويلة الأمد، الأمر الذي يفرض التزاماً قانونياً وأخلاقياً بتوفير الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والعيش الكريم لهم ولعائلاتهم.
ومن هذا المنطلق، ترتبط حقوق الجرحى ارتباطاً وثيقاً بحقوق الأسرى وعائلات الشهداء، باعتبار أن هذه الفئات الثلاث تشكل جزءاً من النسيج الوطني الفلسطيني الذي تأثر بصورة مباشرة بنتائج الصراع مع الاحتلال. فكما أن الأسير فقد حريته، والشهيد فقد حياته، فإن الجريح يعيش يومياً مع آثار الإصابة وما يرافقها من تحديات صحية واجتماعية واقتصادية. ولذلك فإن ضمان حقوق هذه الفئات لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منحة أو امتيازاً، بل باعتباره استحقاقاً قانونياً وأخلاقياً ووطنياً.
وتؤكد مبادئ القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان على ضرورة حماية المدنيين والمتضررين من النزاعات المسلحة، وضمان حصولهم على الرعاية والخدمات الأساسية دون تمييز . كما أن حق الإنسان في الصحة والكرامة والحماية الاجتماعية يعد من الحقوق الأساسية التي لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ظرف.
وفي السنوات الأخيرة، برزت ضغوط خارجية ومحاولات سياسية وإعلامية لتوصيف بعض الفئات الفلسطينية التي دفعت ثمنا غاليا في خضم الصراع مع الاحتلال، بما فيها الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء، من خلال مقاربات أمنية ضيقة " وصفهم بالارهابيين" تتجاهل السياق التاريخي والسياسي والقانوني للقضية الفلسطينية التي مازالت تراوح مكانها رغم مضي نحو ثمانية عقود على النضال من اجلها .
غير أن القراءة الموضوعية للواقع تقتضي التمييز بين المواقف السياسية المختلفة وبين حقيقة أن الجرحى الفلسطينيين هم مناضلون أصيبوا في سياق نزاع طويل ما زالت جذوره الأساسية قائمة. ومن منظور قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، يُنظر إلى هؤلاء بوصفهم مناضلين ارتبطت تضحياتهم بالسعي إلى الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال، وهي حقوق أقرتها قرارات ومبادئ دولية عديدة تتعلق بحقوق الشعوب.
إن جوهر القضية لا يكمن في الجريح ذاته، ولا في الأسير أو عائلة الشهيد، بل في البيئة السياسية التي أنتجت هذه الحالات. فاستمرار الاحتلال والصراع هو السبب المباشر في بقاء دائرة الضحايا والمعاناة مفتوحة جيلاً بعد جيل. وكلما طال أمد هذا الواقع، ازدادت أعداد المتضررين واتسعت الفجوة الإنسانية والاجتماعية داخل المجتمع الفلسطيني.
وعبر التاريخ الفلسطيني المعاصر، احتلت قضايا الشهداء والأسرى والجرحى مكانة مركزية في فكر وممارسة القيادة الوطنية الفلسطينية. فقد كان الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) يعتبر أن عائلات الشهداء والأسرى والجرحى تمثل أمانة وطنية في عنق القيادة والشعب، وكان يردد في أكثر من مناسبة أن الثورة الفلسطينية لا يمكن أن تتخلى عن أبنائها الذين دفعوا أثمان المواجهة والصمود. وخلال سنوات قيادته، تم إنشاء مؤسسات وصناديق وهيئات مختصة برعاية هذه الفئات، كما أوليت عائلات الشهداء والأسرى والجرحى اهتماماً خاصاً على المستويين الاجتماعي والاقتصادي.
وفي عهد "أبو عمار"، لم يكن ملف الجرحى يُنظر إليه باعتباره عبئاً مالياً أو قضية خدماتية فقط، بل باعتباره جزءاً من منظومة الوفاء الوطني. وقد شهدت تلك المرحلة جهوداً واسعة لتوفير العلاج داخل فلسطين وخارجها، وتأمين الرعاية الصحية والمساعدات الاجتماعية، وإيجاد آليات لدعم المصابين وأسرهم وفق الإمكانيات المتاحة آنذاك. وكان الحرص قائماً على إبقاء هذه الفئات في قلب المشروع الوطني الفلسطيني وعدم السماح بعزلها عن المجتمع أو تهميشها رغم ان الضغوط لخارجية كانت هي ذاتها التي تتجلى أمامنا اليوم .
أما الرئيس محمود عباس (أبو مازن) فقد أكد في مناسبات عديدة أن الأسرى والشهداء والجرحى يمثلون جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني ومن نضاله الوطني، وأن حقوقهم وحقوق عائلاتهم يجب أن تبقى مصانة في إطار القانون والالتزامات الوطنية. ورغم التحديات السياسية والاقتصادية والمالية التي واجهتها السلطة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، بقيت هذه الملفات حاضرة في الخطاب السياسي الفلسطيني باعتبارها جزءاً من المسؤولية الوطنية تجاه المتضررين من الصراع.
كما كان للقائدين الشهيدين خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) دور بارز في ترسيخ هذه الثقافة الوطنية. فقد اعتبرا أن حماية عائلات الشهداء ورعاية الجرحى والأسرى تمثل ركناً أساسياً من أركان النضال الوطني، وأن مصداقية أي حركة تحرر تقاس بمدى وفائها لمن قدموا التضحيات في سبيل أهدافها. لذلك ارتبط العمل التنظيمي والاجتماعي في مراحل الثورة الفلسطينية المختلفة ببرامج دعم ومساندة لهذه الفئات.
وعليه، فإن معالجة ملف الجرحى والأسرى وعائلات الشهداء يجب أن تتم في إطار رؤية شاملة تقوم على احترام الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والالتزام القانوني بحقوق المتضررين. كما أن تحقيق سلام عادل ودائم يتطلب معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة وفق القانون الدولي.
وفي ظل استمرار اعتصام الجرحى أمام مجلس الوزراء في رام الله، تبقى الرسالة الأهم أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن الذين تحملوا أعباء الصراع وآثاره يستحقون حياة كريمة ورعاية عادلة تحفظ تضحياتهم وتصون حقوقهم، بما ينسجم مع القيم الوطنية ومبادئ العدالة والقانون وحقوق الإنسان.

