الكاتب : تحسين يقين
قيل فيها الكثير، وسيقال فيها الأكثر.
قبل 68 عاما، بدأت جهود مجموعات من الشباب الرافض لما آلت له الأحوال، بعد عشر سنوات على نكبة عام 1948، بالتجمع من أجل فعل يثأر قليلا ممن سطا على البلاد؛ فلم يكن في شعورهم أبدا إلا ان العودة متحققة، فلم تصدأ مفاتيح البيوت بعد، ولم يكن من السهل نسيانها، أما عدم العودة فلم يكن متقبلا.
لم تكن طلائع الحركة الوطنية لتظهر صدفة في أرض فلسطين وسمائها، فهم استمرار لما كان من عمل مقاوم، وهم أبناء وأحفاد مناضلين وتلامذة على طريق بناء كيانية فلسطين، في سياق ظهور وتبلور كيانات شقيقة هنا، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقط السلطنة العثمانية. ولسان حال \طلائع الخمسينيات هو ليس البحث فقط عن هيئة تمثل شعبنا، بل تأسيس الكيان السياسي الفلسطيني، الذي ما إن رأى النور عام 1948، حتى تم إنهاؤه. حزن مغلّف بغضب ما زال يسكننا، نتيجة ردود الفعل تجاه حكومة عموم فلسطين، ويبدو أنه كان يخطط لوأد فكرة الكيانية الفلسطينية التي انطلقت بعمق أوائل العشرينيات، كما يتم الآن تنفيذ المخطط القديم، وجعل كيانيتنا السياسية شكلية.
كانت فكرة الكيانية الفلسطينية مستندة للتاريخ العريق الذي يجمع منطقة جغرافية معينة تعانقت فيها حضاراتنا القديمة، وليست بعيدة عن جغرافيا باقي البلاد العربية التي انتمت للحضارة العربية في العصر الوسيط، بمعنى أننا لم نكن نبحث عن خصوصية كيان فحسب، بل عن خصوصية فلسطينية مندمجة بالفعل الوطني والقومي في بلاد الشام تحديدا وفي بلاد العروبة عموما. ولم يكن ذلك بعيدا عن المبادئ التي قامت عليها حركة فتح: الوطنية في سياق قومي، باتجاه الوحدة.
يمكن وصف أولئك الشباب؟ إن تتبع ما وعيناه من أواخر السبعينيات (كل وما وعاه في سياق العمر)، وسماع الروايات، وقراءة الأدبيات السردية والسير الذاتية لقادة فتح أنفسهم، تيسّر علينا فهم حقيقة طلائع الحركة الوطنية في عقد الخمسينيات والنصف الأول من عقد الستينيات، كاستمرار لما كان من فعل وطني، وتأسيسا للحركة عام 1965.
في يوم الخميس القادم، في الرابع عشر من أيّار، نحن على موعد مع المؤتمر الثامن، الذي تلتقي فيه أعمار وتجارب متنوعة، والذي يجيء كموعد استحقاقيّ أولا، كذلك يأتي في سياق تجديد المرجعيات واستئناف باقي الانتخابات بعد انتخابات المجالس المحلية، أي الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وهذا أمر طبيعيّ وعاديّ لا ينبغي أن يثير الكثير من الحديث، فالأهم، باعتبار أن حركة فتح لفلسطين، هو تأمل مآل التحولات التي مرّت فلسطينيا في الثلاثة عقود الأخيرة، خصوصا في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة، وتغول المستوطنين في الضفة الغربية، في ظل التحولات العربية والدولية التي حدثت وما زالت تحدث حولنا، فما أثقلها من مسؤولية إن أردنا فعلا حملها.
ولعل الأمر الحاسم بالنسبة للحركة، هو ما يجري داخل المجتمع الفلسطينيّ؛ فالانتخابات تعني الانتقال للجسم النيابي الممثل لشعبنا، في سياق هدف التحرر والاستقلال الذي يجمع شعبنا عليه.
في يوم الخميس القادم، في الرابع عشر من أيّار، لن يكون المهم من سيكون أكان ذلك في عضوية المؤتمر العام لفتح، لأن الفتحاويين جميعا بل والوطنيين هم أعضاء فعلا، باعتبار العضوية جسما تمثيليا تقديريا، كما لن يكون المهم نتيجة الانتخابات فيما يخصّ اللجنة المركزيّة والمجلس الثوريّ، بل الأكثر أهمية بالنسبة لشعبنا وللحركة الوطنية بمجمل فصائلها هو الفعل المستقبليّ الذي يمكننا فعلا تحقيقيه إن أردناه فعلا. والمطلوب معروف؛ فلسنا في عملية تنجيم.
المطلوب ببساطة وعمق تمتين بناء حركة فتح، باعتبارها وسيلة لتحقيق مصالح شعبنا العليا في التحرر والاستقلال، وتمتين منظمة التحرير التي ستظل الأساس للحركة الوطنية فلسطينيا وعربيا ودوليا، وإنهاء إشكالياتنا الداخلية، فكل هذه ستكون روافع وطنية تتجلى في الانتخابات العامة، وطيّ صفحة الالتباس في علاقاتنا القومية؛ وسيكون العمق القومي والعالمي داعما لنا في مواجهة التطرّف داخل دولة الاحتلال.
وهنا، ومن أجل تحقيق ذلك، فلا بدّ من استعادة الثقة الشعبية، من خلال تطوير الأداء الحالي للمؤسسة الرسمية، والتقدّم نحو الانتخابات العامة لا من أجل الخلاص الفرديّ من خلال الوصول الى البرلمان، بل من خلال برامج حقيقيّة يبنيها الوطنيون والفتحاويون معا، كل حسب خبرته، وألا نعيد إنتاج بنى تقليدية، وإن كان ولا بدّ، فكل البنيات فيها من يستحق أن تكلّفه الحركة التي من المؤكد أنها تعرف الكفاءات الموجودة في عناصرها وكوادرها.
وهنا، بالرغم من إمكانية تحقيق ما هو نسبيّ، تصبح الحكمة والعقلانية في الانفتاح الفتحاوي ممثلا بقيادة الحركة بعد الرابع عشر من أيار، على فئات وشخصيات ينبغي التعاون معها، بل ومنحها ثقتها في الإدارة والحكم.
لديّ ثقة بأنه يصعب أن نجمع على ما يضرّ بمصالح شعبنا، ولدينا ثقة بأن شعبنا لديه من الوعي والمساءلة ما يجعله يفكّر مليا فيمن يمنح صوته في الانتخابات العامة؛ فإن آثرنا مصالحه واستعدنا ثقته، سننجح لا كحزب في الوصول الى الحكم، بل كحركة تحرر في طريقها النبيل لتحقيق الاستقلال، ولا أظنّ أن همّ المؤتمر واهتمامه هو فقط في إنجاز الانتخابات، بل فيما نسعى معا لإنجازه مع شعبنا، وفصائل العمل الوطني والإسلامي، ومع الوطنيين جميعا.
في يوم الخميس القادم، في الرابع عشر من أيّار، ثمة حديث داخليّ داخل أعضاء المؤتمر، كل وما يفكر به، وهناك حديث علني من خلال حوار قائم، وسيتفعّل خلال فترة المؤتمر، وثقتنا أن فلسطين ستظل البوصلة، فلنا ما نسعى له، ولنا ما نتفاءل به، وسيكون بأيدي الأعضاء اليوم اختيار التقدّم الى الأمام، إلى فلسطين.



