الكاتب : د.حاتم الجوهري
ظهرت فكرة الثنائيات الحدية بشكلها الحالي -على المستوى التاريخي- في ظل فلسفة الحضارة المطلقة الأوربية/ الغربية، وهي الفكرة التي تقوم على وجود وجهتي نظر تتصارعان صراعا صفريا وحديا مطلقا في معظم تمثلات الوجود البشري، لا يسمح إلا لأحدهما بالحياة والوجود في صراع صفري ومطلق وشمولي مع الآخر، ويرجع مركز هذه الفلسفة الغربية وجذرها إلى الصراع العام والمطلق والحدي بين الرأسمالية والشيوعية، أو في حقيقة الأمر بين ورثة هيجل الأب التاريخي للمثالية المسيحية الشمولية الطبقية، التي ترى في دور الدولة المسيحية الجرمانية الراعية ذروة التطور الحضاري البشري (التي تمثلها حاليا دولة الديمقراطية الليبرالية في أمريكا)، وبين ورثة تلميذه ماركس الأب التاريخي للمادية العلمانية الشمولية غير الطبقية، التي ترى في الدولة العمالية المهيمنة ذروة التطور البشري، ليصبح الصراع بينهما هو الصراع أو الثنائية الحدية المركزية في الحضارة الأوربية الغربية المعاصرة، والعالم بالتبعية، وقد انعكست هذه البنية الثقافية العميقة في الفلسفة الأوربية/ الغربية على معظم تمثلاتها الإنسانية والاجتماعية.
ومن جهة أخرى تسعى هذه المقالة إلى استكشاف البديل وممكنات التمايز الوجودي بعيدا عن الفلسفة الحدية والثنائيات الحدية وتصورات الوجود الأحادي المطلق التي خرجت بها العقلية الأوربية (خاصة مع سيطرة العنصر الجرماني عليها بعد مرحلة العصور الوسطى الرومانية والمرحلة القديمة الكلاسيكية الإغريقية)؛ هذا البديل الذي تسعى المقالة لاستكشاف آفاقه وتلمس الطريق إليه يهدف إلى تفكيك التلقي العربي أو "التبعية الثقافية" العربية لفكرة الثنائيات الحدية نفسها، وإعادة إنتاج تمثلاتها أو أطرافها، من خلال الاستقطاب النخبوي الذي يمارسه المشهد الثقافي العربي ونخبه الثقافية والأيديولوجية، والقائم على وجود وجهتي نظر تتصارعان صراعا صفريا في العديد من المجالات استنادا للسياق الأوربي/ الغربي وإعادة إنتاجه عند الذات العربية، وذلك من خلال تطبيقين أو نموذجين عربيين لهذه الثنائية الحدية.. النموذج الأول هو الثنائية الحدية بين: الثقافة والحضارة، والنموذج الثاني: هو الثنائية الحدية بين الهوية والتنوع الثقافي.
الثنائية الحدية بين الثقافة والحضارة
النموذج الأول هو الثنائية الحدية والجدل الصفري الذي يطرحه البعض بين الثقافة والحضارة، حيث هناك فريق ينتصر لفكره الحضارة بتمثلاتها المادية والواقعية الخشنة، في مواجهة فكرة الثقافة بتمثلاتها القيمية الناعمة، ويعيد هذا الفريق إنتاج الثنائية الحدية الغربية بين هيجل المثالي وماركس المادي بشكل مستبطن ومضمر، مع عدم التفات هذا الفريق أو جُل الثقافة العربية عامة لمسألة شديدة الأهمية، تتعلق بمصدر الحدية أو وهم امتلاك الحقيقة الفلسفية المطلقة لدى العقلية الغربية، وهي أن هيجل المثالي تقوم نظرته الوجودية للحياة على فكرة المثالية المطلقة الجدلية، والجدلية هنا بمعنى التي تجمع بين المثالي والمادي معا من ثم فهي مطلقة أو شمولية أو تقدم الحل للنهائي (للجدل المجرد الذي اخترعته الذات الغربية مع العقلية اليونانية قديما بين المثالي القيمي والمادي الواقعي)، من خلال دور الدولة المسيحية الشمولية في الحياة وتنظيمها للبناء الطبقي وتوزيع المهام والأدوار في المجمتع، استنادا لهدف أعلى وهو تمثيل دور السماء (واقعيا وروحيا) في الأرض، وعلى عكس ما يروج الأيديولوجيون العرب والنخبة الثقافية التي تتبعهم خوفا من هجومهم المنظم، فإن ماركس يسير على خطى أستاذه هيجل في تصوره المادي فماركس قدما تصورا للمادية المطلقة التي تجمع بين الشكل المادي والواقعي لإدارة الدولة من خلال الانتصار للعمال والعمل اليدوي، لكن مع هدف وتحليل مثالي في نهاية المطاف يرى أن الدولة العمالية وتطور النسق المادي للعمل والإنتاج سيؤدي إلى شيوع حالة من الكفاية والفوائض تحقق الجنة على الأرض وليس في السماء، ومن ثم نشأت في تلك اللحظة "المسألة الأوربية" ووهم الحضارة المطلقة الحدية التي ما تزال تسيطر على العقلية الغربية، وعلى الذين وقعوا في "التبعية الثقافية" أو "التبعية الأيديولوجية" لها.
وحين نعود للتمثل العربي لفكرة الثنائيات الحدية الأوربية وموضوع جدل الحضارة والثقافة؛ سنجد أن هذا الفريق يمارس الفلسفة الحدية المطلقة ذاتها التي تقوم على وجود جانب واحد شمولي للحياة يمارس عنفه وسطوته الثقافية على الجانب الآخر ويدعي تبعيته له، فدعاة المركزية الحضارية وتهميش الوجود الثقافي في المشهد العربي يقيمون استقطابا صفريا وحديا بين المكونات الثقافية الناعمة والمكونات الحضارية الخشنة، ويقدمون سردية للوجود العربي تستحضر من التمثلات والشواهد ما يدعم هذه السردية.
ويصبح الأمر إشكاليا شديد التأزم عند تطبيق الثنائية الحدية التي يطرحونها بين الثقافة والحضارة في اللحظة التاريخية الراهنة؛ التي تدفعها نظريات الصدام الحضاري الغربية عند هينتجنتون وفوكوياما ويرنارد لويس، لأنه وفق تلك السردية واستقطاباتها مع تمثيل "الصهيونية" للذات الغربية، وحضور سردية "المركزية العنصرية السوداء" (الأفروسنتريزم) من أثيوبيا، وتراجع السردية العربية وتمثلاتها الناعمة والخشنة.. فإن التأويل والنموذج المعرفي الذي يقدمه هذا الفريق سوف ينتصر للتمثلات الماديه للحضارة التي يقدمها الآخر، ويروج لتأويلات فلسفية ترى حتمية الانسحاق والتذويب للذات العربية في الآخر المركزي ومسألته الأوربية القديمة عن الحضارة المطلقة الحدية.
وعلى الكفة الأخرى استدعى هذا الفريق بتبعيته المتطرفة للمسألة الأوربية؛ تمثلا متطرفا مناظرا من عند الذات العربية على المستوى الأيديولوجي والمثالي، وهو ما يمكن تسميته بـ"فرق الدين السياسي" المعاصرة في البلدان العربية الإسلامية، التي أنتجت نظرية مطلقة مضادة تستند إلى السماء وقيمها المثالية، نتجية غياب التمثل الواقعي أو المادي للحضارة لكي تواجه دعاة المسألة الأوربية وثنائيتها الحدية ونظرتها لنفسها بوصفها الحضارة المطلقة، سواء في شكلها المثالي المادي عند هيجل والدولة التي تنظم المجتمع وتوزع الأدوار والطبقات لتحقق وجود هذه الدولة المسيحية المطلقة، او في شكلها المادي المثالي عند ماركس والدولة التي تنظم المجتمع والأدور والطبقات لتحقق وجود الدولة العلمانية المطلقة.
وتصبح الإشكالية أبرز؛ وتصل الذات العربية لحالة الانسداد الراهن حينما يتحكم في "الفرز المجتمعي" و"التنخيب الزائف" هذا الفريق بتبعيته للمسألة الأوربية أو ذلك الفريق العربي بموقفه الدفاعي رد الفعل الذي أنتج مسألة مطلقة أخرى مضادة، أو رد فعل لتواجه النظرة الحدية الغربية سواء عند هيجل المثالي المسيحي أو عند ماركس المادي العلماني.. وتكون هذه ذروة الإشكالية وحالة الانسداد الرهن لدى الذات العربية؛ لأنها تمنع "الفرز والتنخيب الطبيعي" وظهور الأفراد أو "الكتلة الجامعة" التي تدافع عن مستودع الذات العربية بفطرتها وموهبتها الطبيعية؛ لأن المشهد النخبوي العربي وتمثيلاته كلها تقوم على استقطاب العناصر المتطرفة التي تنتصر إما لمركزية التطرف الغربي المثالي أو المادي، أو التي تنتصر لمركزية التطرف العربي الذي هو رد فعل يراه البعض مبررا، ويصل المجتمع لحالة الانسداد التي نقابلها منذ ظهور ظهور الدولة العربية الحديثة او "دولة ما بعد الاستقلال" عن الاحتلال الأجنبي في القرن الماضي، وهو الانسداد الذي وصل لمداه الأبرز في مرحلة الثورات العربية في القرن الحادي والعشرين؛ حينما عجزت التمثلات النخبوية العربية سواء في السلطة أو في المعارضة -يمينا ويسارا- عن وضع تصورات بديلة للمستقبل، وتشققت السرديات الجيوثقافية العربية تماما أمام السرديات الإقليمية والعالمية، وأصبحت معظم الدول العربية تحت تهديد التفكك والذوبان لصالح سرديات جيوثقافية أخرى.
الثنائية الحدية بين الهوية والتنوع الثقافي
في السياق ذاته سوف تتناول المقالة ثنائية حدية أخرى ذات صلة بالجدل بين الحضارة والثقافة أيصا؛ وهي الثنائية الحدية والصراع الصفري المطروح حاليا بين فكرة الهوية بوصفها مكون للتأكيد على الذات العربية الإسلامية في متونها العامة والرئيسة، وبين الهوية بوصفها التنوع أو التعدد في الهوامش الثقافية أو الثقافات الفرعية الموجودة في سياق الذات العربية الإسلامية، فلقد اخترع بعضهم استقطابا حديا في مسألة الهوية...، فيرى الفريق التابع للمسألة الأوربية ومركزية فلسفتها المطلقة الحادية، أن الهوية تمثل صراعا حديا بين الهوية الثقافية الجامعة وحضورها في بينية المتون العامة للذات العربية، وبين حضورها القائم على التنوع الثقافي أو التعدد الثقافي في الثقافات الفرعية الموجودة في نطاق الذات العربية الإسلامية، وفي هذه النقطة يشير المشهد الراهن إلى أن استقبال الدراسات الثقافية الغربية في المشهد العربي اتبع المسار الفلسفي ذاته للصراع بين المتون الثقافية والهوامش الثقافية (التي لها تبريرها في السياق الغربي)، وتم تطبيقه على الذات العربية مختلقة الدراسات الثقافية العربية في حضورها الراهن استقطابا حديا لا يتفق مع السياق العربي المتعايش بطبيعته، بين المتون الثقافية الرسمية وبين المتون العربية غير الرسمية أو الفرعية، وهو ما التفت له جيدا في كتابي الأحدث بعنوان: "مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة: مشروع المشترك الثقافي نموذجا تطبيقيا"، وطرحت البديل العربي له في مذهب فلسفي جديد يقوم على "التمفصل الثقافي" و"المشترك الثقافي"...
بينما في الثنائية الحدية بين الهوية والتنوع الثقافي القائمة حاليا؛ يقف دعاة الدفاع عن الذات العربية في ظل غياب سرديات رسمية فاعلة، معتبرين أن الهوية الجامعة ومتونها المتخيلة (رغم انكسار الواقع وتمثلاته) تمثل الممانعة الثقافية في وجه نظريات الصدام الحضاري/ الثقافي التي تتبناها أمريكا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، في حين يخرج البعض الآخر مروجا إلى أن تلك الهوية وتمسكها بالممانعة الثقافية تقف في مواجهة مع قيم التعدد الثقافي والتنوع الثقافي وتناقضها!
وإذا كنا لنتحدث عن أهمية الممانعة الثقافية؛ فنحن في لحظة تاريخية نجد فيها الممانعة فعلا ثقافيا وجوديا يكاد لا يجود بديل وجودي غيره للذات العربية، لأن الغرب متفوق في حربه ضد غزة وضد فلسطين ويملك القدرات الهائلة حربيا واقتصاديا وتقنيا، كما أنه يمارس سياسات خارجية ضد الذات العربية تعتمد على تفجير التناقضات الهوياتية التي توظف مفاهيم التنوع والتعدد الثقافي، في سوريا وفي لبنان وفي السودان وجنوبه وفي العراق، وكذلك في معظم الدول العربية التي تبدو عندها تلك الملفات هادئة حتى الآن، وفي الوقت نفسه تحتاج الذات العربية إلى خطاب جديد وسرديات جديدة، تتجاوز الانسداد السياسي للسرديات القائمة في الأبينة الرسمية وفي أبنية المعارضة السياسية على السواء، سرديات جديدة تنقد عجز الوضع الراهن وانسداده لكنه تطرح البديل ولا تُستلب للآخر الحضاري الثقافي وتمدداته، سرديات تمارس النقد الذاتي لكنها لا تروج للانسلاخ عن الذات العربية ولا تقول بفسادها التام والمطلق، وأن المتون العربية لا تتعارض مع التنوع في المكونات الثقافية الموجودة في الحاضنة العربية الواسعة.
اإن لاستقطاب بين الثقافات المركزية والهوامش هو نتاج للمسألة الأوربية وتمددها خارج حدودها في العهد الاستعماري بمفاهيم حدية وشمولية تجاه الآخر، حيث يخبرنا التاريخ أنها جاءت وليدة لمجتمعات المركز الأوروبي وسياقها الخاص، إذ أن فكرة التعدد الثقافي والهويات الفرعيه نشأت حينما خرجت الجماعات الأوروبية من قارة أوربا، لتغزو المجتمعات التي ظنت أنها مجتمعات جديدة، وأنكرت فكرة الآخر ولم تعترف به من منطلقات ثقافية دينية (مسيحية) وعلمانية (داروينية)، فكانت تمارس عمليه القتل وفق الهوية الثقافية ضد الهنود الحمر، والاستعباد ضد الأفارقة في أمريكا الشمالية، وسياسات التمييز الاجتماعي وفق الهوية في المجتمعات الاستيطانية الجديدة في أستراليا وفي جنوب أفريقيا، وهي السياسات نفسها التي تمارسها دولة الاحتلال "إسرائيل" تجاه المواطنين الفلسطينيين.
كانت فكرة النفي الثقافي للآخر؛ تأتي انطلاقا من وهم الحضاره المطلقة الشمولية الحدية، واعتقادها اليقيني أنها ذروة التطور البشري ماديا ومثاليا، حضاريا وثقافيا، هيجليا وماركسيا، ولا تستحق جماعة بشرية أخرى الوجود إلى جوارهم، ثم مع استقرار تلك المجتمعات الجديدة وفي لحظة معينه شعر هؤلاء أنهم أصيبوا بالحرج الانساني حينما أصبح الوجود البشري أكثر اتصالا واستذكارا للماضي مع تطور وسائل الإعلام والتدوين والاتصال، فطورت الحضارة الغربية مفاهيم التعدد الثقافي والثقافات الفرعية، لتتعايش مع من اعتبرتهم من قبل بلا قيمة من السكان الأصليين في المجتمعات الجديدة التي احتلوها، معتبرين أنهم ثقافة مركزية عليها أن تتسامح مع ماضيها وتقبل هؤلاء باعتبارهم ثقافات فرعية! وكذلك عليهم أن يتخلوا ظاهريا عن فكرة الثقافة المطلقة الواحدة ويقبلوا بفكرة التعدد الثقافي في مجتمعاتهم الجديدة...
ولكن كل هذا كان قشرة خارجية إذ أن متون الحضارة الأوربية ظلت تعمل وفق وهم الحضارة المطلقة على مرحلتين؛ المرحلة الأولى مرحلة الحضارة المطلقة وصراعها الثنائي بين الليبرلية المطلقة والشيوعية المطلقة، محاولين تجنيد كل دول العالم وثقافاتهم في الصراع الثنائي الحدي بين الجانبين في القرن العشرين، والمرحلة الثانية حاليا تقوم على ثنائية حدية جديدة بين "الأوراس الجدد" أي شرق أوربا الذي تقوده روسيا ومعها الصين بمشروع "الحزام والطريق" وتمدداته، وبين "الأطالسة" غرب أوربا ومعهم أمريكا التي تسعى لإخضاع أوربا أيضا، في مركزية جديدة تعيد إنتاج وهم الحضارة الغربية المطلقة، وليس كما يتخيل البعض تعدد أقطاب عالمي جديد.
على المستوى التاريخي؛ وفي سبيل تفكيك الثنائية الحدية بين التعدد الثقافي والثقافات الفرعية والمتون الثقافية، سنجد أنه كانت المجتمعات في الحضارات القديمة تمارس بطبيعتها التعدد الثقافي والفرعي بشكل تلقائي، بين المدن التي تقع في ملتقى التجارة والتبادل التجاري وبالقرب من المنافذ والممرات البحرية والتجارية، وبين المدن والمجتمعات التي تعيش وفق نمط حياة مكتفي بذاته ومنعزل لحد بعيد، فالمدن التجارية والبحرية كانت بطبيعتها ملتقى لتبادل السلع التي تنتج في أماكن مختلفة ووفق طباع وعادات مختلفة، من ثم كان تقبل باجتماع كل تلك الثقافات والطباع، أما المدن التي كانت تعيش وفق نمط حياة مستقل سواء على الرعي مثلا أو على الزراعة على أعالي الجبال أو الوديان أو الجداول الصغيرة، كانت تعتبر نفسها ذات ثقافة خاصة باختيارها الخاص والطوعي.
نقد ثنائية الكوزموبوليتان والمجتمع المحلي
ويمكن أن نصف مدن التجارة والسفر بأنها مدن تتسم بالعالمية الثقافية المتنوعة أو ما يسمونه "الكوزموبوليتان"، مثلا في مصر كانت الموانئ المصرية في الإسكندرية ودمياط مدنا تجارية تستقبل المسافرين والتجار من كل مكان، من ثم كانت مدنا عالمية الثقافة "كوزموبوليتان"، في حين مجمتع سيناء كان مجتمع بدوي أقرب للنمط الواحد وبعيد جغرافيا عن ملتقيات التجارة ومراكزها، وكذلك مجتمع النوبة جنوب مصر، ومثله مجتمع الواحات الغربية في صحراء مصر الغربية.. حتى على المستوى اللغوي كانت مدن التجارة والسفر وملتقى الرحلات سريعة التأثر في عمليات التداخل والتلاقح اللغوي والثقافي، وحضور التعدد في العادات والإرث المتنوع الذي يعبر عن مجمل الحاضرين والعابرين والمقيمين، لإتمام عملية البيع والتداول التي تقتضي بها مصلحة البشر وضروريات حياتهم.
الملاحظة الأبرز أنه بين مدن الكوزموبوليتان والتعدد الثقافي، والمدن الأبعد جغرافيا الأقرب لنمط الحياة المغلق وتقاليده الثقافية الواحدة؛ لم يكن هناك أبدا خرافة الصدام الثقافي والنفي للآخر أو ما يسمى بالثنائية الحدية! بل كان كل مجتمع له طبيعته الخاصة التي يقوم عليها نمط حياته عموما، وكل منهما كل يتقبل طبيعته، ولم يحدث أصلا ظهور لفكرة التفوق الثقافي والمركزية التي قامت عليها الحضارة الأوربية بينهما، سوى بقدر اختيار كل جماعة إنسانية بين طرق الحياة.
حتى القبائل العربية التي هاجرت إلى مصر من شبه الجزيرة العربية في أوقات التصحر وضيق العيش؛ كان عليها أن تختار ما بين الاندماج والذوبان في نسيج المجتمع المصري ونمط الحياة وتقاليده المتوارثة في مدن الشريط النيلي الزراعية القديمة، أو تختار أن تحيا على أطراف تلك المدن لتحافظ على خصوصيتها بعيدا عن مركز الحضارة المصرية التاريخية المتمثل في مدن الشريط النيلي ونمط حياته، فهنا المركزي كان نمط حياة تاريخية موروثة بطبيعته لم يهتم بفرض هذا النمط أو تفكيك وجود أي نمط مجاور غيره، وما سمى بالفرعي كان نمط حياة تم اختياره بمحض الإرادة التامة معتبرا أنه مركزا بذاته ومعتدا بنفسه، ووفق رغبة أعضاء هذا المجتمع الفرعي للحفاظ على تقاليده التي يراها مركزية في نطاقه، ودون وجود سياسة كلية للصدام أو الحدية (الثنائية الحدية) بين مدن النيل التاريخية بوصفها مركزا فرضته الطبيعية الجغرافية للبلاد، وبين تجمعات الأطراف الأبعد بوصفها "مركزا" مستقلا في حد ذاتها تقوم على فكرة الاختيار الطبيعي والتفاعل والتجاور والتعايش.
لذا فإن محاولة فرض ثنائية الصراع الحدي التي طورتها الثقافة الأوربية/ الغربية، بين المركزية الثقافية وهويتها التي كانت تقوم بها الجماعات الأوربية الغازية تجاه سكان المجتمعات المحلية وثقافتهم وتقاليدهم، التي يغزونها في أمريكا واستراليا ويستعبدونها في أفريقيا، ليست سوى إحدى آليات تفجير التناقض وتفكيك مجتمعات خارج المركز الأوربي، لتسير في أوهام الحضارة المطلقة وخرافاتها الثقافية عن تصور فلسفي وجودي قائم على الحدية والشمولية والأحادية ونفي الآخر.
الغرب: من الثنائية الحدية الأيديولوجية إلى الحدية الثقافية
وفي ملاحظة شديدة الأهمية؛ سنجد أن الحضارة الغربية احتفظت بتصورات المركزية والهيمنة في سياساتها الكبرى والصراع بين مركزيتين فلسفيتين أيديولوجيتين هما الشيوعية والليبرالية (الماركسية والهيجلية) في القرن العشرين، وبعد سقوط الشيوعية وتطوير أمريكا فكرة الصدام الحضاري/ الثقافي، طورت روسيا أيضا فكرة في المسار نفسه تقوم على الحدية الثقافية أيضا لينتقل الغرب من الحدية أو الثنائية الحدية الأيديولوجية إلى الثنائية الحدية الثقافية، فلقد طورت روسيا نظرية "الأوراسية الجديدة" التي تعتمد على وجود تناقض ثقافي أو جيوثقافي مركزي بين شرق أوربا بثقافته وطبيعته الجيوثقافية البرية، وبين غرب أوربا بطبيعته والجيوثقافية البحرية، مبرزة الحدية الثقافية من خلال الصراع بين شرق أوربا الأوراسي وقيمه المسيحية الأرثوزكسية (منطقة آسيا وأوربا)، وبين غرب أوربا المطل على المحيط الأطلسي وأمريكا وقيمه المسيحية البروتستانتية في الأساس، واعتبرت روسيا أن مركز العالم هو صراع جيوثقافي بين قوى البر "الأوراس الجدد" أي روسيا ومن تحالف معها وفي محيطها والجيوثقافي (الصين تحديدا)، وبين قوى البر "الأطالسة" أي غرب أوربا وأمريكا ومن تحالف معهم.
"التبعية الثقافية" وقولبة التجربة الإنسانية وفقا للمسألة الأوربية
إذا طرحنا مفهوم "التبعية الثقافية" فإنه يجب أن يرتبط مباشرة بمفهوم أطرحه منذ فترة، وهو مفهوم "المتلازمات الثقافية" التي صاحبت المسألة الأوربية ووهم أنها الحضارة المطلقة الشمولية والحدية، وفي سياق هذه "التبعية الثقافية" يعد مفهوم التعدد الثقافي والثقافات الفرعية مقاربة استعمارية جيوثقافية جديدة (يوضع في ثنائية حدية مع مفهوم الهوية ومتونها)، ساعية تلك المقاربة للهيمنة عبر التفكيك وتغيير الولاءات نحو الغرب، وتقديمه في صورة "التمثيل المطلق" الذي يحمي أقليات الشرق العربي الإسلامي من متونه ومركزياته التاريخية!
في حقيقة الأمر الذين يروجون للاستقطاب الحدي بين الهوية ومتنوها من جهة، وفي الجهة الأخرى يضعون الثقافات الفرعية والتعدد الثقافي.. هم عقليات مُستعمرة أو عقليات موظفة من قبل المسارات المركزية للحضارة الغربية المطلقة ودبلوماسيتها الثقافية، على حساب القيم التاريخية التي تحملها المجتمعات خارج المركز الأوربي/ الغربي.
من زاوية أوسع؛ تعد نظريات الثقافة التي تتحرك وفق تصورات الثنائية الحدية عموما؛ والثنائية الحدية للمتون والهوامش والمراكز والأطراف خصوصا؛ أدوات للهيمنة والاستعمار الناعم بعد تراجع الاستعار الخشن، هي تفجير للتناقضات والتنوعات المتجاورة في واقع تاريخي متعايش بين الجغرافيا الثقافية لمدن الملتقيات التجارية الجامعة، ومدن أو مجتمعات النمط الحياتي الواحد وتقاليده الأبعد عن ملتقيات التجارة والسفر، فالعالم القديم وحضاراته ببنيته الجغرافية وتوزعها الطبيعي بين الملتقيات والمنعزلات، كان متعايشا باختيار المجموعات البشرية.
في حضارات العالم القديم؛ كانت مدن الكوزموبوليتان أو المدن التي تقع وتنشأ في ملتقيات التجارة تمارس بالفعل تعددا ثقافيا لانها كانت ملتقى للقوافل والرحلات، أما المناطق التي كانت تعيش على المستوى الجغرافي الأبعد فكانت تمارس انعزالا واحتماءا بثقافتها الخاصة، لم تقم المدن التي تقع في ملتقيات التجارة بغزو الأماكن الجغرافية البعيدة، لتفرض عليه نمط حياة وتقاليد موروثة غير قابلة للتطبيق بها، ولم يهتم أصحاب الأماكن الجغرافية البعيدة بغزو المدن البحرية أو المدن التي تقع في ملتقيات الحضارة.
الذات العربية: بين الممانعة الثقافية وبناء سردية وجودية جديدة
من ثم في ظل استمرار وهم الحضارة المطلقة الحدية ( وثنائياتها الحدية)، وإعادة إنتاجها مجددا في القرن الحادي والعشرين بين "الأوراس الجدد" شرقا و"الأطالسة" غربا؛ تبقى الممانعة الثقافية العربية اختيارا وبديلا لا مفر منه بشكل مرحلي إلى حين تيقن التمثلات العربية سلطة ومعارضة، من أهمية الالتفات إلى بناء سردية جديدة وأن تمترس كل فريق حول سرديته القديمة وإرث القرن العشرين، لن يؤدي سوى للمزيد من تمدد الآخر الغربي، وتفكيك البلدان العربية واحدا تلو الآخر وتفجير التناقضات فيها باستخدام فكرة الثنائيات الحدية، وتوظيف بعضها ضد بعض، لتصبح الممانعة الثقافية العامة وطرح سيناريوهات وسرديات ثقافية/ جيوثقافية بديلة حتى ولو لم تتحقق بعد على أرض الواقع، هو حق التمايز الوجودي للذات العربية والنخب التي تنتمي لفكرة الدفاع عنها وعن "مستودع هويتها"، تمهيدا لتيقن جميع الأطراف السياسية من ضرورة ظهور سردية عربية جديدة تتجاوز انسداد السرديات التي ورثناها من القرن العشرين بمختلف أشكال حضورها وغيابها.
من جهة أخرى تعد الممانعة الثقافية حقا وجوديا استشرافيا له رمزيته في وجه الحضارة المطلقة والمسألة الأوربية ووهم ثنائياتها الحدية ومتلازماتها الثقافية، لأن الممانعة الثقافية بمفهوم الحق في وجود سردية تتجاوز وهم السردية المطلقة تعد –بنسبة كبيرة- هي الشكل الجذري الوحيد في القرن الحادي والعشرين (مع الوعي بأن السردية الماركسية العلمانية المادية في مواجهة السردية الهيجلية المسيحية المثالية، في القرن العشرين، لم تكن أبدا طرحا جذريا بقدر ما كنت الشق الآخر من الثنائية الحدية، ووجه العملة اللآخر للحضارة المطلقة الشمولية الأحادية الغربية).
تقف الممانعة الثقافية مؤكدة على حق مجتمعات ما خارج المركز الأوربي القديم في التمايز الوجودي وفلسفاته، بعيدا عن وهم الفلسفة الأحادية المهيمنة الحدية، بالاستناد لفكرة النظرية المطلقة الهيجلية المثالية المادية أو الماركسية المادية المثالية، حتى تنجح البشرية في التحرر وفرض فلسفة مركزية جديدة تقوم على "التداول الحضاري" والتنوع والتعدد الثقافي الحقيقي بين الأمم والجماعات الإنسانية.
لتبرز "الممانعة الثقافية" بوصفها فعلا حضاريا رافعا في الوقت ذاته، لأنها نقطة الانطلاق الفلسفي لنقض وهم الحضارة المطلقة، وهي الأساس الأول في مسار بنية حضارية إنسانية جديدة، من ثم في مجتمعات خارج المركز الأوربي لا يوجد صراع بين الثقافة والحضارة كما يروج دعاة المسألة الأوربية والمستلبين لوهم الحضارة المطلقة وتمثلاتها، إنما الحضارة والثقافة هما بنيتان متصلتان متكاملتان، تحضر الممانعة الثقافية لتكون "مفصلا" روحيا ونفسيا يدفع مجتمعات خارج المركز الأوربي لبناء "تراكم حضاري" جديد في لحظة ما، يحقق في يوم ما حلم البشرية الجديد باستعادة فلسفة "التداول الحضاري" وتمثلاتها الثقافية.
لكن تبقى نقطة التحول التاريخي الكامنة والمؤجلة في الزمن والتي تؤهل لبناء لحظة عربية مركزية جديدة؛ هي وجود قناعة بـ"مشترك مجتمعي" عام ينتقل بنا من حالة الممانعة الثقافية بوصفها فعلا رمزيا وجوديا للصمود ووقف تمدد الآخر؛ إلى الاتفاق على حالة العمل والسعي لبناء سردية عربية جديدة، يتفق الجميع فيها على تجاوز الاستقطاب الداخلي وتناقضاته وانسداد سرديات القرن العشرين، والعمل للتمفصل حول لحظة تاريخية جديدة، تنتج سردية جدية للعبور للمستقبل.



