في كل زاويةٍ نكتبها، لا نوثّق سيرةً فحسب، بل نكشف ملامح عالمٍ خفيّ، تسكنه أرواحٌ حولت الألم إلى حبر، والحنين إلى مسار.
عبر نافذتنا لهذا الأسبوع، نحمل بين السطور حكايةَ امرأةٍ نسجت من التناقض فنًّا، ومن الغربة وطنا، وسارت في درب الكتابة بقوة الكلمة، لا لتصف الحياة، بل لتعيد خلقها.
في مدينة طولكرم، حيث تتعانق الشمس مع جدران البيوت القديمة، ويمتزج الحرف بالحنين، وُلدت رولا خالد محمد غانم، لتكون شاهدة على وجع الأرض، وناطقة باسم الحكايات المنسية.
لم تكن مجرد ابنة للضفة الغربية، بل كانت صوتها، وحبرها، وذاكرتها الحيّة.
من باحات جامعة النجاح الوطنية إلى قاعات جامعة طنطا، ارتقت غانم سلّم المجد والحرف بحكمة الباحثة وعناد العاشقة. ناقشت في الماجستير بحثا بعنوان صورة "الآخر" في شعر المتنبي، ثم أمسكت بخيوط القدس في الرواية الفلسطينية، وحلّقت برسالتها للدكتوراه، حائزة مرتبة الشرف الأولى.
لكن رولا غانم لم تكن فقط أستاذة جامعية تُدرّس الأدب العربي في جامعة القدس المفتوحة، وفلسطين التقنية، والنجاح، والروضة، لتدخل قلوب الطلاب بأسلوبها الرائع، بل كانت أعمق من ذلك. كانت ولا زالت أم الأسير بعد اعتقال ابنها الصغير، ولسان حال أمهات الأسرى بعد انغماسها في قضيتهم ودفاعها المستميت عن الحركة الأسيرة، و سيدة الحرف الذي لا يساوم، والأنثى التي تمشي بين الناس بقلب شاعر وعقل محارب، وروح إنسان. لترسخ لقب"أيقونة نضال" في وطنها والدول التي دعتها لتمثيل فلسطين.
كتبت رواياتها كما يُكتب النداء الأخير قبل انطفاء الحلم.
✔️ الخط الأخضر،
✔️ لا يهزمني سواي،
✔️ نبضات محرّمة،
✔️ مشاعر خارجة عن القانون،
✔️ عناق على حاجز إيريز،
✔️ وتنهيدة حرية
والتي أدرجت ضمن منهاج جامعة عين شمس في القاهرة، لم تكن أعمالها مجرد أعمال أدبية، بل شهادات وجع وأدوات للدفاع عن الحق، وبعضها تُرجم للعالم بلغة أخرى، لتصل للعالمية بعد أن بيعت أعمالها على منصات دولية لتصبح بين يدي العالم، لتُعلن غانم أن الرواية الفلسطينية لا تعرف الحدود.
رولا ليست كاتبة فقط، بل صانعة محتوى مؤثرة وحياة، فقد استقطبت مئات آلاف المتابعين عبر السوشال ميديا، وسجلت اسمها على جدار الإنسانية حين راحت تلملم خيوط الحكايات من بين أزقة مخيمات الحسين والوحدات والزعتري وغيرها وتطلق المبادرات الإنسانية في الأوقات الحالكة، قادت وأسست غانم "فريق صُنّاع الحياة الفلسطيني" بعد انخراطها بالشباب من خلال التدريس الأكاديمي، ذاك الكيان التطوعي الذي يجمع مئات الشباب الفلسطينيين، ليزرع الأمل والقيم حيثما عبر.
مثّلت فلسطين في المهرجانات والمؤتمرات، ونالت الأوسمة من الداخل والخارج، واحتضنتها عدة عواصم، ولكن ظلّ حضن فلسطين الأكبر، هو ما يشعل في قلمها الحياة كل يوم.
رولا غانم هي موج البحر حين يغضب، وهمس الزيتون حين يُصلّي، هي أنثى من نور، تقاوم بالنص، وتحيا بالكلمة، وتكتب لتبقى فلسطين ملتصقة في الذاكرة، لا كقضية فقط، بل كأغنية، كرواية، كحياة.



