الكاتبة : أسماء ناصر أبو عيَاش
يتبدّى كتاب المحرقة، "الانبعاث"، النكبة للكاتب الإسرائيلي "يائير أورون" لا بوصفه وثيقةً تاريخية صماء، بل كمتنٍ سردي يتصارع فيه الذنب مع الذاكرة والتاريخ مع الأسطورة.
ينطوي هذا الكتاب بالذات على إشكالية فكرية وتاريخية تستحق نقاشاً نقدياً جاداً ينصب على تفكيك السردية والتأطير، إذ يحاول أورون الربط بين ثلاثة أسطر مفصلية هي المحرقة، وإقامة إسرائيل، والنكبة الفلسطينية. فمن ناحية، يعري الكتاب استخدام الذاكرة والتروما ـ الصدمة اليهودية كأداة لتبرير محو النكبة الفلسطينية وإخفائها من الوعي الجمعي. غير أن الصدمة الأدبية والتاريخية تتأتى من فكرة التوازي التي يحاول خلقها، فهل يستقيم وضع المأساة الفلسطينية في الكفة ذاتها أو إخضاعها لنسق الشرعية نفسه مع الهولوكوست؟
تتجلى نقاط القوة في هذا الطرح من خلال جرأة الكاتب من الداخل وكسره للتابوهات الإسرائيلية عبر الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية عن النكبة، ناهيك عن تحليله للسرديات وتفكيكه لأسلوب تشكل الأسطورة الوطنية وبنائها على حساب مأساة شعب آخر. ومع أن أورون، بوصفه مؤرخاً إسرائيلياً نقدياً، يحاول تقديم قراءة أخلاقية وإنسانية، إلا أن محاولات تأطير النكبة دائماً عبر بوابة المحرقة هي بحد ذاتها نمط من أنماط المركزية الاستعمارية الجديدة..
يقوم الكتاب على بناء درامي متوتر بين ثلاثة أقانيم تشكل الوجدان الجمعي؛ إذ يتناول الكاتب المحرقة كمظلمة تأسيسية بوصفها تروما تتجاوز الزمن، لكنها تُحوَّل وعن قصد إلى درع أخلاقي يصادر حق الآخرين في الشكوى، كما يتناول الانبعاث كإغلاق قسري للمأساة. وهذا ـ من وجهة نظر الكاتب ـ يتجلى كونه انبعاثاً بُني على نفي وجود الآخر، فقيامة طرف تبدو مستحيلة دون طمس أرض الطرف الآخر، كذلك يتناول النكبة كجرم مسكوت عنه أدبياً وتاريخياً في الفكر الصهيوني يواجه السردية الإسرائيلية الرسمية، موضحاً كيف تُبنى البطولة الوطنية على جغرافية الغياب والإلغاء.
إن اللافت في النص أدبياً هو اشتغاله على سيكولوجية الإنكار، إذ يفكك أورون لغة المؤسسة التي حولت التهجير والنفي إلى رحيل، وحولت المأساة إلى جغرافيا فارغة مستخدماً لغة تفكيكية مشحونة بمرارة من يرى أمة تفر من كونها ضحية لتصنع ضحيتها الخاصة.
وفي قراءة موضوعية لكتاب يائير أورون الصادر عن مركز مدار ـ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية والذي ترجمه أسعد زعبي ونقحه وقدم له أنطوان شلحت، نرى أن هذا البحث لا يكتفي بتقديم تواريخ، بل يقدم تشريحاً لضمير مأزوم. وهنا نعود إلى ثيمة النص الأدبي الإنساني حين يكتبه الآخر ليغسل خطيئته أو ليضع النكبة في مقارنة مع المحرقة، لنتساءل إن كان ذلك يحرر الضحية أم يعيد استعمار مأساتها.
حين نسحب النكبة إلى مربع المقارنة، فإنها تفقد فرادتها الاستعمارية الناتجة عن سلب أرض وتهجير شعب مستمر حتى اللحظة. فالمحرقة ـ إن سلمنا جدلاً بارتكابها، وفي هذا آراء ومواقف متناقضة حيناً ومتساوقة أحياناً ـ كما يُدَّعى هي جريمة إبادة تمت وانتهت بانتهاء النازية، بينما النكبة ليست مجرد حدث في الماضي عام 1948، بل هي جريمة نفي وإبادة ممتدة وعابرة للأجيال ونزيف يومي مستمر.
لعل الفكرة الرئيسة في موضوع هذا العمل هي ما ورد على خلفية الغلاف، وفيه ما يلخص أطروحة المؤلف والنقد الموجه لسعيه إلى إعادة الربط بين ثلاثة أحداث رئيسة هي؛ المحرقة وقيام إسرائيل والنكبة، باعتبار أن المحرقة وقيام إسرائيل هما الحدثان التأسيسيان للوعي اليهودي وتمحور مركزية الهوية والضحية في هذا الوعي.
يوضح النص من ناحية أخرى، أن عام 1948 يمثل انتكاسة للعرب ونكبة مؤسِّسة للوعي الفلسطيني، بحيث يتشكل وعي كلا الطرفين حول مفهوم الضحية، فاليهود طوروا هويتهم حول المحرقة في حين كانت النكبة ركناً أساسياً في وعي الفلسطينيين وهويتهم.
يصل أورون إلى أن المصالحة قضية مشروطة باعتراف متبادل، يتمثل في اعتراف إسرائيل بجرم عام 1948 وآثاره المستمرة، واعتراف الفلسطينيين بفعل لم يكونوا طرفاً فيه وهو المحرقة ومغزاها. وفي التظهير النقدي على الغلاف يقع المؤلف في ثغرة جوهرية كون قيام إسرائيل ناتجاً أساساً عن خطيئة النكبة، والتكفير عنها يتطلب اعترافاً إسرائيلياً غير مشروط وتحملاً للمسؤولية الأخلاقية لإعادة الحقوق لأصحابها، دون رهن ذلك بالمقارنة مع مساعي إسرائيل لاستغلال المحرقة كأداة أو طوق نجاة من اقترافها جريمة القرن بحق الشعب الفلسطيني .
قراءة في : كتاب يائير أورون المحرقة، "الانبعاث"، النكبة

