ثقافة

سيرة صالح علماني وأثره الثقافي

12 مشاهدة
سيرة صالح علماني وأثره الثقافي

الكاتبة : سهى زيدان 

ليست شهرة المترجم أمرًا مألوفًا في العادة؛ فالقراء يتذكرون أسماء الروائيين والشعراء أكثر مما يتذكرون أسماء من نقلوا أعمالهم إلى لغات أخرى. غير أن هذه القاعدة تكاد تنهار أمام اسم صالح علماني، ذلك المترجم الفلسطيني الذي استطاع أن يصبح، بالنسبة إلى أجيال من القراء العرب، جزءًا من تجربة القراءة نفسها. فكثيرون كانوا يختارون الكتاب لأن اسمه مطبوع على الغلاف، قبل أن يلتفتوا إلى اسم مؤلفه.

وُلد صالح علماني عام 1949 في مدينة حمص السورية لأسرة فلسطينية، ودرس الأدب الإسباني، ثم عمل مترجمًا في سفارة كوبا بدمشق قبل أن يتفرغ للترجمة الأدبية. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، كرّس جهده لنقل الأدب الإسباني وأدب أمريكا اللاتينية إلى العربية، حتى تجاوز عدد الأعمال التي ترجمها المئة كتاب، وهو إنجاز استثنائي في مجال الترجمة الأدبية.

غير أن أهمية علماني تتجاوز عدد الكتب التي حملت اسمه، إلى المشروع الثقافي الذي شكّله عبر مسيرته الطويلة. فمن خلال عمله الترجمي، انفتحت أمام القارئ العربي عوالم سردية جديدة، وعبرت إلى العربية أصوات أدبية كبرى، مثل غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وخورخي لويس بورخيس، وإيزابيل الليندي، وخوسيه ساراماغو، وإدواردو غاليانو. ولم تقتصر هذه الترجمات على نقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل حملت معها رؤى مختلفة للعالم، وأسئلة جديدة عن الإنسان والذاكرة والحب والسلطة والحرية، حتى غدا الأدب اللاتيني جزءًا أصيلًا من التجربة القرائية العربية.

ومن أبرز الأعمال التي نقلها إلى العربية: مئة عام من العزلة، والحب في زمن الكوليرا، وقصة موت معلن، وعشتُ لأروي، وحفلة التيس، وشيطنات الطفلة الخبيثة، وبيت الأرواح، وكل الأسماء، إلى جانب عشرات الروايات والمجموعات القصصية التي أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي العربي.

لم يكن صالح علماني مترجمًا يكتفي بنقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل كان قارئًا استثنائيًا يصغي إلى روح العمل الأدبي قبل الاقتراب من كلماته. لذلك جاءت ترجماته سلسة وعميقة في آن واحد، بعيدة عن الجمود الذي يرافق الترجمة الحرفية. وقد امتلك قدرة نادرة على الحفاظ على نبرة الكاتب الأصلية وإيقاعه الخاص، مع منح النص حياة طبيعية داخل العربية، حتى إن كثيرًا من القراء كانوا ينسون أنهم يقرأون عملًا مترجمًا. ومن هنا تحوّل اسمه إلى علامة ثقة راسخة لدى القراء العرب، ومرجع يُقاس به الإتقان في الترجمة الأدبية.

وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ حضور الأدب اللاتيني في الثقافة العربية، وفتح الباب أمام تحولات واضحة في الذائقة القرائية، وفي طريقة تلقي الرواية، وفي وعي الكتابة السردية نفسها، خصوصًا مع انتشار “الواقعية السحرية” بوصفها تجربة سردية مختلفة في النظر إلى العالم.

وخلال مسيرته، نال عددًا من الجوائز والتكريمات، من بينها وسام الثقافة والعلوم والفنون من دولة فلسطين عام 2014، وجائزة خيراردو دي كريمونا الدولية للترجمة عام 2015، وجائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة عام 2016، وهي تكريمات عكست مكانته في المشهد الثقافي العربي والدولي.

رحل صالح علماني عام 2019، لكن أثره بقي حاضرًا في رفوف المكتبات وذاكرة القراء، وفي الطريقة التي بات بها الأدب اللاتيني جزءًا من التجربة الثقافية العربية اليومية. لقد ترك وراءه أكثر من ترجمات؛ ترك طريقة جديدة في قراءة العالم، ووسع حدود العربية لتستوعب أصواتًا لم تكن لتصل إليها لولا هذا الجسر الذي بناه بصبر وهدوء ووعي عميق بمعنى الترجمة نفسها.