ثقافة

قراءة في "ملحمة القرن في فلسطين" الإبادة الصهيونية ضد أطفال وأجيال فلسطين من النكبة إلى حرب الإبادة في غزة

3 مشاهدة
قراءة في "ملحمة القرن في فلسطين" الإبادة الصهيونية ضد أطفال وأجيال فلسطين من النكبة إلى حرب الإبادة في غزة

الكاتبة: أسماء ناصر أبو عيّاش
حينما تكون الصورة أقوى من ألف كلمة، وثق الباحث المقدسي الأستاذ نواف الزرو جرائم ونازية الاحتلال الإسرائيلي ضد أطفال فلسطين في موسوعتيه الموسومتين بـ "ملحمة القرن في فلسطين الإبادة الصهيونية ضد أطفال وأجيال فلسطين من النكبة 1948 إلى حرب الإبادة في غزة 2023ـ2025" صورةً وخبرًا في الأولى والتي تصدّر غلافُها صورةَ الطفلة ذات الست سنوات هند رجب التي اخترقت جسدها 365 رصاصة. فيما وظف الباحث الجزء الثاني من ذات الموسوعة سردًا وعرضًا وتحليلًا تجاوزت صفحاتها ستمئة صفحة.
*العنوان:
يدل عنوان الموسوعة على اعتماد الباحث ربط خيوط القضية ليس كأحداث منفصلة بل كسيرورة ممتدة منذ عام 1948 حتى اليوم، والتركيز على الأطفال والأجيال، أي استهداف المستقبل والهوية الحية وليس مجرد صراع عسكري عابر! لذا فإن المتلقي يرى أن الباحث لا يتعامل مع الأحداث كتقرير صحفي بل كعمل موسوعي يعتمد على التوثيق كأداة لحفظ الذاكرة الجمعية في مجابهة محاولات الطمس والتشويه ومجابهة الرواية الإسرائيلية الصهيونية  الزائفة والتضلّلية. كذلك لم يكتفِ بالسرد؛ بل سعى لبناء أرضية قانونية وأخلاقية تدين نازية الاحتلال ويصف الإبادة بأنها خريطة مفتوحة ضد الأطفال والأجيال عابرة للزمن، فالاستهداف هنا ليس جغرافيًا وإنما استهداف ديمغرافي للمستقبل الفلسطيني.
يطرح الكاتب هنا فرضية مضادة للمشروع الصهيوني؛ فإذا كانت اسرائيل تلجأ لحروب التيئيس لكسر إرادة الفلسطيني ودفعه نحو الاستسلام أو التهجير، فإن المقاربة المقابلة تؤكد على أن الصراع صراع أجيال ممتدٍ وإنَّ فشل الاحتلالِ يكمن في عجزه عن شطب هذه الأجيال أو إنهاء فكرة الصمود والبقاء على أرض فلسطين.
في باب تحت عنوان " قراءة في المقدمات الاستراتيجية الممهدة للإبادة الصهيونية" صفحة 53 يتناول الكاتب حرب الإبادة الحالية  2023 ـ 2025 ليس كحدث مفاجىء أو رد فعلٍ آنيّ؛ بل كنتيجة لمقدمات ومخططات وفلسفة سياسية وعسكرية استراتيجية في الفكر الصهيوني.
لقد استطاع الأستاذ الزرو وبذكاء الباحث المحافظة على مسافة من الموضوعية والتوثيق الأكاديمي، بالرغم من كونه أحد مناضلي الشعب الفلسطيني، وكانت قد أصدرت محكمة سلطات الاحتلال الصهيوني بحقه حكمًا مؤبدًا بالسجن حتى تحريره بعد عشر سنوات خلال صفقة تبادل في سبعينيات القرن المنصرم. فبالرغم من هذا لم يطغَ على أسلوبه في البحث والسرد العاطفة المشحونة، بل برع الكاتب في الموازنة بين التركيز على إظهار مظلومية الفلسطيني كضحية دون الوقوع بفخ تنميط الفلسطيني كضحية سلبية بل كفاعل مؤثر ومقاوم. 
تكمن الفكرة المركزية للبحث في التوثيق كفعل اشتباك مستمر وأداة للعدالة المؤجلة، وفي محاولة تفكيك هذه الأبعاد الجوهرية للعمل، نرى أن جدلية الصمود والإبادة هي جدلية ثنائية المشهد، إذ لا يمكن أن نفصل أو ننطلق من تاريخ السابع من أكتوبر 2023 كحدث معزول؛ بل هو تكثيف لقرن كامل من الصراع والعدوان الإسرائيلي ضد كل ما هو فلسطيني، ممسكًا بخطين متوازيين، البعد الكفاحي والنضالي الأسطوري، أي توثيق ملاحم الصمود والبقاء على أرض فلسطين كفعل إرادي فلسطيني، والبعد الصهيوني الإجرامي الإبادي، أي توثيق الإبادة المنهجية والمبرمجة التي تستهدف الأطفال والمستقبل.
لقد تمكن الكاتب وبمهارة تجنيد أدواته المعرفية الواسعة في التوثيق اللحظي لحماية الرواية من التزوير وضمانة ألّا يتحول النص إلى بيان سياسي عاطفي يفقد قيمته القانونية، ويحمي المتلقي ـ بسبب التكرار ـ من بلادة المشاعر واعتياد الألم أو روتينية المشهد، بحيث انتقل بسلاسة صادمة من توثيق الحدث إلى توثيق الإنسان داخل الحدث وذلك بتفكيكه ـ أي تفكيك الحدث ـ من لحظة الموت إلى ما كان قبيل لحظات قميصٌ معلقٌ على حبل غسيل وإلى إعداد أم وجبةَ طعام لم تؤكل، من استجداء هند رجب للحياة إلى شعر يوسف الأشقر (الكيرلي). لم تكن الفكرة استجداء التعاطف مع الموت المطلق بل؛ مع الحياة التي بُتِرت، إلى الأحلام البسيطة التي اغتالتها قذيفة!
"ملحمة القرن في فلسطين" عمل إبداعي توثيقي أنسن الضحية بكامل أبعادها الإنسانية تبعد المتلقي عن مشهد البؤس وتدخله في مساحة متباينة من قسوة الواقع وعناد الضحية ما يدخله في حالة صدمة واعية تبهره وتدفعه للرغبة في المتابعة واتخاذ موقف جاد ضد الظلم وانحيازٍ للعدالة، وهذا ما لمسته شوارع العالم من انحيازٍ لفلسطين وإعادتها على خارطة الفعل الثوري المقاوم.
لم يتقمص الباحث في موسوعيتيه دور المؤرخ التقليدي الذي ينتظر انتهاء الحدث بل يؤمن بدوره كمؤرخ حقوقي مشتبك يعمد إلى جمع الأدلة والشهادات لمادة محاكمة تاريخية قادمة لا محالة.
تضمنت محتويات الموسوعة ستة أبواب مفصلة لفصول وخمس عشرة وثيقة عن حكايات مروعة للوحشية الصهيونية وفي عدة محاور منذ "دير ياسين" و(مشاهد ومجازر من النكبة 1948 وما  بعد، ودور المجازر والمذابح الصهيونية في تفريغ فلسطين وتحويلها إلى "أرض إسرائيل")، وثيقة لا تُهمل أسماء وحكايا أطفال استهدفت أرواحهم آلة الموت الإسرائيلية (والجيش الأكثر أخلاقية في العالم!) كما يدعي قادته.
إن ما يضفي على هذا العمل من أهمية ومصداقية هو اعتماد الباحث على شهادات حية لصحفيين عايشوا الحدث ووثقوه، وأورد هنا وفي ذات السياق مقتطف من مقال للكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس وهو ما جاء خلال مقابلة مع الجراح البريطاني من أكسفورد، الدكتور نيك ماينارد، الذي يتطوع في غزة منذ نحو سبعة عشر عاماً يقول في سياق مقالته:  "في نهاية الأسبوع، نُشر على شبكات التواصل الاجتماعي لقاء مدته ساعتان أجراه تاكر كارلسون مع الجرّاح البريطاني دكتور نيك حيث أدلى بشهادته عن الفظائع التي شهد بها ومما رآه بعينيه كانت تُسقِط الفك من هولها؛ أن جثثًا وصلت مقيّدة، وأطفالًا أُعدموا بإطلاق النار على أعضائهم التناسلية، ورُضّعًا ماتوا جوعاً، وخدَّجًا تُركوا بأمر من الجيش الإسرائيلي داخل الحاضنات، وعُثر عليهم موتى بعد بضعة أسابيع." 
لقد أجاد الباحث الأستاذ نواف الزرو في توثيقه لملاحم الإبادة الممنهجة ضد الكل الفلسطيني بشرًا وحجرًا وشجرًا وعلى مدى أعوام من البحث والتقصي، معتمدًا على ما ينثال من روايات على ألسنة صحافيين إسرائيليين وصحفٍ ومراجعَ إسرائيلية وأدانهم بألسنتهم، في سبعة وعشرين مؤلفًا وموسوعة ولن تكون آخرها (ملحمة القرن في فلسطين الإبادة الصهيونية ضد أطفال وأجيال فلسطين من النكبة 1948 إلى حرب الإبادة في غزة 2023 ـ 2025).
ختامًا، لم يكن الهدف من التوثيق مجرد رصد للضحايا بقدر ما هو تسجيل لكيفية مواجهة الضحية أدوات الفناء، وأورد هنا ما جاء على لسان الباحث "سنبقى في حالة اشتباك وجودي وجذري واستراتيجي مع المشروع والاحتلال الصهيوني، وسنواصل توثيق صرخات أطفال ونساء غزة وأنين مصابيها ـ وأضيف من جهتي كل فلسطين ـ وكأن يوم المحاكمة الحقيقية الجادة يأتي غدًا، وسنواصل توثيق ملاحم الصمود والبقاء الفلسطينية في مواجهة ذلك العدو المجرم الذي فاقت جرميته ونازيته كل ما اقترف من حروب...".