الاخبار الرئيسية

تقليص حراس الأقصى.. انتهاك اسرائيلي للوصاية الهاشمية وتمهيد لتهويد المقدسات

68 مشاهدة
تقليص حراس الأقصى.. انتهاك اسرائيلي للوصاية الهاشمية وتمهيد لتهويد المقدسات

الكاتب : اللواء بلال النتشة

يشهد المسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام واحدة من أخطر مراحله التاريخية، إذ يواصل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ إجراءات ممنهجة تستهدف تفريغ المسجد من حراسه وموظفيه، وتقويض دور دائرة الأوقاف الإسلامية، في مسعى واضح لتغيير الوضع القائم التاريخي والقانوني في الحرم القدسي الشريف. إن تخفيض عدد حراس الأوقاف الأردنية، وإبعاد العشرات منهم، وإلغاء تصاريح موظفين آخرين، ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تهدف إلى السيطرة على المسجد الأقصى وتهويده، وتجريد القدس من هويتها العربية والإسلامية.

تراجع تاريخي غير مسبوق
لقد كشفت التقارير الميدانية عن حجم الكارثة التي تتعرض لها منظومة حراسة المسجد الأقصى. فوفقاً لما أعلنته مؤسسة القدس الدولية، فإن عدد الحراس المناوبين في الفترة الصباحية قد تقلص إلى 20 حارساً فقط، وهو ما يشكل أقل من 39 بالمئة من العدد المعتمد رسمياً لكل مناوبة. وهذا يعني أن كل حارس بات مسؤولاً عن مراقبة مساحة تقارب 7400 متر مربع من المسجد المثقل بجنود الاحتلال ومستوطنيه في مختلف الأوقات.

ولم يأت هذا التراجع من فراغ، بل هو نتاج إجراءات إسرائيلية متواصلة ومتصاعدة، حيث قامت سلطات الاحتلال مؤخراً بإبعاد أكثر من 37 حارساً وموظفاً عن مقار عملهم في المسجد الأقصى، كما ألغت تصاريح 30 موظفاً إدارياً من الضفة الغربية بدءاً من الأول من حزيران/يونيو الجاري، مما حال دون التحاقهم بأعمالهم في دائرة الأوقاف الإسلامية.

وتتزامن هذه الإجراءات مع أزمة معيشية خانقة يعاني منها موظفو الأوقاف، نتيجة ارتفاع سعر صرف الشيكل الإسرائيلي وارتفاع معدلات التضخم، مما أدى إلى تراجع القيمة الفعلية لرواتبهم بنحو 15 بالمئة خلال الأشهر الستة الماضية، واضطر العديد منهم إلى طلب إجازات دون راتب .

البعد التاريخي.. وصاية هاشمية تمتد لأكثر من قرن
إن الدور الأردني في رعاية المقدسات الإسلامية في القدس ليس وليد اليوم، بل هو وصاية تاريخية تمتد لأكثر من مئة عام. فمنذ عام 1917، تحفظ وصاية الملوك الهاشميين على المقدسات في القدس الحقوق الدينية للمسلمين والمسيحيين وتضمنها، كما تحافظ على هوية المقدسات وسلامتها. وقد ورث جلالة الملك عبدالله الثاني هذه الوصاية عن أجداده الهاشميين، بدءاً بالشريف الحسين بن علي.

وعندما أعلن المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال قرار فك الارتباط الأردني بالضفة الغربية عام 1988، استثنى بشكل خاص المقدسات وأملاك الوقف في القدس الشرقية من القرار، مما أبقى على الوصاية الهاشمية. وتم التنسيق حول هذا الاستثناء مع الرئيس"ابو عمار "رحمه الله ، ثم تم الإقرار بهذا الدور الخاص للأردن في معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية لعام 1994، حيث نصت المادة التاسعة على الاعتراف بالدور الخاص للأردن في رعاية المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

وفي اتفاق تاريخي وقعه جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس محمود عباس في عمان عام 2013، أعيد التأكيد على الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وأن جلالة الملك هو صاحب الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس الشريف، وله الحق في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ عليها، خصوصاً المسجد الأقصى.

إن ما تقوم به إسرائيل اليوم من تقليص لعدد حراس الأوقاف وإبعادهم، هو طعن مباشر في هذه الوصاية التاريخية، وإنكار للدور الخاص الذي اعترفت به إسرائيل ذاتها في معاهدة السلام. فالمسجد الأقصى ليس مجرد مبنى، بل هو رمز للهوية الإسلامية والعربية، وهو خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

انتهاك صارخ للقانون الدولي والاتفاقيات الموقعة
من الناحية القانونية، فإن الإجراءات الإسرائيلية بحق حراس الأقصى وموظفي الأوقاف تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. فالقدس الشرقية، بما فيها المسجد الأقصى، هي أرض محتلة منذ عام 1967، وتخضع لأحكام القانون الدولي المتعلقة بالأراضي الواقعة تحت الاحتلال.

وقد دعت قرارات الشرعية الدولية، ومن بينها قرار مجلس الأمن الدولي 242 وما تلاه من قرارات، إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، ومن بينها القدس، وبطلان الإجراءات الإسرائيلية الأحادية في الأراضي المحتلة. كما أن قرار مجلس الأمن 478 ينص على أن قرار إسرائيل بضم القدس الشرقية وإعلانها عاصمة موحدة هو قرار باطل.

وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، فإن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة باحترام القوانين المحلية والحفاظ على الوضع القائم في الأراضي المحتلة. وتعد إجراءات تقليص عدد الحراس وإبعادهم وتغيير صلاحيات دائرة الأوقاف مخالفة صريحة لهذه الاتفاقيات.

كما أن معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية لعام 1994، والتي تعهدت فيها إسرائيل بإعطاء الدور الخاص للأردن في رعاية المقدسات أولوية عالية، تتعرض للانتهاك بشكل يومي من خلال هذه الإجراءات التي تستهدف تقويض دور دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية.

إن الوضع القائم التاريخي (ستاتيكو) في المسجد الأقصى، الذي يقضي ببقاء إدارة المسجد بيد الأوقاف الإسلامية، هو وضع معترف به دولياً، وأي مساس به يشكل انتهاكاً للقانون الدولي وللاتفاقات الموقعة.

تعطيل ممنهج لدائرة الأوقاف
من الناحية العملية، فإن الإجراءات الإسرائيلية تهدف إلى تعطيل عمل دائرة الأوقاف الإسلامية بشكل ممنهج وشامل. فلم يقتصر الأمر على تقليص عدد الحراس، بل امتد ليشمل منع الأوقاف من تنفيذ أعمال الصيانة والترميم داخل المسجد، بل وتعيق حتى الأعمال البسيطة والضرورية.

وتشير التقارير إلى أن شرطة الاحتلال صعّدت من سياسة الاستيلاء التدريجي على مرافق ومعالم داخل المسجد الأقصى، مستهدفة أربعة مرافق رئيسة كانت تستخدمها دائرة الأوقاف الإسلامية كمقار إدارية، وهي: قبة الإمام الغزالي فوق سطح مصلى باب الرحمة، ودار الحديث الشريف في الجهة الشمالية الشرقية، وقبة سليمان في الساحة الشمالية، وقبة موسى في الجهة الجنوبية الغربية. وتقوم قوات الاحتلال باقتحام هذه المرافق وكسر أقفالها، ومنع الأوقاف من إعادة تأهيلها أو استخدامها.

دعوة عاجلة للتدخل ..
إن ما يحدث اليوم في المسجد الأقصى هو إنذار أخير، فالتقليص المستمر لأعداد الحراس، وإبعاد الموظفين، وتعطيل عمل الأوقاف، كلها مؤشرات على وجود مخطط إسرائيلي ممنهج لتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف، وإفراغه من إدارته الإسلامية الأردنية، تمهيداً لتهويده وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه.

أوجه نداءً عاجلاً إلى المملكة الأردنية الهاشمية، صاحبة الوصاية التاريخية والقانونية على المقدسات في القدس، للتدخل الفوري والعاجل لوقف هذه الإجراءات وذلك من خلال التحرك على جميع المستويات:

أولاً: على المستوى الدبلوماسي، بتوجيه احتجاجات رسمية إلى الحكومة الإسرائيلية، ومخاطبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن لكشف الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى وموظفيه، والمطالبة بوقف فوري لهذه الإجراءات التي تمس الوضع التاريخي القائم .

ثانياً: على المستوى القانوني، بتفعيل الآليات القانونية الدولية لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة المسؤولين عن هذه الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم حرب.

ثالثاً: على المستوى الميداني، بتوفير الدعم المادي والمعنوي لدائرة الأوقاف الإسلامية وموظفيها، وإنشاء صندوق طوارئ لتعزيز صمودهم المعيشي، وحمايتهم من إجراءات الاحتلال التعسفية، وإعادة تفعيل الدور الإعلامي لدائرة الأوقاف وتشغيل موقعها الإلكتروني فوراً.

كما أدعو جميع الدول العربية والإسلامية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه المسجد الأقصى، ثاني المساجد التي بنيت على الأرض، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. اذ إن ما يحدث في الأقصى ليس شأناً فلسطينياً أو أردنياً فقط، بل هو قضية الأمة العربية والإسلامية بأسرها.

كما أدعو جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي إلى عقد جلسات طارئة لبحث العدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى، واتخاذ موقف عربي وإسلامي موحد يضع حداً لهذه الانتهاكات المتصاعدة . والدعوة موصولة للشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وفلسطين المحتلة عام 1948 إلى التصدي لهذه المؤامرة، والرباط في المسجد الأقصى، والدفاع عنه بكل الوسائل المشروعة، لأنه خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه.

إن المسجد الأقصى المبارك هو قلب القدس النابض، وهو رمز الهوية العربية الإسلامية، وهو القبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين. وما تقوم به إسرائيل اليوم من تقليص لأعداد حراس الأوقاف وإبعادهم وتعطيل عمل الدائرة، هو حرب مفتوحة على الهوية الإسلامية للمدينة المقدسة.

لقد آن الأوان ليتحرك الجميع، قادة وشعوباً، للدفاع عن المسجد الأقصى قبل فوات الأوان. فالوصاية الهاشمية ليست مجرد شرف، بل هي مسؤولية تاريخية وقانونية وأخلاقية، تتطلب من الأردن والدول العربية والإسلامية الوقوف صفاً واحداً لحماية المقدسات.

*الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية