محليات

صحفي إسرائيلي: إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة… والخوض في “نازا” لا يخدم سوى حملة نتنياهو

3 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

تل ابيب - واثق نيوز- عاموس هرئيل-  هآرتس 18/9/2026 -مثل كل مواطني البلاد، لم أشاهد فيلم “نازا” حتى الآن. ولكن لدي رأي، ليس حول الفيلم نفسه، بل حول الضجة المبررة والمذعورة التي ثارت في إسرائيل عقب عرضه، دون إتاحة لأي معلق تقريباً الوقت لمشاهدته. إلى حين عرض الفيلم، يمكن للمرء على الأقل البدء في فهم ما تتم مناقشته، استناداً للمقال الذي نشره رفيف دروكر في “هآرتس”، الذي شاهد الفيلم، والمقابلة التي أجراها دروكر في القناة 13 مع يوفال أبراهام، أحد مخرجي الفيلم الإسرائيليين. أيضاً تحدثت مع أشخاص شاهدوا كل الفيلم.

يبدو أنه، للمرة الثانية، هناك رد فعل مبالغ فيه ومتسرع من قبل المؤسسة السياسية والعسكرية وقطاعات واسعة في الإعلام الإسرائيلي. أجد أنه من الغريب أن يصدر رئيس الأركان إيال زامير بياناً متسرعاً، إذ لم يكتف بالدفاع عن قواعد القتال في الجيش الإسرائيلي وإدانة صناع الفيلم، بل أمر أيضاً بفتح تحقيق لكشف هوية الـ 24 جندياً وضابطاً، الذين معظمهم من الاستخبارات، الذين أجريت معهم مقابلات للفيلم دون الكشف عن هويتهم، وإخفاء وجوههم.

لعله كان يجدر بالجيش الالتزام بروحية بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الأولي: لم يتواصل معنا صناع الفيلم على الإطلاق للنقاش أو طلب رد قبل عرضه، ولم يسمح لنا بمشاهدته، وبعد مشاهدته سنفحص مدى صحة الادعاءات الواردة فيه.

لا مصلحة للجيش الإسرائيلي بحملات التشهير وكم الأفواه. من جهة أخرى، ليس من الغريب الغضب الذي ينتاب الحكومة ومتحدثيها منذ فوز الفيلم بجائزة في مهرجان فينيسيا السينمائي، الذي استقبل بتصفيق من الجمهور لمدة 25 دقيقة. هذه فرصة مثالية لنتنياهو كي يحول النقاش في الحملة الانتخابية من جديد عن اخفاقاته وتقصيره، التي سمحت بوقوع مذبحة 7 أكتوبر، إلى جانب الفشل الذريع لقوات الأمن.

وتكمن في الخلفية مشكلة مزمنة، تفاقمت بسبب الحرب الحالية. يتركز النقاش الداخلي على مسائل الدعاية والضرر المحتمل الذي يلحقه الفيلم بإسرائيل في العالم. أولاً، إذا تحدثنا عن الدعاية فإن الضرر الرئيسي ناتج عن التصريحات المتهورة التي أصدرها الوزراء وأعضاء الكنيست منذ المذبحة، أيضاً عن اضطهاد صناع الفيلم الآن، إلى درجة الدعوة إلى إعدامهم بشكل علني. ثانياً، تكمن الحقيقة فيما يحدث على أرض الواقع، وليس بطريقة عرضه ومناقشته. وخلافاً لما قد يفهم ضمناً من كلام أبراهام لرفيف دروكر، لم تتجاهل كل وسائل الإعلام في إسرائيل الأمر. فقد نشرت تحقيقات مفصلة في “هآرتس” بقلم ينيف كوفوفيتش وبار بيلغ وتوم لفنسون وغيرهم، كشفت عن نتائج مقلقة حول الحرب والثمن الباهظ الذي دفعه الجنود الذين شاركوا فيها (من بين الأسباب لما يسمى الآن “الضرر الأخلاقي”).

وتظهر أقوال أبراهام، حتى في رده على انتقادات الفيلم، طمساً متعمداً كما يبدو، بين الصحافة والتوثيق السينمائي والنشاط السياسي. فما هي المعايير المهنية التي يعتقد أنه ملزم بها بحكم نضاله ضد احتلال الضفة الغربية، وبعد ذلك ضد حرب إسرائيل على غزة؟ على الأقل من خلال المقابلات، تثير تغطية الفيلم تساؤلات حول تجاهل مخرجيه للسياق العام (الفظائع التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر)، وحول تعمدهم استخدام صور ومقارنات مع المحرقة. ويشتبه في أن اختيار الأحرف الأولى “نازا” لا يرتبط كثيراً بمعناها العسكري (ضرر عرضي، أي المس بمن لم يشاركوا في القتال)، بل لأنها تذكر المشاهدين المتحدثين باللغة الإنجليزية بالدمج بين كلمتي نازيون وغزة.

بعد صدمة المذبحة، يفضل كثير من الإسرائيليين التظاهر بالانتماء والشعور بالانفصال. يتجاهلون ما يرتكب باسمهم في غزة، ويخترعون رؤية بديلة، ثم يتفاجأون عندما يرفض العالم قبولها من دون نقاش. لقد اعتبر الجيش الإسرائيلي المذبحة في الغلاف، لا سيما الوحشية التي ارتكبها قتلة حماس، حدثاً له أبعاد كارثية. شاهد الكثير من القادة والجنود الذين قاتلوا بعد ذلك في غزة هذه المشاهد بأنفسهم، في البيوت المحترقة في الكيبوتسات، حفلة نوفا، “أوفكيم” و”سدروت”، حتى قبل أن تجف الدماء.

في الوقت نفسه، غذى السياسيون والجنرالات والمعلقون الكراهية والانتقام بتصريحات تحريضية، يضاف إلى ذلك، عند بدء العملية البرية، ضرورة حماية القوات التي تعمل في منطقة مأهولة مكتظة ومواجهة المسلحين الذين يختبئون وراء وتحت السكان المدنيين.

أدت هذه الظروف إلى عدة خطوات: تعليمات متساهلة نسبياً بإطلاق النار نظراً للخطر الذي يهدد القوات (في حالات كثيرة قتل فلسطينيون لمجرد اجتيازهم، أحياناً دون معرفتهم، لخط وهمي لم يتم رسمه على الأرض)، تصاريح واسعة بارتكاب أضرار جانبية (هجوم صادقوا عليه حتى مع وجود شك في قتل 100 مدني، وليس مثلما جاء في الفيلم، 500)، والتدمير المنهجي للمباني.

يستمر تدمير المباني والبنى التحتية حتى اليوم. وهناك مبررات لذلك، تستند إلى استخدام حماس للمساحات الحضرية، حيث يستخدم عدد كبير من الشقق لتخزين السلاح ونصب الكاميرات وزرع العبوات. ولكن هناك أيضاً اعتبار آخر يهدف إلى أبعاد إعادة بناء الفلسطينيين عن خط الاستيطان الإسرائيلي الأول. في المقابل، أصبحت إجراءات الموافقة على تصاريح الأضرار العرضية الآن أكثر صرامة، وانخفض عدد المدنيين الذين قتلوا في قطاع غزة في هذه السنة بشكل ملحوظ. في الأشهر الأولى للحرب سادت حالة من الهياج، بعضها ينبع من القاعدة الشعبية، وبعضها مفروض من جهة معاكسة. في محادثات لم يكشف عن هوية أصحابها، أكد الكثير من الضباط هذا الأمر.

خلاصة ما وصف هنا واضحة تماماً: إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، سواء على يد جنود يعملون بشكل فردي، أو من خلال عمليات لوحدات وفرق كانت جزءاً من منظومة أوسع. ثمة أوجه تشابه في هذا مع طريقة عمل الأمريكيين في المعارك الحضرية في العراق وسوريا (وخاصة في الحملة ضد “داعش”). إن طريقة تصرف حماس، بدرجة كبيرة، جرت الجيش الإسرائيلي إلى هذا الفخ، حيث سقط المدنيون الفلسطينيون ضحايا له.

لست خبيراً في الإبادة الجماعية، لكن الادعاءات التي يتم طرحها بثقة حول ارتكاب الإبادة الجماعية لا تبدو مقنعة. لقد تكبد الجيش الإسرائيلي 472 قتيلاً في العملية البرية في قطاع غزة وآلاف المصابين، وعدد أكبر من المقاتلين الذين يعانون من صدمة نفسية. هذه ليست نتائج حققها جيش قوي منخرط في أعمال تدمير متعمدة. هناك شهادات كافية من مقاتلين وطيارين تم منعهم من إطلاق النار في مواجهة الخطر خشية من الإضرار بالمارة. ولا يشير معدل الخسائر الفلسطينية – 74 ألف قتيل تقريباً، ثلثهم على الأرجح من عناصر حماس والجهاد الإسلامي – إلى وجود عملية إبادة منهجية ومخطط لها.

إن ما حدث في قطاع غزة خلال أجزاء من القتال أمر صعب ومقلق بحد ذاته، ويتطلب نظرة فاحصة ومراجعة ذاتية، لتجنب تكرار الأخطاء والتجاوزات في الحروب التي قد تندلع هنا في المستقبل. بدلاً من ذلك، تنشغل إسرائيل بإثارة الفوضى وملاحقة مخرجين في الداخل وإظهار التظاهر بالاستقامة في الخارج. قد يساعد كل ذلك نتنياهو على إيقاظ قاعدته الشعبية قبل الانتخابات، لكن يصعب تصديق أن لذلك فائدة أخرى.