الكاتب: عبد المجيد سويلم
أوساط صهيونية متزايدة، بما فيها بعض الأوساط الموغلة في عنصريّتها، والتي اصطفّت بالكامل في صُلب المواقف الفاشية لم تعد ترى مخرجاً من الأزمة الداخلية الإسرائيلية دون انزواء بنيامين نتنياهو، ودون الاختفاء عن المشهد السياسي كلّه.
قبل مناقشة طرح كهذا، وسيناريو كهذا أو احتمال دعونا ندقّق قليلاً في دلالة طرحه في سوق التداول الإسرائيلي، أو بالأحرى إعادة طرحه من جديد.
كما نعرف فقد طُرح سيناريو كهذا قبل الآن «كحلّ» قابل للتحوّل إلى مخرج من أزمة التعديلات القضائية.
ومع أنه لا تُعرف حتى الآن حقيقة السبب الذي «أفشل» هذا المخرج، ولا تُعرف على وجه الدقّة الشروط التفصيلية التي حالت دون أن يرى مثل هذا الاقتراح النور، ودون أن يشقّ طريقه نحو الحلّ، إلّا أنّ المؤكّد هنا أنّ هذا الاقتراح قد فقد آلية الدفع والاندفاع تحت ضغوط من حزب «الليكود» نفسه، والذي اعتبر أنّ القبول بمبدأ المساومة كان سيعني حتماً الإقرار بفشل «خطّة الإصلاح القضائي»، والإقرار الضمني بأنّ نتنياهو كان في طريقه إلى البيت، أو إلى السجن أو إلى كليهما، ولكن بالتتالي.
يُعاد طرح هذا الاقتراح في هذه الأيّام مع فارقين هائلين على هذا الصعيد: الأوّل، هو الحرب، من حيث واقع ما كانت عليه أمور الحالة الإسرائيلية، ومن حيث المسؤولية عن «وقوعها»، والمسؤولية عمّا أدّت إليه، ومسؤولية تحديد أهدافها، ومسؤولية حقيقة ما أدّت إليه، وما انطوت عليه من خسائر، وحقيقة ما ستُفضي إليه من نتائج.
والثاني، هو الشوط الذي قطعه «الانقلاب القضائي» من جهة، و»التطهير» الذي تمّ على يدي نتنياهو داخل مؤسّسات الجيش، وداخل مؤسّسات الأمن، ومجالات لم تستكمل بعد في صفوف القضاء نفسه.. ومع هذين الفرقين الهائلين يطرح سؤال أكثر من وجيه حول هذا الاقتراح مع وجود الفارق النوعي الكبير بين الاقتراحين في ظرفين مختلفين، وزمنين مختلفين.
ألا تطرح إعادة طرح هذا الاقتراح ألف علامة سؤال حول حقيقة «الانتصار» الذي يتحدّث عنه «الليكود»، و»الائتلاف الفاشي الحاكم» في الدولة الصهيونية؟ ثم ألا تطرح ألف علامة سؤال أخرى حول مدى ما وصلت إليه الأزمة الداخلية الإسرائيلية وما بلغته من عمق تجاوز كل أنواع الخطر؟
أن يُصار إلى إعادة طرح الاقتراح بالتنحّي والاختفاء في هذا الظرف بالذات يعني مسألتين لا ثالث لهما فعلاً، وليس كقول شائع الاستخدام في التعبير.
فإمّا أن تكون بعض الأوساط العليا، وخاصة رئيس إسرائيل قد أحيط علماً، بصورة رسمية، أو بصورة غير رسمية أنّ رئيس الحكومة مقدم على مغامرة تفوق في شدّة خطورتها أيّ مغامرة سابقة، وأنّ هذه المغامرة تحمل في طيّاتها مجازفات تماثل الضربة الأخيرة للمقامر، والتي يلعب فيها بكل ما يملك، ويكون في نتيجتها إمّا الخسارة الكاملة، أو الربح الكامل الذي يعوّضه كلّ الخسائر السابقة.
وفي هذه الحالة فإنّ إعادة طرح الاقتراح في مثل هذه الظروف الدقيقة تصبح «منطقية»، بل وتصبح مفهومة، وربّما مقبولة من أوساط عليا أخرى، ومن أوساط أخرى عديدة.
وهنا قد تكون المسألة مرتبطة بـ»الضربة» التي تتحدّث عنها بعض الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية لإيران، والتي تأتي حسب بعض المعطيات، وحسب بعض المراقبين في صُلب توجّه نتنياهو لإفشال المحادثات الإيرانية الأميركية، وخصوصاً بعد أن علمت دولة الاحتلال أن إيران رفضت رفضاً كاملاً وباتاً أن تتم مناقشة أيّ مسألة خارج إطار البرنامج النووي، بما في ذلك برامج الصواريخ، وعلاقات إيران الإقليمية، والذي يعني أن القبول الأميركي بحصر المحادثات في هذه النقطة بالذات سيعني إمكانية عقد اتفاق، لأن إيران مقابل رفع العقوبات عنها ليس لديها أيّ مشكلة في أشكال الرقابة، وفي نسبة التخصيب للأغراض السلمية سواء على مستوى «الطاقة» أو على مستوى الأبحاث الطبية.
وقد بتنا نعرف الآن أن الوفد الأميركي لم يكن «موحّداً» في موقفه من المحادثات وأن الهدف هو الذهاب إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات، بل هناك في إطار الوفد من يقف على يمين نتنياهو في هذا الأمر، وبما يتجاوز التفكيك على الطريقة الليبية.
لهذا، فإما أن يكون اقتراح «التنحّي والاختفاء» قد تمّ طرحه، أو محاولة طرحه لكل الأسباب التي شرحناها أعلاه، وإمّا أن تلك الأوساط العليا إضافة إلى كل ذلك أصبحت على قناعة راسخة بأن مسار تطور الأزمة الداخلية قد دخل في مرحلة جديدة من التصعيد.
وهنا علينا أن نلحظ زيادة وارتفاع وتيرة المزيد من «التوغّل» في القطاع والذهاب إلى أعلى درجات «الضغط» والتحكّم الكامل بدخول المساعدات وتوزيعها، مقابل ازدياد آخر على الجانب الآخر من معادلة هذه الأزمة المستحكمة، والذي بات على قناعةٍ تامّة بأن حكومة التطرُّف العنصري لم تعد تهتمّ بمصير الأسرى الإسرائيليين، وأنّ على «المعارضة» الانتقال إلى أشكال تصعيدية جديدة يرى البعض أنها لن تُجدي نفعاً إذا لم تتحوّل إلى العصيان المدني، وإذا لم تتجاوز كل الأشكال السابقة من الاحتجاجات.
أقصد أنّ هذه الدرجة من الحساسية السياسية لن تمرّ مرور الكرام، وأنّها تحمل في طيّاتها «مخاطر» الصدام في الشارع السياسي، والذي قد يهدد وحدة مؤسّسات الدولة والمجتمع، ويفتح الباب واسعاً أمام صدامات اجتماعية يمتلك من خلالها «اليمين الفاشي» كل الإمكانيات اللوجستية لربحها إذا لم تتدخّل قوى الأمن وأذرعته، وإذا لم يتدخل الجيش نفسه.
هذه المسألة بالذات تحمل من المخاطر، ومن صنوف المقامرة ما هو أكبر وأخطر من تبعات «الضربة» الإسرائيلية لإيران، هذا إذا لم تكن هذه المسألة بالذات «محسوبة» عند نتنياهو، وعند من يقف معه بالكامل كمسألة مترافقة ومتلازمة مع الضربة الإسرائيلية لإيران.
وبالعودة إلى مخاوف الأوساط العليا من المسألتين فإن السؤال هنا هو: ما معنى، وما هي دلالات أن تذهب دولة الاحتلال «بمفردها» لضرب إيران دون الضوء الأخضر الأميركي؟!
وهل أن الذهاب بهذا الاتجاه هو دليل قوة، ودليل حسم، ودليل «توفّر» فرصة قد لا تتكرّر لدولة الاحتلال، ومدى ما تحتويه هذه الحقيقة من خداع وتمويه وتضليل؟!
محاولة الإجابة عن هذه الاستحقاقات الاستفهامية مسألة تحتاج إلى بعض الوقت، وإلى ظهور بعض المعطيات والمؤشّرات، ولعلّها ستتوفّر في الأيّام القادمة، وحينها يمكن محاولة الكتابة حولها، وعلى كل حال ستكون موافقة نتنياهو على «صفقة» كهذه بمثابة معجزة.
الكاتب : تحسين يقين
عشنا، وعاش الآباء والأمهات والأجداد والجدات، هنا على هذه الأرض، فمنحتنا مائدة متنوعة لثلاث وجبات، من محاصيلنا في السهول الساحلية والداخلية، والجبال والغور والبرية، وأطراف الصحراء. ومنحتنا ما منحت من ماء، ومساكن بنيت مما توفر في البيئات متنوعة المناخ والتضاريس. منحنا تاريخها وواقعها أماكن للتعلم، ومنحتنا ثقافتنا وفنوننا مجالات للاستمتاع في ليالي الشتاء والصيف، ومنحتنا طاقاتها الروحية رحابة صدور متسامحة.
لنا الزهر، للنظر، وللطعام، نقليه ونطبخه، ونلف ورقه نحشيه الرز؛ فبإمكاننا أن نقليه بزيت الزيتون، نضيف عليه قطرات من الليمون، ولنا نجعله أحد مكونات "المقلوبة"، ولنا أن نطبخه باللبن، والبندورة، ولنا "المشاط"، ولنا "القراص بالزهر"، ..فالسحر إذن أننا يمكننا تناول الزهر يوميا دون أن نشعر بالتكرار، ولعل هناك من يضيف أنواعا من الطعام الذي يعتمد على "الزهر". وتلك هي عبقرية الشعوب، ومنها شعبنا العريق الذي على مدار آلاف الأعوام عرف كيف يعيش بجمال؛ فهل عشنا قرنا مضى معتمدين على من يمنحنا؟ وهل عشنا أثناء الصراع الممتد منذ الاحتلال البريطاني وما واكبه من مخططات صهيونية، وما جرى من حروب في فلسطين وعليها، ونحن نمدّ أيدينا للآخرين ليجود علينا؟ ما نعرفه من تاريخ شفويّ ومكتوب أن شعبنا هو من كان يجود، بدون منة أو فخر بالعطاء.
لنا ما أبدعناه هنا، وما زلنا نبدعه من حياة، من طعام وشراب وبيوت، وتعليم وثقافة، لنا الكثير لنفعله على مستوى الأفراد والأسر حتى نبقى، لا الانشغال بما لا يطعمنا من جوع ولا يؤمننا من خوف، فكل واحد يحيا هنا قادر أن يؤمن طعامه والشراب، فما زال هذا الهواء والتراب لنا، وما زالت نار الرغبة بالحياة تسكننا.
في السبعينيات كانت الطفولة، وفي عقد الثمانينيات صرنا فتيانا ودخلنا أول الشباب، نحن المولودون عام الهزيمة 1967، فكنا ومن قبلنا بأعوام ومن بعدنا، نشهد كيف كانت الأسر وهي تتدبر بقاءها، وتعليم أبنائها وبناتها، وتأمين الاحتياجات، بجهود متواصلة، وفي الوقت نفسه، كنا صغارا وكبارا مهتمين بالخلاص الوطني، فلم ينفصل قيامنا بتأمين البقاء، بالانخراط في الحركة الوطنية أو دعمها؛ فلم يكن هنا ما صرنا نشهده من خلاص فرديّ، وتجيير العام للخاص، بمعنى التحول من العطاء للأخذ. كنا مندمجين شعورا ووعيا بمنظمة التحرير بما تمثله من هدف التحرر.
لم نمت، ولن نموت، صحيح أننا وقعنا في أفخاخ التحولات على مدار 3 عقود، ولكن أوائل أشعة الشمس قادر على تبديد الظلام. ليست الشعوب عالة على بعضها بعضا ولا على الحكومات، وليست الدول حكومات، ولكن الدول تعمل على أن تحيا الشعوب بكرامة، وبفعل نستلهمه من إيماننا بقدرتنا.
لقد صنع شعبنا حياته وأبدع بقاءه هنا وفي الشتات، وفي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، بسبب إرادته؛ فنحن أحفاد الكنعانيين الزرّاع؛ فعلى مدار الصراعات هنا بقينا نزرع، ولم يجد الغزاة مجالا للاستغناء عنا، بينما دوما كنا نحن مستغنون عن الغزاة، سوى ما علقنا به للأسف من إغراء التحول من الاعتماد على الأرض الى التحول بروليتاريا للعمل في مستوطنات الاحتلال، وكم كنا نرجو إعادة الأمور لسابق عهدها منذ تأسيس السلطة الوطنية عام 1994، ولا مجال هنا للوم فئة، بل المجال اليوم هو إعادة الاعتبار لعناصر الإنتاج، وتلك هي الكرامة. ونحن نريد أن نبدع في البقاء، وبه نبقى وننتصر فعلا، ولا ينبغي لشعب عريق أن يتم مقايضة الحقوق والكرامة بالطحين والزيت.
لم ينته الاحتلال العسكري، ولكننا كشعب تحت الاحتلال العسكري المباشر لنا فطرتنا في اجتراح الحياة، كما كنا، وكما كانت إرادتنا دوما بوصلتها التحرر من الاحتلال، لا القلق على "اللقمة".
وعليه، فلنا ما ننشغل به "احنا وإياهم والزمن طويل"، لا ما يراد لنا الانشغال به، فلا ننفعل كثيرا في أمر هامشيّ، ولعلّ العمل ساعة خير من إضاعة الوقت في موضعة أنفسنا تجاه من يكون وما يكون.
الفلسطيني القويّ هو من يشعر بالقوة لأنه مواطن هنا، حتى ولو كانت مواطنته تحت الاحتلال الذي طال، ففي عمق صلاة المؤمنين، هو الطلب برزق اليوم، أما الغد فله عمل آخر. "كفاف يومنا" هو ما نخطط له، والأرض كريمة لم تبخل علينا، حتى في محدودية نسبة الأمطار من عام الى آخر. وعليه فنحن شعب غنيّ لا فقير كما يراد برمجتنا؛ فإن جاء من ينطلق من هذا الوعي والفعل، ليسير معنا، قربنا، أمامنا وخلفنا، فهو منا، ونحن منه، فلا يطولن الانشغال كثيرا بما يقال، بل لنصنع نحن الفعل، فرياح إرادة الشعوب فقط هي من تدفع أشرعة القادة نحو الإبحار الآمن وصولا لميناء، هو أول البرّ وأول البناء.
إن تأمل واقعنا الاقتصادي على مدار قرن، وبشكل خاص بعد انتهاء الحكم العثماني، يمنحنا ما نفعله لا ما نقوله. لقد عشنا فعلا معتمدين على سواعدنا لا على الحكومات، فكم كانت نسبة الموظفين مثلا والعمال؟ ولكن في ظل هندسة الفلسطينيين باتجاه حرفهم عن الأرض المصدر الأول للإنتاج الزراعي النباتي والحيواني، وما يبنى عليه من صناعات وتجارة، فقد تم إدخالنا في واقع الاعتمادية؛ "فهناك من يفتح الحنفية وهناك من يسكرها"، ولأن الاحتلال يغير فقط شكله، فلنا أن نذهب نحو المضمون، فلنا مثلا أن نسعى للعمل في بلاد العالم، كما في بلادنا، لا كعمال مهرة وغير مهرة، بل كفنيين وخبراء وعلماء، ولنا أن نتعظ بما حدث من إقصاء للعمال، فلا ثقة بالمستعمرين، "وإن ألانوا فلهم قلوب لا ترقّ". رحم الله أحمد شوقي حين رثا دمشق بعد نكبتها منذ قرن.
آن الأوان أن ندرك بوعي وانتماء أننا شعب يعاني الاحتلال أولا، وهو المعيق الأول والدائم لأية تنمية للأفراد والأسر. لقد أثبت السلوك الرأسمالي في ظل نيو ليبرالية منفلتة، أن هذا الخيار هو خلاص لأفراد وتكدس المال في أيدي فئات، ما يخلق نزعات طبقية تسطو على السلم الأهلي.
وحتى نكون واقعيين، فهناك خطان نسير بهما وفيهما، نجعلهما يلتقيان في الزمان والمكان بإرادتنا: الأول وهو الذاتي، بإعادة الاعتبار لقدراتنا الاقتصادية من منطلق العدالة، ونستمر به. والثاني وهو الاستفادة ما أمكننا من مسؤوليات المجتمع الدولي تجاه فلسطين المحتلة، خاصة في إعادة بناء قطاع غزة، وشمال الضفة الغربية بشكل خاص. وهناك انسجام تام، فلا تناقض بينهما. وعلينا في ظل تقوية العامل الذاتي أن نطالب الدول المتعاقدة على قيام السلطة الوطنية عام 1994، بتقديم استحقاقات التعاقد، فلا نطالب بمليارات، ومن جهة أخرى، لعل "العالم الموصوف بالحرّ" أن يأمر سلطات الاحتلال لا بإعادة أموالنا فقط، بل بتحرير اقتصادنا من التبعية غير المنطقية لشعب تحت الاحتلال لدولة الاحتلال، لأننا لسنا مضطرين للعيش في وحدة ضرائبية واحدة، في ظل الفجوة بيننا، حيث أن بالإمكان جعل العالم العربي الشقيق فضاء لنا نبيعه ونشتري منه.
البقاء هنا فقط هو ضمان التحرر؛ فمن يقودنا نحو تقوية بقائنا، فله ذلك، ومن يفعل غير ذلك، فله ما اختار ولنا ما ننشغل به، كما كنا طوال قرن من الزمان، وكما سنظل قرونا. نقطة ضع القلم.
الكاتب : م. رائد مهنا
بعد عقود من الزمن مرت على ذلك التاريخ 9 مايو/أيار عام 1945، حين صفق العالم أجمع للاتحاد السوفيتي (روسيا الاتحادية حالياً) احتفالاً بانتصاره في الحرب الوطنية العظمى، التي تحقق فيها النصر بفضل شجاعة وبطولة الشعب السوفيتي. فقد قدم جنود الجيش الأحمر المساهمة الرئيسة والحاسمة في هزيمة القوات الألمانية النازية وحلفائها.
لقد كان هذا النصر باهظ الثمن بالنسبة للاتحاد السوفيتي، حيث دفع الشعب ثمناً غالياً تمثل في 26.6 مليون خسارة بشرية. كان من بينهم من قُتل في المعارك، ومن مات متأثراً بجراحه، ومن توفي بسبب الجوع والمرض، بالإضافة إلى المدنيين الذين راحوا ضحية القصف بالقنابل والمدفعية، وأسرى الحرب الذين تم إعدامهم أو ماتوا تحت التعذيب في معسكرات الاعتقال.
لم يحرر الجندي السوفيتي وطنه من النازيين فحسب، بل منح أيضاً شعوب الدول المحتلة من قبل الديكتاتورية الهتلرية فرصة للبقاء والحفاظ على الاستقرار الوطني. لقد أنقذ الجنود السوفييت العالم، وتركوا أثراً عميقاً في قلوب ملايين الناس. ولكن، وللأسف، يتناقص عدد الشهود على أفظع الحروب مع مرور كل عام.
ومن بين أبرز أحداث تلك المعارك، كان حصار مدينة لينينغراد (سانت بطرسبرغ حالياً)، التي تُعد مركزاً صناعياً وثقافياً كبيراً، وموطناً لرموز ثقافية مثل فيودور دوستويفسكي وألكسندر بوشكين، وعلى الصعيد السياسي، مهداً للثورات ومكان ولادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كل هذه العوامل جعلت المدينة هدفاً استراتيجياً لهتلر، حيث خطط للاستيلاء عليها، لما لها من موقع استراتيجي على ضفاف نهر نيفا، وعلى حدود فنلندا من الشرق، وبالقرب من بحر البلطيق من الشمال الغربي.
بدأ حصار مدينة لينينغراد في 8 سبتمبر/ ايلول 1941، واستمر حتى 27 يناير / كانون الثاني 1944، أي لمدة 872 يوماً. ورغم القصف اليومي والحصار الخانق والجوع القاتل والبرد القارس، لم تنكسر إرادة سكان لينينغراد الأبطال، الذين واصلوا الحياة والقتال. حتى أن حصة الفرد اليومية من الخبز وصلت إلى 250 غراماً، والأطفال إلى 150 غراماً، بسبب شدة الحصار وانقطاع الإمدادات.
وفي نهاية المطاف، وبعد سنوات من الصمود والتحدي والتضحيات، تحقق النصر للاتحاد السوفيتي في لينينغراد، وكان ذلك نقطة تحول كبيرة في الحرب، وصولاً إلى اجتياح برلين وسقوط النازية الألمانية. لقد أصبحت تلك الوقائع شهادة حية على قوة الإرادة الإنسانية والروح الوطنية التي لا تُقهر، وستبقى خالدة في ذاكرة الشعب الروسي وفي تاريخ الحرب العالمية الثانية، رمزاً للبطولة والعزيمة.
الكاتبة : كريستين حنا نصر
من مخلفات الربيع العربي تداعياته خاصة على الانظمة التي سقطت، وبشكل أخص في العراق، وكذلك في سوريا وتحديداً بعد سقوط نظام البعث الحاكم فيها، حيث كان هذا النظام يتمثل بحكم البعث والحزب الواحد ، وبعد سقوط نظام الاسد البائد وتولي الحكم للمرحلة الانتقالية من قبل الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، نلاحظ تزايد في المشاكل المتراكمة على اثر حكم ال الاسد، والذي استمر لاكثر من 55 سنة، وهنا نلاحظ أنه نظام ترك إرثاً من الخراب في المجتمع السوري، تمثل في التقسيم العرقي والطائفي، خاصة عندما انقسم المجتمع السوري الى العديد من الاقسام، منها قسم مدعوم من ايران وحزب الله، يدعم الاقلية الحاكمة ذات المكون العلوي، والقسم الآخر للمكون السوري السُني الذي دعمته تركيا والمتمثل بالمعارضة السورية، حيث كان دعم وتسليح الجيش السوري الوطني، وللاسف هذا الامر خلق شرخا كبيرا بين المكونين في الوطن الواحد، خاصة في ظل اقصاء للمكونات الاخرى من قبل المكون الحاكم، والذي استفرد بالسلطة وسيطر على مقدرات البلد على حساب تهميش المكون الآخر.
وللاسف بعد سقوط نظام بشار الأسد والى الآن، فإن الجميع كان يتوقع أن تدخل سوريا مرحلة جديدة من بناء الدولة ، أي سوريا الجديدة، وما يمكن أن أطلق عليها المرحلة الأفضل للملمة الجراح القديمة بعد سنوات من الثورة، وذلك بهدف الوصول الى مرحلة جديدة من بناء دولة تعددية وديمقراطية آمنة ومستقرة، وللأسف فإن البديل خاصة في هذه المرحلة الانتقالية للحكم، كان الدخول في مشهد الدولة السورية والذي يمكن وصفه بالعصيب والمتأزم، أي مرحلة الانقسام والاقتتال الطائفي، والتي تزايدت وتيرتها يوماً بعد يوم، حتى أصبحنا نرى مشاهد اقتتال طائفي من شأنها تفجير وتدمير نسيج المجتمع السوري، وتفكيك الوحدة الوطنية بين مكونات الدولة الواحدة، فعلى سبيل المثال ما جرى من الاقتتال الطائفي في مناطق الساحل السوري ذات الاغلبية العلوية، والتي حكمت سوريا الأسد، كذلك المجازر الطائفية في طرطوس واللاذقية ، حيث شاهدنا حالة الشرخ الواضح والتدمير النفسي والسياسي والاجتماعي وازدياد في الاقتتال الطائفي وانتشار مظاهر الطائفية في الدولة، وللأسف هي بلاشك من مخلفات الحكم البائد، اذ تدخل سوريا الآن مرحلة الاقتتال الطائفي الانساني بما فيه واقع دموي بين مكونات الوطن الواحد، على أساس الاختلاف في الدين والعقيدة والثارات القديمة الموروثة، وهذه المجازر التي ارتكبت بحق المكون العلوي في الساحل السوري، اتضح أن سمتها هي الانتقام الجماعي من المكون العلوي المرتبط بنظام الاسد البائد.
وأيضاً شهدت الشام وضواحيها حالة اندلاع للمواجهات الدامية، وتحديداً في ضاحية جرمانا ذات الأغلبية الدرزية، وبلدة اشرفية صحنايا التابعة ادارياً لريف دمشق، حيث تزايد في هذه المناطق عدد الضحايا جراء مظاهر الاقتتال والاشتباكات الطائفية ، وللأسف فان الصراع الآن في سوريا ليس صراعاً عسكرياً أو سياسياً، بل هو صراع طائفي وجودي، سمته الغالبة هي تخوين الآخر المختلف، وتزايد في دوافع الانتقام والقتل بين المكونات المختلفة في الوطن الواحد، وهنا نجد أن المجتمع بدلاً من أن يكون متماسكا، فإنه يفقد تماسكه وتتلاشى فيه حالة احترام التعددية في البلد الواحد، وينعدم فيه أيضاً السلام والعيش المشتركين، وتستخدم فيه ذرائع واهية فارغة للأقتتال الطائفي، وللأسف فإن كل هذا هو من مخلفات حكم الاسد البائد، والذي كان له دورا في تعميق مبدأ الاقصاء والتمييز بين المكونات المختلفة للمجتمع، والاستفراد من قبل النظام بحكم اقصائي يبطش بالاخرين.
وهنا نجد أن سوريا الآن تدخل في صراع تعمقت معه الطائفية المقيتة المتزايدة، بدلاً من تهدئة الوضع لهذا المجتمع السوري المنهك أساساً من الحرب، والتي دامت لأكثر من 14 سنة، وأصبح بسببها الشعب منهكا مادياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً وسياسياً.
وللاسف فإن من عوامل تعميق الاقتتال الطائفي هو وجود الميليشيات الأجنبية المسلحة القادمة من دول الجوار، وعلى ما يبدو فإن هدفها هو عدم نجاح الحكومة الانتقالية الجديدة في ارساء حالة الأمن ، بل العمل على اشغالها في بسط الأمن ووقف الاقتتال الداخلي ، بدلاً من التفرغ لبناء الدولة السورية الجديدة، لذلك يجب ابعاد الفصائل والمقاتلين الاجانب من الأراضي السورية ، والآن في سوريا من الواضح أنه لا يوجد مصالحة وطنية بين مكونات الوطن الواحد، حيث أصبحنا نشهد مفهوم الدولة الضيقة ، بمعنى فقدان الشعور بمبدأ حالة التسامح بين مكوناتها العرقية المختلفة، ويجب على الدولة أن تكون دولة قوية وذلك بمكوناتها المختلفة المتماسكة ، والتي يغلب عليها طابع الوحدة الوطنية القوية.
والسؤال هنا، متى ستُبنى الأوطان في بلدان الشرق العربي، والتي تشهد الحروب؟ ومتى ستتفكك البُنية الطائفية لهذه الدول والمجتمعات؟، ومتى سيترسخ مكانها بنية وطنية قوية وسيفرض حكم مدني عادل لكامل مكونات الدولة المختلفة؟، أي متى سنكون أمام نموذج دولة قوية آمنة متعددة لا تقوم على الطائفية ومبدأ الانتقام والاقتتال بين مكونات الشعب المختلفة، ومتى سوف يقوم عقد اجتماعي هدفه المواطنة، وليس الاقتتال الطائفي ، ولا الأفكار الفوقية الضيقة، ومتى سينجح المجتمع في انشاء حوارات وطنية شاملة ، لتوحيدهم وتحقيق مطالبهم الموحدة أيضاً، الى جانب النجاح في تحصين المجتمع من عوامل الانهيار، الى جانب الوصول الى النجاح في بسط السلم الاهلي ومنع الانهيار الداخلي.
الجواب، هو عدم وجود الاستغلال من قبل أي دولة ذات نفوذ خارجي ومن خلال جيش موالي مرتبط بها ، تستغله للأسف في تأجيج الوضع الداخلي واحداث حالة اقتتال طائفي، وذلك لتحقيق اهدافها الخارجية التي ستحققها من خلال إحداثها حالة الفوضى الداخلية في الدول، من أجل تحقيق مكاسب لقوى خارجية لا يهمها المواطن والوطن بل هدفها الاساس هو اضعاف الدول والمجتمعات للهيمنة عليها، واحتلالها، والسيطرة على مقدرات الوطن وتقسيمه اجتماعياً وجغرافياً.
الكاتب: عز الدين بدران
هويتي الوطنية ليست شعارًا أرفعه عند الحاجة، ولا مجرد حنين لذكرى، أو مجرد إحياء مناسبة، إنها بوصلة الروح، وميزان الضمير، ومرآتي في مواجهة نفسي. ارتبطت هويتي بمحاولتي الدائمة أن أكون عنصرًا نافعًا لأهلي، وناسي، وشعبي، وأمتي. لا أدّعي أنني كنت دائمًا على قدر هذه التوقعات أو حتى النية، ولا أنني نجحت في كل مرة، لكن عزائي أنني لم أتوقف يومًا عن المحاولة، وأنني في كل مرة أتعثر، أعود لأقف من جديد بدافع وطني، لا رغبةً في تمجيد الذات، بل شعورًا بواجب متجذر في الوعي واللاوعي.
الوطنية بالنسبة لي ليست مفردة شاعرية، وليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي حصن داخلي، وصمام أمان لي كإنسان، ضد التفتت والتشظي والتفرقة، وضد الاغتراب عن الذات والمجتمع. الوطنية هي أن أكون مستقيمًا، مفيدًا، صالحًا، متفانيًا، مُقدِّمًا الهمّ العام على الخاص، لا لأنني أضحي، بل لأنني أحقق بذلك مصلحتي الذاتية في أرقى معانيها.
وأي محاولة لعزلنا عن هويتنا الوطنية، سواء عبر محاولات الطمس أو التشويه أو التضييق أو الترهيب، كما يحدث مؤخرًا من إلغاء مسيرة العودة بشروط تعجيزية فُرضت على المنظمين من عصابات شرطة بن غفير، ومن خلفها المؤسسة الإسرائيلية بأكملها، هي ليست مجرد قرار سياسي، بل هي امتداد لمحاولة بائسة لسلخنا عن ذاكرتنا وهويتنا الجمعية، وعن انتمائنا العميق لهذه الأرض، وهذا الحق، وروايتنا التاريخية الصادقة، وقضيتنا العادلة.
لم تكن يومًا مسيرة العودة مجرد حدث سنوي، بل فعلًا رمزيًا عميقًا يعيد إحياء الحكاية الفلسطينية من قلب القرى المهجّرة، من تلك الأماكن التي أرادوا لها أن تُمحى من الذاكرة، فإذا بها تتحول في كل عام إلى مسرح للكرامة والعناد، والتذكير لجميع الأجيال. أذكر جيدًا كيف كنا نُحيي المسيرة، نمشي بين حجارة البيوت المهدمة، بين أشجار الزيتون التي شهدت الهجرة القسرية، هناك حيث يختلط التراب بالحكاية، وتتشكل ملامح الانتماء من جديد. لا لرفع الأعلام فقط، بل لنقول للأرض: لم ننسَ، ولن ننسى، وسنذكر كل من سيأتي بعدنا. أتذكر دائمًا ملامح الأطفال المحمولين على أكتاف أهاليهم، الكوفيات والأعلام صغيرة الحجم التي يحملونها، لكنها تحمل أكبر المعاني والقضايا.
كانت المسيرة مدرسة للوعي؛ من يمشي فيها يشعر بوزن التاريخ، يسمع الأصوات الغائبة، يرى المدى المفتوح بين الحلم والواقع، يدرك أن العودة وإن كانت بعيدة سياسيًا، لكنها ممكنة وجدانيًا، ومحصنة أخلاقيًا. ولهذا، فإن منعها هو محاولة لضرب المعنويات، لتفريغ الأجيال من هذا الرابط العاطفي والوجداني العميق مع الأرض.
ولهذا، بات التمسك بالهوية الوطنية مسألة تحدٍّ، لا فقط في وجه إسرائيل، بل أولًا وأساسًا في وجه أنفسنا، في ظل حالة من التفكك الاجتماعي، وهيمنة العنف والجريمة داخل مجتمعنا. أصبح التمسك بالهوية الوطنية موقفًا وجوديًا، ومسيرة العودة – حتى وإن لم تكن أداةً كافية لتحقيق العودة المنشودة – فإن مجرد إحيائها، ولو على مستوى الوعي والضمير، هو فعل مقاومة، وفعل بناء داخلي يعزز الحصانة النفسية والاجتماعية.
الانتماء للوطن ليس عبئًا، بل هو تصالح مع الذات، هو نقطة التقاء بين ماضٍ ممتد ومستقبل ننشده، هو اللحظة التي أشعر فيها أنني جزء من حكاية كبرى، حكاية شعب لم يتنازل عن حقه رغم كل محاولات الطمس. وكلما ازداد انتمائي لقضيتي، ازداد شعوري بالكبرياء، وكلما ازداد كبريائي، شعرت بأن لي قيمة، وأن لحياتي معنى يتجاوز حدود الفرد ليصل إلى معنى أوسع، أعمق، وأكثر رسوخًا.
الوطنية ليست موضة، وليست موجة مؤقتة، بل هي جذور، وكلما تعمّقنا بها، استطعنا أن نواجه الرياح بأقدام ثابتة، وأرواح عالية.
كان من المفترض بعد نكبة 1948 أن تستعيد الامّة مع الشعب الفلسطيني كحربة متقدمة للامة عافيتهما، وأن تأخذ وقتها الكافي لرد الاعتبار وتحقيق الانتصار على مجموعة العصابات الصهيونية التي أقامت كيانها عنوة على أرض فلسطين، وكم تحتاج المسألة ليحسم البحر العربي المحيط بهذا الكيان أمره لإطلاق طوفانه المزمجر والمحرّر لفلسطين؟ كم يحتاج لكنس وتنظيف فلسطين من هذا المشروع الصهيوني في بداياته المنذرة بالخطر الجسيم إن سكتت الامّة عليه وتركته ينمو ويترعرع؟ هذا فيما لو توفّرت الإرادة، هل يحتاج إلى ثلاث سنوات مثلا أو خمسة؟ ليأخذ عشرسنوات، كان من المفترض أن يحدث هذا الطوفان على أبعد تقدير سنة 1958 أيّ بعد عشر سنوات، ولكنه لم يحدث بفضل دول تحمل في صدرها روح الهزيمة ولم تتحرّك إرادتها أبدا بروح الانتصار أو الردّ على العدوان، لم تكن هناك دول وجيوش ولكنها كانت في الحقيقة مستعمرات فاقدة السيادة وفاقدة كلّ شيء سوى الانصياع لمفرزات "سايكس بيكو " وتفريز إرادتها وكرامتها واستقلالها الوطني. باختصار كانت فاقدة للإرادة، تمتلك شكل الدول، أعلام وجيوش ووزارات وراديو وتلفاز ومخابرات وأمن وبساط أحمر، الهيكل قائم ولكنه دون روح ودون بوصلة وحرام عليه أن يرفع طرفه إلى ما أصبح يسمّى "إسرائيل"، وسمح له أن يتغنّى بفلسطين أو أن تكون فلسطين له بمثابة مبكى ينثر دمعه وبكائياته وشعاراته على جداره.
أمّا الشعب الفلسطيني فكان في الضفة الغربية تحت الوصاية الأردنية التي بيدها القرار وتحول بينه وبين من أن يمارس حقّه في مقاومة محتل أو مجرّد التفكير بهذا الاتجاه المحظور تماما، وكانت النتيجة أن تهيأت الضفة وأصبحت لقمة سائغة للمعتدين، وكذلك الامر كان في قطاع غزّة بخصوص الوصاية المصرية، ولم يتأخّر الطوفان كثيرا إذ بدل أن يأتي من المحيط العربي ليجتاح هذه العصابات الشراذم التي نجحت سابقا سنة 48 في التطهير العرقي لقرابة ثلاثمائة وستين قرية ومدينة فلسطينية، لم يتأخر الطوفان ولكنه كان معاكسا، كان من هذه العصابات التي سال لعابها على الضفة وشرقي القدس وغزة والجولان وشبه جزيرة سيناء، كان الطوفان الساحق والصاعق للامّة النائمة والمحميات الطبيعية التي كانت تسمى دولا عربيّة، طوفان في ستة أيام دحر جيوش ثلاث دول وسحقها وطردها في ستة أيام، فبدل أن يكون الطوفان من البحر البشري المحيط بفلسطين، كان العكس تماما، أفاضت واحة الصهيونية الجميلة الوادعة الامنة بطوفانها الهادر فوسّعت أطرافها وفردت جناحيها على قلب الامّة النابض " القدس"، وضعتها في قبضة يدها وأحكمت خناقها و"على عينكم يا عرب ويا مسلمين" ويا كلّ المدّعين أن المسجد الأقصى أية في قرآنهم الكريم.
هزيمة ساحقة ثانية سمّوها نكسة، ضربتان في الرأس من قبل كيان، مجرّد كيان ناشئ لا يستحق من أمّة العرب والمسلمين كلّ هذا العناء، قتل وتحرير وحروب، كلّ رأس ماله أن يبصق كلّ مواطن عربي(كما كانوا يقولون) بصقته فيغرق هذا الكيان، تأخر البصق طويلا ولكن أن تأتي متأخرا خير لك من أن لا تأتي، لقد تأخّر الطوفان العربي، تلكأ طويلا بينما كان هذا الكيان يتعاظم في قوّته، كان بالإمكان أن نأخذ وقتنا بعد هزيمة سبعة وستين في الاعداد والتجهيز للطوفان، صارت حرب ثلاثة وسبعين فتأمّل الناس خيرا ولكنهم سرعان ما أحاطوها بطوفان سياسيّ أخرج مصر من محاولة الطوفان القادم، لنأخذ وقتنا بعشر سنوات إضافية لإتقان طوفان عربي تكون منظمة التحرير الفلسطيني في مقدمته، لا أدري لمَ يسبقوننا على الطوفان، هذه المرّة بداية الثمانينات أطلقوا طوفانهم على لبنان فدخلوا بيروت واجتاحوها وأخرجوا أعزّة أهلها منها أذلّة وليكون الشتات من جديد للثورة الفلسطينية إلى تونس واليمن. وصارت لبنان ساحة صراع أفرزت حزب الله الذي نجح في الحاق هزيمة نكراء بهم وتسجيل براعة اختراع هي أن هزيمة هذا الكيان ممكنة.
حاول الفلسطينيون ممارسة شكل من أشكال الطوفان سنة سبعة وثمانين حيث انتفاضة الحجارة التي أذهلت العالم وأعادت الروح للقضيّة وصار للفلسطيني إثبات واضح أنه حيّ وندّ وخصم وقادر على مقارعة هذا الكيان الذي أصبح عملاقا على ظهر العجز والضعف العربي الذي لم يستطع أن يصنع طوفانا يقتلع هذه الغدة السرطانية المقيتة التي أقاموها على صدر كرامته. التفّوا على الانتفاضة بالسياسة وأدخلونا نفق أوسلو الذي طحن القضيّة وأنتج نكبة جديدة زادتنا خبالا وعجزا وهوانا، تنازلوا على طبق من ذهب على ثمانية وسبعين بالمائة من فلسطين وتركوا الاثنين وعشرين بالمئة وهي الضفة معلّقة وعرضة للاستيطان والمراوغة، مرّ 30 عاما دون أن تنتج للفلسطيني كيانا أو شبه دولة أو حتى عيش بكرامة. الضفة زرعوا فيها لولبا فلم تلد دولة كما كان منشودا ومنتظرا وقطاع غزّة ضربوا حصارا خانقا عليه وتركوا له رئة ضيّقة من صنيعهم تتحكم في أنفاسه وتحسبها عليه.
لقد تأخّر طوفان العرب طويلا بل طويلا جدا، فهل انتظاره واجب لا محال؟ وماذا ينتظر الفلسطيني؟ أوسلو جديد بسقف ينخفض أكثر وأكثر تحت مطارق الاستيطان الزاحف واليمين المتطرف المعربد على الأقصى والضفة التي لا يرى فيها الا "يهودا والسامرة" وليس للفلسطينيين فيها الا الهجرة وبقاء الايدي الخادمة؟ ولم تعد تركيبة قياداتهم الا المزيد من التطرّف العنصري الذي ينذر بطوفان لهم يوسّع من دائرة الاحتلال إلى الدول المجاورة.
لقد تأخر الطوفان كثيرا حتى وصل إلى السابع من أكتوبر لعام2023 ففار التنّور، وكان لا بدّ من استعادة احياء النكبة من جديد لتكون هذه المرّة علينا وعليهم، وإليكم هذه الفاتورة باختصار شديد بين اليوم والثمانية وأربعين:
في الثمانية وأربعين دفع الشعب الفلسطيني فاتورة باهظة الثمن لهزيمة أمّة وثمنا لفقدان أمّة لحريتها وسيادتها وكرامتها ورضاها لأن تأخذ شكل الدول بينما هي مستعمرة وفاقدة الحرية والكرامة والاستقلال حتى النخاع. اليوم الامة على حالها مستعمرات أمريكيّة. والفارق اليوم أن النكبة أيضا قد وقعت عليهم، أقاموا كيانهم وبسطوا نفوذهم وهيمنتهم سنة 48 بسهولة ويسر، كانوا مرتاحين ومتفائلين ومنطلقين إلى العلوّ والتحكم بمصائر من حولهم بكل قوّة واقتدار، وكانت السيادة والريادة والسقاية والرفادة بين أيديهم، ولاية أمريكية في المنطقة تحمي مصالح الغرب بادعاء الرقيّ الحضاري وتمثيل الحضارة الغربية بنسخة متطورة وجميلة تؤهلها لقيادة المنطقة والقبض على دفة القيادة لقطار التطبيع الذي يمخر عباب البحر العربي دون أيّ اعتراض يذكر. يعني كما قال ذلك النتنياهو بصريح العبارة هندسة الشرق الأوسط، ولكن من المهندس وما هي قواعد الهندسة؟ الإجابة تعطينا أين كنا.
الان الطوفان أثبت بما لا يدع مجالا للشك فيه أنّهم بحاجة الى الحماية الامريكية والغربية ودونها لا مقام لهم أبدا، الطوفان أوقع بهم ما لا يمكن العلاج منه والكثير من أصواتهم سوى صوت النتن تعترف بذلك، أهمّها أثبت أنّ العقل العربي قادر على تحقيق الاختراق لجدار برليف الحصين والمحصن بكل تقنياتهم، وبصراحة العقل العربي الذي تربّى على القران كتاب الثورة والحكمة، لو أراد فإنه قادر على تحقيق التفوّق على العقل الصهيوني الذي يمدّه العقل الغربي بكل ما يريد. وهذه نكبة نفسية وتقنية لا مجال للفكاك منها أبدا، لذلك يواصلون القتال لاستئصال شأفة هذه الفكرة، بعد أن علّمت عليهم ووشمتهم بهذا الوشم والذي على ما يبدو لا يمكن أبدا إزالته مهما طال أمد الحرب.
ونكبتهم اليوم ثانيا في سقوط سرديّتهم التي سوّقوها ودفعوا مليارات الدولارات من أجل نجاحها وسيطرتها على العقل البشري، هذه سقطت بعد الطوفان، كان قوامها على مظلوميتهم ومحرقة الهولوكوست التي تعرضوا لها في ألمانيا واستحقّوا بذلك هذا الدعم الغربي لإقامة وطن لهم. وماذا الان عن هذه السردية وهم يقيمون الهولوكوست في غزّة، قتل وحرق وإبادة جماعية وإدانة عالمية أسقطت سرديّتهم، لم يعد أحد يصدّقهم سوى قوى استعمارية غاشمة يعرفها العالم جيّدا، عادوا منبوذين عالميّا مدمّرين نفسيّا وحضاريّا وانسانيا وأخلاقيا، وهذا لا أدّعيه في مقالي هذا بل هو ما تقوله قيادات فكرية كبيرة وازنة عندهم عدا عمّا يقال عنهم عالميا.
ونكبتهم ثالثا هذا الصراع الداخلي والانقسام الذي يتفشّى بطريقة غير مسبوقة، لقد باتت مآلات الطوفان واضحة للعيان على صعيد جبهتهم الداخلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الكل الان ينتظر الحرب أن تضع أوزارها لتنطلق أوزار العواقب، وزد على ذلك انعكاسات التوحّش الذي يمارسونه على الفلسطينيين سينعكس داخليا. وكذلك مسارعة مجتمعهم نحو التطرف الديني العنصري المتشدد قد قضى على فكرة الدولة العلمانية التي كانوا يحاولونها أن تجمع بين الديمقراطية والعنصرية، ها هي تفشل فشلا ذريعا وتختطف الدولة هذه الجماعات المتطرفة وتدفع بقية المجتمع الى الهجرة أو المزيد من التطرف.
باختصار في الثمانية وأربعين كانت نكبتنا وحدنا بينما اليوم قد وقعت عليهم النكبة وشملتنا وإياهم. هم الان يقولون أن معركتهم معركة بقاء، حياة أو موت، يهربون للأمام في محاولة صناعة حلول جذرية بالمزيد من الدمار والقتل والتوحّش في غزّة والضفة ولبنان وسوريا واليمن، يحاولون معالجة تداعيات الطوفان ولكن أنّى لهم ذلك، يكفي شعورهم وقد صرحوا بذلك: ماذا لو رفعت أمريكا دعمها لهم كما فعلت مع أوكرانيا؟ إنها مصائر الأمم التي ترضى لنفسها بالدور الوظيفي وتقام بالاتكال على طرف قويّ، ولم تعتد الاعتماد على نفسها بشكل كامل، إنها الوصية التي جعلوها وراء ظهورهم من موسى عليه السلام ( وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا) هل سالنا أنفسنا لم اختار القرآن بالتحديد هذه الوصيّة (ألا تتخذوا من دوني وكيلا) في سياق الحديث عن افساد بني إسرائيل في هذه الديار؟ هم الان كما يقال لا تقوم لهم قائمة لو توقفت أمريكا عن شحنهم بالذخائر أربع وعشرين ساعة. لقد شملتهم النكبة بعد غزوة السابع من اكتوبر ولم تعد لنا وحدنا كما كانت نكبة ثمانية وأربعين. ولقد تأخر الطوفان كثيرا، ليته كان قبل ذلك بعقود، قاتل الله من كانوا سببا في تأخيره إلى هذا اليوم، ورحم الله كل من ساهم في إنجازه وتحقيقه هذه الأيام وأن تصل متأخرا خير من أن لا تصل.
الكاتب : محمود علوش
فجر 2 مايو/ آيار الجاري، شنّ الجيش الإسرائيلي غارة جوية على محيط القصر الرئاسي في العاصمة السورية دمشق. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بيان مشترك مع وزير الجيش إن الغارة تحمل رسالة واضحة إلى الحكومة السورية مفادها أن إسرائيل لن تسمح بأي تهديد للدروز.
على الرغم من رمزية الضربة، فإنّها، من حيث الدلالات، تُعدّ من بين الخطوات الأكثر تصعيدًا في التحركات العدوانية الإسرائيلية في سوريا منذ الإطاحة بنظام المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
فهي من جانب رسالة تهديد ضمنية للرئيس أحمد الشرع شخصيًا ولإظهار أنه لا توجد خطوط حمراء تردع إسرائيل من الذهاب بعيدًا في تقويض الحكم الجديد.
كما أنّها مُصممة لإضفاء مصداقية على وعود "الحماية" التي تُقدمها إسرائيل للدروز، خصوصًا أن هذه الوعود لم تمنع الدولة السورية من دخول منطقتي أشرفية صحنايا وجرمانا على أطراف العاصمة في الأيام الأخيرة، ولم تمنع كذلك الاتفاق بين دمشق ووجهاء منطقة السويداء على دخول الدولة إليها.
إن استهداف محيط القصر الرئاسي إلى جانب الاستثمار الإسرائيلي في الحالة الدرزية والحديث الإسرائيلي المستمر عن الأقليات في سوريا والحاجة إلى دعمها من جانب المجتمع الدولي، يندرج في إطار نهج أوسع يسعى لاختبار مدى قدرة الرئيس أحمد الشرع على التحرك تحت ضغط الترهيب المادي والمعنوي الذي تُمارسه إسرائيل على سوريا، ولاختبار مدى استعداد السوريين لتحمّل تكاليف مشروع الدولة الموحدة، في وقت تُحاول إسرائيل استخدام "ملف الأقليات" كورقة ضغط على دمشق.
لذلك، لا يقتصر التحدي الإسرائيلي لسوريا في الواقع على احتلال أجزاء جديدة من أراضيها، أو على محاولة إحداث شرخ بين الدروز والدولة السورية، وتأليب المكونات السورية المُختلفة على هذه الدولة فحسب، بل أيضًا يُشكل تهديدًا وجوديًا لسوريا ككيان، ولعملية التحول فيها، كما يُشكل تحديًا كبيرًا لتركيا التي تضع كل ثقلها خلف الشرع والحكم الجديد لإنجاحه؛ لأنها ترى في سوريا الموحّدة والمُستقرة حاجة جيوسياسية لها لا تقبل المساومة، وأن نجاح إسرائيل في فرض تصوراتها لسوريا كدولة مقسمة أو فدراليات، يُشكل تهديدًا مباشرًا لتركيا.
مع ذلك، لا تعكس التحرّكات الإسرائيلية بالضرورة وضعًا مُريحًا لإسرائيل في سوريا، وهي تكشف نقاط ضُعف في هذا الوضع بقدر أكبر من نقاط قوة.
فمن جهةٍ تواجه مُعضلة كبيرة تُضعف استثمارها في الحالة الدرزية وتتمثل في تيار وطني قوي داخل الحالة الدرزية يُعارض الأطروحات الانفصالية والصدام مع الدولة، وأن يكون الدروز أداة لإسرائيل لتفكيك سوريا.
وهذا التيار عبّر عن نفسه بوضوح في اتفاق وجهاء السويداء في 1 مايو/ أيار الجاري، والذي يقضي بدخول الدولة إلى المحافظة وإلى منطقتي جرمانا وصحنايا على أطراف دمشق.
وبدون بيئة حاضنة لها كما هو الحال، لا تستطيع إسرائيل إنجاح استثمارها في الحالة الدرزية كما تُريد وفرض واقع خاص بها. وهذا الوضع يُوجد مُعضلتين لإسرائيل: أولاهما انكشاف عيوب الاستثمار في قضية تُشكل مدخلًا رئيسيًا لإسرائيل للتدخل في سوريا، والثانية تقويض مصداقية الوعود التي قدّمتها للتيار الدرزي الذي يُظهر في خطابه تماهيًا متكاملًا مع مشروعها في سوريا، ويتنزعمه الشيخ حكمت الهجري.
ومن جهة ثانية، يُعزّز الحكم الجديد في سوريا نفسه بشكل متزايد، وأصبح يحظى بقبول دولي واسع مما يدفع إسرائيل إلى تغيير خطابها تجاه هذا الحكم باعتباره نظامًا قائمًا وليس مُجرد سلطة تُديرها هيئة تحرير الشام.
وأصبحت إسرائيل تستخدم هذا الخطاب حتى في رسائل التهديد التي تُرسلها لسوريا. علاوة على ذلك، لا تستطيع إسرائيل تجاهل التوجه الأميركي العام الذي يُبدي ميلًا للتعامل مع الرئيس الشرع، وبدأ بالفعل في سياق تفاوضي معه، كما يولي أهمية كبيرة للتقاطعات الإستراتيجية في الأهداف والمصالح مع تركيا في سوريا.
وقد عبّر الرئيس دونالد ترامب بوضوح عن هذه التقاطعات خلال اجتماعه الأخير مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض في 5 أبريل/ نيسان الماضي، عندما أبلغه بأن تركيا هي الدولة الأكثر تأثيرًا في تشكيل مستقبل سوريا، وأن على إسرائيل أن تكون عقلانية في التعامل معها، وهذا يعني أيضًا أن على إسرائيل أن تكون عقلانية أيضًا في الأهداف التي تضعها في سوريا كي تكون قابلة للتطبيق.
تجدر الإشارة إلى أنه منذ اجتماع ترامب ونتنياهو وشروع تركيا وإسرائيل في مفاوضات للتوصل إلى آلية لإدارة المخاطر، شهد النشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا، تراجعًا كبيرًا، ولم تُسجل منذ 2 أبريل/ نيسان الماضي أي غارات إسرائيلية حتى الهجومين الأخيرين على دمشق.
إن هذه المؤشرات الثلاثة تضغط على الإستراتيجية الإسرائيلية في سوريا، وقد تدفع باتجاه تغيير في هذا النهج يتناسب مع الواقع السوري الحالي.
فالأهداف المُفرطة في عدم الواقعية، لا تؤدي فحسب إلى إظهار نقاط الضعف في الموقف الإسرائيلي، بل تُخاطر مع مرور الوقت بإفراز نتائج عكسية.
ومع ذلك، يبقى من الضروري أن يضع الرئيس الشرع وتركيا في حسبانهما أن إسرائيل لن تتخلى بسهولة عن أهدافها في سوريا، حتى لو اضطرت إلى تعديل خطابها أو أساليبها. فهي تسعى إلى إبقاء سوريا ضمن دائرة التوتر والضغط، لتتمكن من التحرك بحد أدنى من التكاليف الإقليمية والدولية.
الكاتبة: د. آمال موسى
غداً السبت هو اليوم العالمي لحرية الصحافة: إنه من الأيام الدولية التي تزداد قيمتها من سنة إلى أخرى لسببين اثنين: الأول، أهمية الصحافة نفسها إلى درجة أن اعتبارها السلطة الرابعة بات اليوم بحاجة إلى مراجعة، حيث أصبحت الصحافة طرفاً فاعلاً وأداة في الوقت ذاته، وأبعد ما تكون عن كونها مجرد وسيط ناقل. والسبب الآخر يعود إلى ما يحف اليوم وسائل الإعلام من إشكاليات، تشمل دور الصحافة وتحديات الحرية وشروط المهنية والضمير. وأيضاً من المهم الإشارة إلى أن الحرية هي اختزال لمشكلات عدّة متشابكة ومعقدة تهم الصحافة، والمؤكد هو أن الحرية مطارَدة في كل هذه المشكلات. قبل الحديث عن حرية الصحافة من عدمها، يبدو لنا أنه من المهم إلقاء نظرة على واقع الأخبار والمعلومات اليوم: مَن يصنع الخبر؟ وكيف؟
هناك اليوم نوعان من الأخبار: أخبار ينتجها الواقع بوقائعه وأحداثه، وأخبار يجري تصنيعها في «معمل خياطة» يُعنى بخياطة الأخبار. والمؤسف أن في النوع الأول مصير الخطير منها التعتيم عليها وتعويضها بأخبار أخرى وقعت خياطتها وفق المقاس اللازم، وهو مقاس المصالح والتأثير. لذلك فإنه في عصر المعلومات -وتدفق المعلومات كما يقال- نسجِّل ظاهرة تعتيم المعلومات، وهو تعتيم تقوم به المعلومات البديلة المزيفة. ومثل هذه العملية هي أخطر عملية تلاعب تُحاك ضد ما يسمى الرأي العام، إذ إن ضبابية المعلومات والأخبار وتناقضها يمنعان ويعطِّلان بروز رأي عام حول قضية معينة. ذلك أن المعلومات الواضحة وذات المصداقية يلتفُّ حولها الناس بالسلب أو بالإيجاب، ومن ثمَّ تتشكل قوى الضغط ويمارس المجتمع المدني دوره في الذود عن الحق والعدالة والسلام.
إذن ما نلاحظه هو الطابع الملتبس لشعار «زمن تدفق المعلومات»، إذ إن المعلومات الحقيقية والصحيحة هي بين التعتيم والتهميش. وفي هذا السياق لا يمكن التغافل عن دور شبكات التواصل الاجتماعي في احتضان المعلومات المضادة في شكل بحار وشلالات تغرق فيها المعلومات الصحيحة وتموت.
إن ظاهرة التعتيم لا يمكن الفطنة إليها بسهولة، لأن الأمر لا يشمل المعلومات والأحداث كافة بقدر ما يتصل بالأحداث الكبرى والحروب والتوترات، ونحن في مرحلة توتر عالية جداً، الأمر الذي جعل التعتيم سمة بارزة. وكي نفهم هذه النقطة أكثر فإنه يكفي أن تُطرح أسئلة واضحة بسيطة حول الصراعات الراهنة، وتحديداً وسائل الإعلام المساندة لكل طرف من أطراف الصراع، إذ إن لكل طرف إعلاماً يصنع له السردية والقصة الخبرية التي تخدم موقعه في الصراع والمصالح التي دفعت به إلى الصراع. بمعنى آخر، فإن وسائل الإعلام المرتبطة بأطراف الصراعات الدولية الراهنة تحولت إلى معامل لصناعة الأخبار، ومطابخ لإعداد وجبات الأخبار وفق المقادير اللازمة أو هي ورشات خياطة تحيك الخبر على مقاس المصلحة والهدف.
لنتذكر جيداً أن الإعلام ليس حراً في المطلق ولم يكن يوماً كذلك. فقط ارتباطه بالآيديولوجيات والقضايا الكبرى في وقت ما جعل من الخطاب الإعلامي متعلقاً بالفكر في جانب وافر منه. ومنذ سنوات أصبحنا نتحدث عن أجندات خاصة بوسائل الإعلام تظهر في الصراعات الكبرى: بيار بورديو في كتابه «التلفزيون والتلاعب بالعقول» تناول ظاهرة التشابه بين وسائل الإعلام، وكيف أن الأخبار هي نفسها والمعالجات هي ذاتها. وهي ظاهرة قائمة الذات، غير أن الاختلاف بين وسائل الإعلام لا يمكن تحديده إلا في الصراعات التي تفرض على وسائل الإعلام الكشف عن أقنعة أجنداتها المخفية.
إذن في اليوم العالمي للصحافة نستنتج أن حرية الصحافة ليست فقط نسبية ومرتبطة بأجندات وموازين قوى، بل إن ما يستحق التفكير فيه اليوم هو إلى أي حد أصبح تهديد حرية الصحافة خطيراً؟
عندما كانت الصحف تعتمد على المبيعات وعلى القراء، كانت مواجهتها للضغوط وكسب معركة الحد الأدنى من الحرية والنقد نلمسها في المعالجة الإخبارية وكمِّ المعلومات ذات المصداقية. في حين أن الثورة في تكنولوجيا الاتصال قضت على القارئ الذي كان ينتظر الغد ليطلع على الأخبار والمعلومات الجديدة. لذلك فإن حرية الصحافة تواجه تحديات اقتصادية عميقة بسبب موت القارئ الذي كان يدفع ثمن الحد الأدنى من المصداقية، ولن تستطيع المنصات الإلكترونية البديلة مجهولة الهويات اليوم أن تعوِّض وسائل الإعلام التي على الأقل كنا قادرين على تمييزها ونقدها وتسميتها. سنغرق أكثر في أكذوبة تدفق المعلومات إلى حين إعادة إنتاج الصحافة لدور يجعل منها مرآة نقيس من خلالها حرية التعبير والمصداقية والضمير.
الكاتب : إفرايم إنبار
جيروزاليم بوست
في خضم الصراع المستمر في قطاع غزة، تبدو التوقعات المتعلقة بـ"اليوم التالي" متفائلة أكثر مما ينبغي. فالأمل في بروز كيان سياسي منظم في غزة قادر على احتكار استخدام القوة ومنع الهجمات على إسرائيل، مجرد أمنية بعيدة المنال في الظروف الراهنة.
التاريخ أثبت أن قدرة إسرائيل، وحتى القوى العظمى، على إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط محدودة للغاية. فشل إسرائيل في تغيير النظام اللبناني عام 1982، وعجز الولايات المتحدة عن فرض الديمقراطية في أفغانستان والعراق، ناهيك عن إخفاق الاتحاد السوفيتي في تحويل أفغانستان إلى دولة تابعة، كلها شواهد على أن فرض أنظمة سياسية من الخارج مسار محفوف بالفشل.
حتى إن استطاعت إسرائيل تقويض القوة العسكرية ل"حماس"، فإن غياب بنية سياسية حقيقية في غزة يجعل من المستحيل إنشاء دولة مستقرة. كما أن الكراهية العميقة تجاه إسرائيل، المتأصلة في الفكر القومي والديني الفلسطيني، لا يمكن أن تُعالج بالقوة العسكرية وحدها. هجوم 7 أكتوبر مثال صارخ على ذلك.
وتعاني معظم الدول العربية من مشكلات مشابهة، حيث تفقد السيطرة على استخدام القوة داخل أراضيها لصالح ميليشيات وفصائل مسلحة. الأمر لا يختلف كثيرًا في غزة، حيث لم تستطع "حماس" وحدها السيطرة الكاملة، فالجهاد الإسلامي وفصائل أخرى تتقاسم النفوذ هناك.
الحديث عن إعادة إدخال السلطة الفلسطينية إلى غزة يحظى بتأييد دولي، لكنه لا يعد حلاً مثاليًا. السلطة ضعيفة، وتغض الطرف عن العنف، لكنها على الأقل معتادة على التنسيق الأمني مع إسرائيل، وتسمح بحرية عمل للجيش الإسرائيلي ضمن حدودها. في المقابل، يُروّج اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية لفكرة ضم غزة، متجاهلًا التداعيات الدبلوماسية والاستراتيجية الخطيرة لهذا الخيار، خاصة أنه لا يحظى بإجماع داخل المجتمع الإسرائيلي المنقسم.
في ظل هذا الواقع المعقد، من المرجح أن تظل غزة ساحة للفوضى، ما لم تظهر جهة فاعلة راغبة في تولي مسؤوليتها. هذه الفوضى، رغم مخاطرها، قد تمنح إسرائيل فرصة لإنشاء مناطق عازلة وتقييد التهديدات دون عراقيل من كيان سياسي معادٍ.
ختامًا، لا تملك إسرائيل رفاهية القضاء الكامل على العنف أو إحلال السلام الدائم، لكنها تستطيع تقليل التهديدات عبر تجنب السياسات التي أثبتت فشلها، كاحتواء غزة والاكتفاء بـ"جزّ العشب" كل فترة. فطالما أرادت إسرائيل البقاء كدولة يهودية ذات سيادة، فعليها أن تقبل بحقيقة أنها ستضطر للعيش بحد السيف لسنوات طويلة قادمة.
الكاتب : عبد المجيد سويلم
لم تكن الأوضاع في سورية على هذه الدرجة من التهديدات، ومن الأخطار على وجود الدولة والمجتمع، وعلى هذه الدرجة، وعلى هذا المستوى كما هي اليوم.
لقد تمّت أكبر عملية خداع للشعب السوري بأن صُوّر له سقوط النظام السابق وكأنه «إنجاز» تاريخي أدّى فيما أدّى إليه إلى «تحرُّره» من حقبة تاريخية طويلة تميّزت فعلاً بدرجات قاسية من القمع لكلّ أنواع الحرّيات، ولتجاوزات متواصلة لكل حدود ممكنة من التعديات والانتهاكات.
هذا القمع، وهذه الانتهاكات لم تسلم منها أيّ طبقة أو فئة اجتماعية، ولم تسلم منها طائفة أو جماعة إثنية، وقد طالت فيما طالته مروحة واسعة من القوى والأحزاب السياسية، بما فيها مئات، وربّما آلاف الكوادر الوطنية والديمقراطية الفلسطينية.
كاتب هذه السطور، شأنه في ذلك شأن هؤلاء الآلاف استبشر خيراً بالثورة السورية في بداياتها الأولى، ورأت كلّ القوى الوطنية والديمقراطية السورية، ومن بينها جماعات «الإسلام السياسي» «المعارضة» تاريخياً للنظام أنّ هذه الثورة، وخصوصاً كونها كانت جماهيرية واسعة في الريف، ولم تنحصر في مراكز المدن السورية، وكانت تطرح أهدافاً واقعية، ولم تكن متطيّرة، أو متطرّفة، أو حتى استفزازية، ربّما تكون الثورة التي ستنقذ البلاد والعباد.
تمّ اختطاف تلك الثورة، وتمّ الغدر بها في جُنح الظلام، وتم زجّ القوى الإقليمية والدولية بسرعةٍ مرعبة، وتمّ توريد آلاف مؤلّفة من الجماعات الإرهابية لتتصدّر المشهد السوري، وتستولي بالكامل عليها، وتفتّتت قوى الثورة بين مراكز الإقليم العربي كلّه، وأصبحت «المعارضة» مجرّد واجهات سياسية للتعبير عن رؤى وإستراتيجيات مراكز الإقليم العربي في العربية السعودية وقطر والأردن ومصر وتركيا.. وغيرها، فيما كانت منظمات وجماعات الإرهاب الإسلاموية تستولي شيئاً فشيئاً على كامل المشهد السوري المعارض.
واستمرّ تراجع القوى الوطنية والديمقراطية السورية حتى وصلنا إلى تحوّلها كلّها، ومن دون استثناء إلى مجرّد هياكل ومنابر إعلامية باهتة في أغلب الأحيان، وإلى سواتر سياسية لسيطرة جماعات الإرهاب على الجغرافيا السياسية للبلاد قبل أن يعيد النظام ترتيب قوّاته، ويبدأ هجومه الكاسح بدعم مزدوج من إيران ومن «حزب الله» اللبناني، ثم من القوات الروسية، وهو ما قلب كلّ الموازين، وخصوصاً بعد «معركة حلب»، وأدّى إلى الدخول التركي السافر وتركيز هذه الجماعات في منطقة إدلب، وتحوّل هذه المساحة السورية إلى أكبر قمع للمعارضة السورية تحت إمرة وسيطرة جماعات «الإسلام السياسي» المتطرّفة.
سقوط النظام جاء بالتنسيق الكامل والبائن بينونة كبرى بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وتركيا، وبإسناد من بعض الدول العربية، بالرغم من معرفة كل هذه الأطراف بكلّ عمقٍ ووعيٍ وتتبُّعٍ أدقّ التفاصيل، وإدراكهم أنّ هذا السقوط كان مستحيلاً قبل انكفاء قوات «حزب الله»، وقبل تراجع واستنكاف كلّ من إيران وروسيا عن دعم النظام بعد أن فهموا أنّ الأخير لا يخطّط للدفاع عن نفسه، وأنّه اختار التخلّي عن الحكم بدلاً من مواجهة القوات القادمة من الشمال، والقوات المتحالفة معها في كل المناطق السورية.
سقوط النظام على أيدي الجماعات المسلّحة كان مسرحية هزلية، وتمّ استلام السلطة في دمشق دون قتال يُذكر، وتمّت الصفقة الأولى بأن قامت دولة الاحتلال بتدمير كل مقدّرات ومقوّمات الجيش السوري بمعرفة وعلم وبتنسيق كامل ما بين هذه الجماعات وكلّ الأطراف العربية والدولية التي شاركت في هذه المسرحية.
قوى «الإسلام السياسي» التي تطلق على نفسها «هيئة تحرير الشام» هي ليست سوى قوى متحوّرة عن «النصرة»، وعن «داعش»، وليست سوى أداة تابعة للقوات التركية، وتحت سيطرتها الكاملة، وهي لم تواجه في عملية إسقاط النظام سوى مقاومة هامشية في منطقة حمص، ولعدّة ساعات فقط، وكان دورها حتى في عملية استلام السلطة في دمشق جاهزاً ومجهّزاً من قبل قوات أخرى قدِمَت إلى دمشق، ولم يكن دورها سوى أن تصوّر للشعب السوري، وللعالمين العربي والإسلامي، وللعالم كلّه أن سقوط النظام قد تمّ في إطار «زحف» قوى «المعارضة»، و»إسقاط» المدن والمناطق السورية مدينة وراء أخرى، ومنطقة بعد أخرى.
انطلت العملية على قطاعات سورية واسعة في بادئ الأمر في خضّم التخلّص من النظام السابق، وبعد أقلّ من شهر واحد أو ربّما عدّة أشهر فقط انكشف أمر «النظام الجديد»، وتحوّلت «المعارضة» السورية نفسها من موقف الداعم والمساند لسلطة «الشرع» إلى مواقف التخوّف من كلّ ما يجري، والانتقال إلى مرحلة التشكُّك في كلّ ما يتمّ في سورية، وصولاً إلى تبلور قناعات جديدة ليست سوى إدراك حجم الخديعة التي تعرّض لها الشعب السوري، وحجم المؤامرة التي باتت تواجهها البلاد السورية، وحجم الأخطار التي تحدق بها.
باختصار فإنّ تركيا وقطر قبلتا أن تلعبا دور الأداة التنفيذية لتدمير مقوّمات الدولة والجيش السوريين، خصوصاً وأنّ النظام السابق قد فتح الباب مُشرعاً لهذا التدمير، ودعمت الدول العربية النظام الجديد أملاً بالمحافظة على وحدة البلاد.
تبيّن الآن حتى لأشدّ المهووسين غباءً في رؤيتهم لـ»الثورة» السورية الجديدة أنّ دولة الاحتلال قد بدأت مرحلة جديدة عنوانها هو رفض اقتسام النفوذ في سورية، والانتقال إلى إنهاء وجود الكيان السوري الواحد أو الموحَّد.
تركيا وقطر ليس لديهما مشكلة طالما أنّ منطقتي الشمال السوري ودمشق تحت سيطرة الشرع، والدول العربية ليس لديها مشروع للوقوف ضد مشروع التقسيم.
لكن مشروع التقسيم ليس كافياً بالنسبة لدولة الاحتلال لأن التقسيم والتفتيت ليس «ضمانة» مستقرّة يمكن لدولة الاحتلال «الاطمئنان» لها، بل ترى أنّ التقسيم نفسه قد يشكّل حافزاً لإعادة التوحيد في قادم الأيّام، وقد لا يكون هذا اليوم من عداد الأيام البعيدة، ولهذا فإنّ الخطّة الصهيونية هي الاحتراب في أثناء التفتيت، والاحتراب بين كلّ المناطق والطوائف والإثنيات، والاحتراب على قاعدة أن يتمّ توفير آليات دفع جديدة ومتجدّدة، و»ضمان» ألا يتمّ انتصار أيّ فئة على أخرى، أو ضمان ألا يُهزم أيّ طرف من أطراف هذا الاحتراب والتفتيت، لأنهما الإستراتيجية الثابتة الوحيدة التي تراها دولة الاحتلال.
في هذا الإطار لا يملك نظام «الشرع» ما يفعله سوى أن يتطابق برنامجه مع هذه الإستراتيجية حتى لو أنّه يرى الأمور من زوايا مختلفة عن زوايا دولة الاحتلال.
نظام الشرع ذهب وحارب العلويين وارتكب بحقهم مجازر مروّعة، وليس أمامه سوى أن يقاتل الأكراد إذا أرادت تركيا الذهاب إلى قتالهم عند درجة معيّنة من تطوّر الأحداف معهم، وليس أمامه سوى أن يقاتل الجماعات الإسلامية الأخرى المسيطرة على مدينتي حلب وحماة، وليس أمامه سوى أن يتابع مسرحيّاته السياسية حول الدستور والانتخابات، وغيرها من «عدّة النصب» السياسي، ولكن دون أن يتفوّه بكلمةٍ واحدة حول الجولان السوري المحتلّ.
تحتاج سورية إلى قادة ثورة الـ»25» أو من هم على شاكلة سلطان باشا الأطرش وصالح العلي، وغيرهما من عظماء تلك الثورة التي وحّدت سورية والتي قبرت مشروع تقسيم البلاد السورية الذي كان قائماً في الواقع آنذاك.
الكاتب : بكر أبوبكر
في خضم العدوان الهمجي الدائر ضد فلسطين سواء في غزة حيث تراكم القتل وتعاظم المأساة والنكبة الثانية المتواصلة، وجرائم الحرب أو بالضفة حيث القضم والضم وسرقة الأرض والتمييز العرقي والقتل والأسر، تداولت مراكز الأبحاث الكثيرة والأدبيات الأمريكية والغربية والصهيونية مجموعة من الأوراق والدراسات والحلول لما بعد غزة. وحين الحديث عن السلطة الوطنية الفلسطينية كانت الآراء بين أربعة واضحة :
أولها : رأي حكومة اليمين الفاشي في الكيان بزعامة "نتنياهو" الذي كرّر أن "لا فتحستان ولاحماستان، ولا أبومازن ولا دولة فلسطينية"،
وثانيها : يصرّ على وجود السلطة الوطنية الفلسطينية لأنها لم تخرج أصلًا من القطاع ومازال الارتباط بكل مفاصل الحياة بها، وعبر وزارات ومؤسسات السلطة الوطنية وذلك رغم الافتكاك المسلح ل"حماس" للسلطات هناك عام 2007م،
أما الرأي الثالث فكان يتقلب بين الدعوة للحكم المتفرد للقطاع بلا راية مفزعة للسلطة الرسمية! أوبشراكة فوقية وباستقلالية حزبية، أو عبر لجنة يكون فيها للطرف القائم كلّ الهيمنة على الأرض.
أما الرأي الرابع فكان طلب وجود "سلطة متجددة" ما طلبته وكررته عديد مراكز الدراسات (والسياسيين الاجانب خاصة) على اعتبار امكانية (أو عدم امكانية) إشراكها جزئيًا في إدارة أو حكم غزة، أو لربما يمكن الحديث معها لاحقًا بعد تمرير أغراض ترَمب الرئيسية بسرقة البلاد وتركيع المنطقة.
تكالبت القوى المعتدية على فلسطين ككل، وعلى منظمة التحرير الفلسطينية وأداتها التنفيذية على الأرض أي السلطة الوطنية الفلسطينية ومنها على رأس رئيسها، كما تكالبت بالمقابل على فكرة المقاومة وفكرة الثورة وفكرة النضالية عند العرب والفلسطينيين بكل أشكالها، خاصة في خضم العدوان الهمجي على غزة (2023-2025م) ومخيمات الضفة، ومنذ التشكيك بأي شكل من أشكال الثورة والمقاومة المشروعة حتى بالصوت والأغنية والريشة والقلم، ونعته بالإرهاب، وبتجريم الشهداء وعوائلهم، وتجريم الأسرى والمعتقلين، ومحاولة شطب (الانروا)...الخ.
أصبح واضحًا أنه في حين لا وجود لجهود ردع للعدوان الصهيوني أو الصهيو-أمريكي التنفيذية قط (اقتصادية، سفراء، تهديد بقطع العلاقات، وقف العلاقات الثقافية!، ....الخ) من العرب أ غير العرب، نرى الدعم الأمريكي (ومنه بعض الأوربي) التنفيذي الحاسم (سلاح وأموال واستخبارات، واقتصاد ...الخ) بلا حدود وبلا قيد أو شرط، وحيث تتراخى الجهود الدبلوماسية، وتتخذ السبيل السياسي الضعيف، وأحيانًا المتواطيء دربًا أساسيًا، وحيث ينتشر صمت أصحاب العمامات وأصحاب (الطرابيش) العرب مقابل علوّ صوت الفضائيات تصدح بما يعاكس حقيقة ما يدور بالقصور المُنعّمة.
حققت الإدارت الامريكية شراكة كاملة بالعدوان على فلسطين، وشكلت درعًا حامية سواء فترة الرئيس بايدن أو الرئيس ترَمب صاحب الفك المنفلت، والأفكار الطائرة المتنقلة بخفة بين التهديد والتربيت على الكتف، وموازنة الصفقات في غرور ونزق يقابله لا وعي بحقيقة المتغيرات بالعالم ولا وعي بحقيقة الأحداث في المنطقة العربية (المسماة غربيًا الشرق الأوسط) حيث يكتب ترَمب على صفحة السياسة (معجزات) وعجائب كلها مناهضة للقانون الدولي ومقررات الأمم المتحدة وللاخلاق السياسية الحاكمة بل وللقيم الانسانية حين يطالب بضم دول مستقلة لبلده، ويهدد دول مستقلة أخرى، ويحقّر أشخاصًا وشعوبًا وأمماً، ويتعامل باستخفاف مع أمم اخرى والتي منها فكرته بتحويل قطاع غزة الفلسطيني الى (ريفيرا-منطقة سياحية للأثرياء) بعد تهجير مواطنيه الفلسطينيين وهكذا من تقلبات شخصيته التي انعكست على تقوية أرجل الإسرائيلي المعتدي، وتخويف العربي وتهديد الإيراني ومحاولة تقريب الروسي أوالأقوياء بالعالم ليكونوا معًا الأوصياء على العالم أو المتواطئين يدًا واحدة ضد شعوبه، وضمن عقلية توزيع الغنائم والهيمنة واقتسام مناطق النفوذ.
فيما يتعلق بالسلطة الوطنية الفلسطينية كان النظر لها من تحت الطاولة خافتًا، وكأنهم يتحدثون عن عورة أو تهمة أو وصمة عار! فهم لا يرونها ليس لما يقولونه علنًا من اتهامات هم بمثلها لديهم أعظم، بل لأنهم لايريدونها أن تتطور الى دولة فلسطينية، وهي المحرّم الأعظم لدى "نتنياهو"-الذي يخشونه- وزمرته وحلفائه في وشنطن ومن يدورون بالفلك، فنشأت بالعقل المتواطيء ضد فلسطين فكرة "السلطة المتجددة" ليس حُبًا في فلسطين أو السلطة أوأبومازن، أومعارضيه! وليس دعمًا للاصلاحات أو "مقاومة الفساد"! وإنما كعقبة أو مانع إضافي تضاف لعقبات أخرى إسرائيلية-أمريكية ضد الاستقلال الفلسطيني، وبما يعني تفعيل مخطط فصل غزة التي سيبتلعها البحر عن الضفة التي سيبتلعها "سموتريش" وعصابته. (وسبقها مطالب كثيرة مثل تغيير المناهج، وإلغاء الأنروا-وكالة الغوث، وتغيير الحكومة....الخ، وكأن المشكلة في فلسطين، وليست بالاحتلال لأرض فلسطين) .
في ظل محاولة العقل الأمريكي الاستخرابي الاستبدادي أن يكرس المنطقة تحت هيمنته الدائمة قادمًا ليتسلم الإتاوات بالمليارات تأتي الشروط على فلسطين، والتي منها ما تمت فكفكته، رغم الانفصال الوطني المُبهم الصيرورة والاستمرار، ومنها مما لايزال تحت النظر، كانت فكرة نائب الرئيس المثيرة للجدل الداخلي والخارجي، ولو أنها بحقيقتها الأصلية فكرة فلسطينية وطنية لانعدام القدرة على إجراء الانتخابات للأسباب الإسرائيلية المعروفة، الا أنها أتت اليوم ليس لحماية فلسطين وأهلها، أولوقف العدوان الفاشي أو لتحقيق انسحاب الإسرائيلي المعتدي وإنما بقصد التوتير والإعاقة والتطويل لأي مرحلة أومسار يحقق الاستقلال الفلسطيني بل يكرس الاحتواء الأبدي والهيمنة على الأمة وقلبها، والأيام القادمة ستفصح أكثر.
في إطار كثير من الطلبات (أو الأوامر) التي قدمها المجتمع المتحلّق حول الأمريكي يلتقط من حوله ما تبقى من البُرّ ستتواصل الضغوط على فلسطين والأمة، كل ذلك بغرض أوحد وحيد وهو ألا نصل لتحقيق المطلب الوطني الفلسطيني العادل بانهاء الاحتلال عن دولة فلسطين، والاستقلال بعد وقف النار اللاهبة في غزة، وملاحقة مجرمي الحرب، وانسحاب الإسرائيلي وإعادة الأعمار.