آراء

الشرق الأوسط : تحالفات كثيرة وأمن غائب

12 مشاهدة قراءة 14 دقيقة

الكاتب : محمد زيات

بداية أفتتح مقالي هذا في رؤيتي المتمثلة أن "الأدوات لحل الصراعات موجودة، لكن غياب الإرادة السياسية هو ما يُبقي المنطقة في إدارة الأزمات بدل حلّها"

لم تعد التحالفات في الشرق الأوسط كما كانت قبل سنوات، حيث إن الدول التي كانت تبني مواقفها على الانتماء إلى محور بعينه أصبحت أكثر حذرًا، وأكثر ميلاً إلى تنويع علاقاتها حتى مع أطراف تختلف معها في ملفات جوهرية، وإن هذا التحول لا يعني بالضرورة مصالحة أو تفاهمًا حقيقيًا، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أزمات المنطقة لم تعد تستطيع دولة واحدة، ولا تحالف محدود، احتواء تداعياتها.

أعتقد أن المشكلة في الشرق الأوسط، رغم ثقله الجغرافي والاقتصادي والسياسي، ما زال يفتقر إلى قواعد أمنية مشتركة تحمي مصالح دوله وتمنع انزلاقها إلى مواجهات جديدة، حتى مع وجود اتفاقيات دفاعية وشراكات عسكرية وقواعد أجنبية وقنوات دبلوماسية، لكن لا يوجد إطار إقليمي مستقر لإدارة الخلافات عندما تبلغ ذروتها، وهنا تكمن المفارقة: فس أن كثرة التحالفات لم تمنح المنطقة أمنًا أكثر، كما أن تعدد الشراكات لم يحوّل التنافس إلى استقرار.

إن الدول اليوم لا تتعامل مع التحالفات بوصفها التزامًا سياسيًا دائمًا، بل كأدوات لحماية مصالحها في بيئة متغيرة، فقد تعزز دولة تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة، وتحافظ في الوقت نفسه على قنوات حوار مع إيران، وتوسع علاقاتها الاقتصادية مع الصين، دون أن ترى في ذلك تناقضًا، لاأن المعيار لم يعد الانتماء إلى معسكر بعينه، بل القدرة على تقليل المخاطر وتوسيع هامش الحركة السياسية.

هذا التحول يستحق قراءة هادئة، فليس كل انفتاح دبلوماسي دليلًا على انتهاء الخلاف، وليس كل تعاون أمني دليلًا على تطابق المصالح ولو فسرنل أكثر نرى أن ما يحدث في جانب كبير منه، هو محاولة لإدارة التناقضات بدل الاستسلام لها، لأن الجغرافيا لا تتغير بتغير التحالفات، والدول المتجاورة ستظل مضطرة إلى التعامل مع بعضها مهما اتسعت الفجوة السياسية بينها.

اجتماع إسطنبول ودلالته ..

جاءت التحركات الدبلوماسية الأخيرة لتكشف حجم الترابط بين ملفات المنطقة، فقد استضافت إسطنبول في 23 أكتوبر اجتماعًا ضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان، إلى جانب ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، لم تقتصر المناقشات على التوترات المرتبطة بإيران، بل شملت القضية الفلسطينية واليمن وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، إضافة إلى تداعيات الأزمات على التجارة والاقتصاد الدوليين، وشدد المشاركون على ضرورة مواصلة الحوار والدبلوماسية وخفض التصعيد والعودة إلى الحلول التفاوضية، فهل يلتزم الأطراف بمخرجات هذا الاجتماع بهدف منع التصعيد؟

قد لا يكون هذا الاجتماع بداية لنظام أمني جديد، ولا يصح تحميله أكثر مما يحتمل، لكن دلالته السياسية مهمة: القضايا التي كانت تُدار في مسارات منفصلة باتت تفرض نفسها على طاولة واحدة حُكماً، فمثلاً أمن الخليج لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر، وأمن الملاحة لا ينفصل عن استقرار اليمن، والتوتر الأمريكي الإسرائيلي الإيراني لا يمكن عزله عن مستقبل القضية الفلسطينية وحسابات القوى الدولية، إن المنطقة لم تعد تسمح بمعالجة كل أزمة وكأنها جزيرة منفصلة عن الأُخرى.

دعوة عُمان وسؤال الإقصاء ..

أضع بين أيدكم ما قصدته بسؤال الإقصاء: هل نحل المشكلة بإبعاد الطرف الآخر، أم نحلها بإشراكه ووضع قواعد واضحة للتعامل معه؟

يبرز في هذا السياق طرح وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في 26 أكتوبر، حين دعا إلى إطار أمني خليجي يضم دول مجلس التعاون الست إلى جانب إيران والعراق، مع حوار بين الدول الثماني وصولًا إلى اتفاق عدم اعتداء، بتقديري أن هذه الدعوة تستحق الاهتمام، لا لأنها تقدم حلًا سهلًا للخلافات المتراكمة، بل لأنها تطرح سؤالًا طال تأجيله: هل يمكن بناء أمن خليجي مستدام مع استبعاد أحد الأطراف الرئيسية في معادلاته الجغرافية والسياسية؟

لكن شمولية الحوار لا تعني تجاهل المخاوف العربية أو مطالبة الدول بالتنازل عن اعتبارات أمنها الوطني والقومي، لدى دول الخليج مخاوف معلنة تتعلق بالسيادة، والبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والتدخلات الإقليمية، وقد عكست هذه القضايا مواقف مجلس التعاون الخليجي في بيانه الوزاري الصادر في 18 أكتوبر لذلك، أي إطار أمني جاد لا يمكن أن يقوم على تجاهل هذه الهواجس، ولا يمكن أن ينجح إذا بُني على الإقصاء الدائم.

المطلوب: قواعد وإرادة ..

لا أرى أن المطلوب أن تتفق الدول على كل شيء، فهذا غير واقعي، بل أن تتفق على ما لا يجوز تجاوزه: احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وحماية الممرات البحرية، وإنشاء قنوات اتصال دائمة عند الأزمات، هذه المبادئ يمكن أن تشكل نقطة انطلاق أما الثقة فلا تُبنى بالتصريحات، بل بالتزامات متبادلة يمكن اختبارها ومحاسبة الأطراف على احترامها.

ومن الخطأ أيضًا أن يتحول الحديث عن الأمن الإقليمي إلى دعوة لقطع الشراكات الدولية، لماذا! لأننا لا ننكر أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تظلان طرفين مؤثرين في أمن المنطقة واقتصادها، والتعاون معهما قد يكون ضروريًا في مجالات عديدة، لكن هناك فرقًا بين شراكة دولية تعزز قدرة الدولة على حماية مصالحها، وبين الاعتماد الكامل على حسابات قوة خارجية قد تتغير أولوياتها من مرحلة إلى أخرى، فمن غير الممك لدول المنطقة أن تطلب من الآخرين ضمان أمنها، ثم تترك لهم وحدهم تحديد طبيعته وحدوده.

ومما سبق نلمس بروز الحاجة إلى دور عربي أكثر فاعلية، فالعرب ليسوا مجرد أطراف تتأثر بما تقرره القوى الإقليمية والدولية، بل يملكون مقومات سياسية واقتصادية وجغرافية تؤهلهم للمشاركة في صياغة قواعد الاستقرار لو استغلوا ذلك خير استغلال، لكن أيضا يجب يعلموا يقيناً أن هذا الدور لن يتحقق عبر بيانات القمم وحدها، بل يحتاج إلى تنسيق مستمر ومواقف قابلة للتنفيذ وقدرة على بناء تفاهمات حتى مع الأطراف التي تختلف معها العواصم العربية.

فلسطين في قلب المعادلة.. فهل من لبيب ..

لا يمكن أن تكتمل أي رؤية للأمن الإقليمي دون وضع القضية الفلسطينية في قلبها، وأثبتت التحارب المتكررة عبر الزمن لإيجاد حلول للقضية الفلسطينية أنه لا يمكن حل صراعات المنطقة إلا عبر المرور بحل عادل لهذه القضية، فالاستقرار الذي يتجاهل الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني سيظل استقرارًا ناقصًا مهما تعددت الاتفاقيات والترتيبات الأمنية، وإن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وغياب أفق سياسي جاد لا يؤثران على الفلسطينيين وحدهم، بل يمسّان شرعية أي تصور إقليمي للسلام في المنطقة، ويضعفان قدرة الدول العربية على إقناع شعوبها بأن الترتيبات الجديدة تستجيب لمصالح المنطقة وحقوقها لا لمتطلبات إدارة الأزمات فقط، فإدارة الصراع دون حسمه ستفضي إلى دائرة متكررة من المواجهات لا يستفيد منها أحد.

ثلاثة مسارات محتملة ..

في ضوء ما نراه من تطورات دراماتيكية، قد نكون أمام ثلاثة مسارات أكثر واقعية من الحديث عن سلام إقليمي شامل سريع، الأول يتمثل في استمرار منطق المحاور، مع تعزيز التحالفات العسكرية وتبادل رسائل الردع، لكن هذا المسار قد يمنع بعض المواجهات، لكنه يبقي المنطقة رهينة الحسابات المتقابلة، والمسار الثاني هو التوسع في التفاهمات الجزئية، خصوصًا في الملاحة والطاقة ومنع التصعيد، دون الوصول إلى تسوية شاملة للخلافات السياسية( أي كما اسلفت سابقا إدارة الصراع والخلاف لا حلهما) أما الثالث، وهو الأصعب في تقديري، وهو بناء إطار أمني إقليمي تدريجي يبدأ باتفاقات محددة وقابلة للتحقق، ثم يتطور إلى آليات دائمة للحوار وتسوية النزاعات.

وأرى أن المسار الثاني هو الأقرب في المدى المنظور، لكن نجاحه مرهون بقدرته على فتح الطريق أمام المسار الثالث، فالتفاهمات المحدودة يمكن أن تكون بداية جيدة، بشرط ألا تتحول إلى غطاء لتأجيل القضايا الأساسية، لأن أي نظام أمني لا يملك آليات لمتابعة الالتزامات وتسوية الخلافات سيبقى أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى مشروع قابل للحياة.

في الختام…

أعتقد أن المنطقة لا تحتاج إلى تحالف جديد بقدر ما تحتاج إلى مراجعة طريقة تفكيرها في أمنها، فما الفائدة من بناء تحالف مع انعدام الأمن والاستقرار؟ فالقوة قد تفرض توازنًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع وحدها استقرارًا دائمًا وحتى التحالفات يمكن أن تحمي المصالح في لحظة معينة، لكنها لا تعوض غياب قواعد التفاهم بين الجيران.

وهنا أود أن أعود حيث بدأت في فكرة المقال الرئيسة والمتمثلة في أن الأدوات اللازمة لبناء أمن إقليمي متوفرة: من قنوات الحوار، والاتفاقات الجزئية، وآليات منع التصعيد، والتعاون في الملاحة والطاقة، لكن هذه الأدوات لن تُنتج نتيجة حقيقية دون إرادة سياسية حقيقية لدى الدول، فالمطلوب ليس البقاء في إدارة الصراعات والحروب، بل الانتقال إلى الحسم السياسي وحل أسبابها.

ربما آن الأوان لأن تنتقل دول الشرق الأوسط من سؤال: من يقف معنا؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: ما القواعد التي تضمن ألا يتحول اختلافنا إلى حرب؟ ويجب نصل لقناعة أن أمن المنطقة لن يكون مستوردًا بالكامل، ولن يُبنى بإقصاء أطرافها أو تجاهل مخاوف بعضها، والذكاء في الوصول لفهم واضح متمثل في إدراك الدول أن مستقبلها معلق بقدرتها على تحويل الجغرافيا المشتركة من مصدر تهديد إلى أساس للتعاون، فالدول لا تختار جيرانها، لكنها تستطيع أن تختار الطريقة التي تتعامل بها معهم، وهذه هي البداية الحقيقية لأي نظام إقليمي جديد.