آراء

الخليل ببشرها وحجرها في مرمى جرائم الاحتلال 

5 مشاهدة قراءة 17 دقيقة

الكاتب : يونس العموري

ليست الخليل مدينة عابرة في الجغرافيا الفلسطينية، وليست محافظة يمكن اختزالها في خبر عاجل أو عملية عسكرية أو مجموعة من الإجراءات الأمنية التي يعلنها الاحتلال ثم يمضي إلى تنفيذها على أجساد الناس وبيوتهم وأرزاقهم. الخليل واحدة من أوسع محافظات الضفة الغربية مساحة، وأكثرها تشابكا في امتدادها الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي، وهي بكل ما تمثله من مدن وبلدات وقرى ومخيمات وتجمعات سكانية، جزء أصيل من الحكاية الفلسطينية التي يحاول الاحتلال إعادة كتابتها بالقوة. وما تتعرض له اليوم ليس مجرد حملة عسكرية محدودة، ولا إجراء أمنيا مؤقتا كما تحاول الرواية الإسرائيلية تسويقه، بل عدوان يتجاوز حدود الملاحقة والاعتقال إلى استهداف الحياة نفسها، عبر الحصار والإغلاق والهدم وإجبار العائلات على مغادرة منازلها، وتحويل الأحياء السكنية إلى مساحات خاضعة لإرادة الجنود والآليات العسكرية.

في الخليل، لا يكتفي الاحتلال بملاحقة الفلسطيني في الشارع، بل يذهب إلى بيته، إلى متجره، إلى مصدر رزقه، إلى الطريق التي يسلكها للوصول إلى عمله، وإلى المدرسة التي ينتظر أن يعود إليها أطفاله. يقتحم المنازل، ويفتشها، ويعبث بمحتوياتها، ويعتقل أبناءها، ثم يفرض على سكانها مغادرتها من دون أن يمنحهم إجابة عن موعد العودة، وكأن حياة الفلسطينيين تفصيل يمكن تعليقه بقرار عسكري، وكأن البيت الفلسطيني ليس بيتا، بل مساحة مؤقتة يسمح الاحتلال لأصحابها بالبقاء فيها ما داموا لا يعترضون على مشروع السيطرة المفروض عليهم. وعندما تتسع دائرة العدوان لتشمل عائلات وأحياء وتجمعات لا علاقة لها بالفعل الذي يتخذه الاحتلال ذريعة لعمليته، فإننا لا نكون أمام ملاحقة أفراد، بل أمام سياسة عقاب جماعي واضحة، تستهدف المجتمع الفلسطيني في أمنه واستقراره وحقه في البقاء على أرضه.

هنا يجب أن تكون الكلمات واضحة، لا مواربة فيها ولا خلط متعمد بين الأسباب والنتائج ...  الاحتلال هو الذي يحتل الأرض، وهو الذي يصادرها ويقيم المستوطنات عليها، وهو الذي يحاصر المدن والقرى، ويقتحم البيوت، ويقتل الفلسطينيين، ويهدم ممتلكاتهم، ويضيّق عليهم سبل الحياة، وهو الذي يملك القوة العسكرية ويستخدمها لإخضاع شعب بأكمله. هذه ليست تفاصيل طارئة بدأت مع العملية الأخيرة، وليست ردة فعل استثنائية على حدث مفاجئ، بل امتداد لواقع استعماري قائم قبلها، ولمنظومة من السياسات التي لا تتوقف عند حدود منطقة بعينها، بل تسعى إلى إخضاع الوجود الفلسطيني وتقليص مساحته المادية والسياسية والإنسانية.

لقد جاءت العملية الأخيرة في سياق هذا الصراع المفتوح، واستشهد منفذاها، لكن الاحتلال لم يتوقف عندهما، ولم يحصر إجراءاته في ملاحقة من يزعم ارتباطهم بالعملية، بل وسّع دائرة العقاب لتطال المحافظة وسكانها. وهذه هي المسألة التي ينبغي أن تتقدم على كل ما عداها.. كيف يتحول فعل فردي أو مجموعة من الأفعال إلى مدخل لمعاقبة مجتمع بأكمله؟ وكيف يصبح المدني الفلسطيني مسؤولا عن فعل لم يرتكبه، وكيف تتحول عائلته وبيته وشارعه ومصدر رزقه إلى أهداف مفتوحة أمام جيش الاحتلال؟ إن جوهر الجريمة لا يكمن فقط في حجم القوة المستخدمة، بل في المنطق الذي يحكم استخدامها، منطق يعتبر الفلسطينيين جماعة قابلة للعقاب الجماعي، ويمنح المؤسسة العسكرية حق فرض العقوبة على الناس بالجملة، من دون تمييز بين من فعل ومن لم يفعل، وبين من حمل السلاح ومن لا يحمل سوى مفاتيح بيته وقلقه على أطفاله.

وليس جديدا أن يستثمر الاحتلال الأحداث لتوسيع سياساته، أو أن يحول كل واقعة إلى فرصة لفرض مزيد من السيطرة، أو أن يستدعي مفردات الأمن والإرهاب لتغطية إجراءات تتجاوز أهدافها المعلنة. فالاحتلال لا يحتاج إلى إذن فلسطيني كي يمارس القمع، ولا ينتظر من الفلسطينيين أن يمنحوه ذريعة حتى يواصل مشروعه. لقد عرف الفلسطينيون طويلا كيف تتحول الذرائع إلى أدوات، وكيف تصبح الإجراءات التي توصف بالمؤقتة وقائع دائمة، وكيف يجري استدعاء كل حدث لتبرير ما كان قائما أصلا، ثم توسيعه وتثبيته. وما يجري في الخليل يكشف مجددا أن القضية ليست في الرواية التي يختار الاحتلال تقديمها للعالم، بل في مشروعه على الأرض، وفي النتائج التي يريد الوصول إليها من خلال القوة ..مجتمع محاصر، وأحياء مفرغة من سكانها، وبيوت مهددة، واقتصاد محلي يتعرض للخنق، وحياة يومية تتحول إلى سلسلة من القيود والإذلال.

لكن الأخطر من عدوان الاحتلال أن يخرج من بين الفلسطينيين من يتبنى منطقه في تفسير ما يحدث، أو يعيد إنتاج روايته بلغة فلسطينية، فينقل مركز المسؤولية من الجلاد إلى الضحية، ومن الاحتلال إلى من يقاومه، ومن القوة التي تفرض الحصار إلى من يعيش تحت الحصار. هنا تصبح المقاومة هي القضية، لا الاحتلال ، ويصبح السؤال عما فعله الفلسطيني هو محور النقاش، لا عما يفعله الاحتلال به، ويُستدعى توقيت العملية أو حسابات السياسة أو تقديرات المصلحة ليغدو ذلك كله مقدمة لإدانة المقاومة، فيما تتراجع الجريمة الأصلية إلى الخلف، كأنها نتيجة طبيعية أو رد فعل مفهوم أو كلفة كان ينبغي للفلسطينيين تفاديها.

إن هذا المنطق لا يختلف، في نتيجته، عن الرواية التي يريد الاحتلال تثبيتها، حتى لو اختلفت دوافع أصحابه أو لغتهم. فحين يجري تحميل المقاومة مسؤولية العقاب الجماعي، يصبح الاحتلال في موقع من يرد على فعل الآخرين، لا في موقع القوة القائمة بالاحتلال والمسؤولة عن جرائمها. وحين تُختزل المأساة الفلسطينية في فعل المقاومة، يجري إخفاء التاريخ الذي أنتج الصراع، وتغييب حقيقة أن الشعب الفلسطيني لم يختر أن يعيش تحت الاحتلال، ولم يأت به إلى أرضه، ولم يصادر أرضه أو يقتحم بيته أو يفرض عليه الحصار. لا يحتاج الفلسطيني إلى تبرير حقه في رفض الاحتلال، كما لا يحتاج إلى تقديم شهادة حسن سلوك كي يستحق الحرية. فالشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا تفقد حقها في مقاومته لأنها لا تستطيع ضمان رد فعل المحتل، ولا يصبح المحتل معفيا من مسؤولياته لأن مقاومة تنشأ في مواجهته.

المشكلة في خطاب شيطنة المقاومة أنه يتعامل مع الاحتلال وكأنه واقع طبيعي ينبغي التكيف معه، ومع المقاومة وكأنها الخلل الذي طرأ على هذا الواقع. وبذلك تنقلب البديهيات .. يصبح الاعتراض على الاحتلال مصدر الخطر، بينما يصبح استمرار الاحتلال حقيقة لا يجري مساءلتها ، وتتحول مقاومة القهر إلى تهمة، فيما يُعامل القهر ذاته بوصفه معطى سياسيا لا يمكن تغييره. وما بين هذين الموقفين تضيع الحقيقة الأساسية .. لا يمكن الحديث عن حياة طبيعية تحت احتلال يسلب الناس أرضهم وحريتهم وأمنهم، ولا يمكن مطالبة شعب بأن يتخلى عن مقاومته فيما يواصل المحتل توسيع أدوات إخضاعه، ثم الادعاء أن المشكلة تكمن في الفلسطيني الذي يرفض أن يقبل بهذا المصير.

هذا لا يعني أن كل نقاش فلسطيني بشأن الخيارات الوطنية ينبغي أن يكون محظورا، أو أن التجربة الوطنية لا تخضع للتقييم والمراجعة. لكنه يعني أن أي نقاش يفقد معناه حين يبدأ من افتراض أن الاحتلال قدر لا يتغير، وأن المطلوب من الفلسطينيين هو البحث عن الصيغة التي تجعل استمرار الاحتلال أقل إزعاجا له. النقد الوطني الحقيقي يبدأ من تعريف المشكلة في مكانها الصحيح، ومن رفض إعفاء القوة القائمة بالاحتلال من مسؤوليتها، لا من استسهال إدانة المقاومة كلما دفع الفلسطينيون ثمن مواجهة هذا الاحتلال. أما تحويل النقد إلى خطاب يلاحق المقاومة وحدها، ويترك الاحتلال في خلفية المشهد، فهو ليس مساءلة جادة، بل قلب لمعادلة الصراع وتبديد لبوصلة القضية.

الخليل اليوم لا تحتاج إلى محاضرات في كيفية إرضاء الاحتلال، ولا إلى من يفسر لأهلها أن ما يتعرضون له نتيجة خيارات الآخرين، وكأنهم كانوا يعيشون قبل ذلك في أمن وحرية وطمأنينة، ثم جاء من أفسد عليهم حياتهم. أهل الخليل يعرفون الاحتلال في تفاصيل يومهم، في الحواجز التي تقطع طرقهم، وفي الاستيطان الذي يلتهم الأرض، وفي الاعتداءات التي تطاردهم، وفي التهديد الدائم الذي يحيط بمنازلهم وأرزاقهم. وهم لا يحتاجون إلى من يشرح لهم أن الاحتلال قد يعاقبهم، بل يحتاجون إلى موقف وطني يرى في معاناتهم جريمة تستوجب المواجهة السياسية والقانونية والشعبية، ويضع حدا للخطاب الذي يحمّلهم، مرة أخرى، مسؤولية ما يفعله بهم جلادهم.

إن ما تتعرض له محافظة الخليل ليس شأنا محليا يمكن احتواؤه ببيان تضامن أو حملة مساعدات طارئة، على أهمية الإغاثة العاجلة للعائلات التي أجبرت على مغادرة بيوتها. إنها قضية وطنية تتصل بمستقبل الوجود الفلسطيني على أرضه، وبمحاولة فرض وقائع بالقوة تحت غطاء العمليات العسكرية. فالتهجير لا يبدأ دائما بإعلان صريح عن الترحيل، وقد يبدأ بإخلاء منزل، أو إغلاق طريق، أو هدم منشأة، أو فرض حصار طويل يجعل الحياة في المكان أكثر صعوبة يوما بعد يوم. وحين يترك الناس أمام خيار قاس بين البقاء في ظروف لا تطاق أو مغادرة منازلهم، فإن المسألة تتجاوز الإجراء العسكري إلى محاولة إعادة تشكيل المكان وسكانه، ودفع الفلسطيني إلى الابتعاد عن أرضه تحت ضغط القوة والخوف وانعدام الأفق.

من هنا، فإن الدفاع عن الخليل لا يكون فقط برفض الإخلاء والهدم والحصار، بل برفض المنطق الذي يسمح للاحتلال بتحويل المجتمع الفلسطيني إلى كتلة من المتهمين، وبالتأكيد على أن المسؤولية عن جرائم الاحتلال تقع على الاحتلال نفسه. كما أن مواجهة العدوان تتطلب تحركا وطنيا جامعا لحماية العائلات المتضررة، وتوثيق الانتهاكات، وملاحقة المسؤولين عنها، وتوفير الإسناد الإنساني والقانوني، وممارسة ضغط حقيقي لوقف التهجير والعقاب الجماعي. لكن كل ذلك يجب ألا يتحول إلى بديل عن تسمية أصل المشكلة، أو إلى محاولة لإدارة آثار الاحتلال بينما يستمر الاحتلال في إنتاجها وتوسيعها.

الخليل ليست رهينة العملية الأخيرة، بل رهينة احتلال يريد أن يجعل من القوة قانونا، ومن الخوف أداة حكم، ومن تهجير السكان وسيلة لإعادة رسم الجغرافيا. وأهلها ليسوا مسؤولين عن جرائم تُرتكب بحقهم، كما أن مقاومة الاحتلال ليست هي التي تمنح الاحتلال حق ارتكاب تلك الجرائم. لا يوجد فعل فلسطيني يمكن أن يمنح قوة الاحتلال ترخيصا مفتوحا لهدم البيوت وتهجير العائلات ومعاقبة الأطفال والنساء والشيوخ وإغلاق محافظة كاملة. فهذه أفعال يتحمل مرتكبوها مسؤوليتها، ولا تنتقل المسؤولية عنها إلى الضحايا مهما حاولت الدعاية السياسية قلب الحقائق أو إعادة ترتيب الأدوار.

في الخليل، كما في سائر فلسطين، لا يدور الصراع بين حياة طبيعية ومقاومة تفسدها، بل بين شعب يريد أن يعيش حرا على أرضه، واحتلال يسعى إلى إخضاعه وانتزاع أرضه وتقويض إرادته. وكل خطاب يتجاهل هذه الحقيقة، أو يضع المقاومة في قفص الاتهام بينما يترك الاحتلال خارج المساءلة، إنما يشارك، عن قصد أو عن غير قصد، في تشويه صورة الصراع وتغييب جوهره. أما الحقيقة التي لا ينبغي أن تضيع وسط الضجيج فهي أن الاحتلال هو أصل المأساة، وأن إنهاء الاحتلال شرط الحرية، وأن مقاومة شعب يسعى إلى الخلاص من الاحتلال لا يمكن أن تصبح بديلا عن مساءلة الاحتلال نفسه.

الخليل ببشرها وحجرها ليست رقما في بيان عسكري، ولا ساحة مفتوحة لتجارب القوة الإسرائيلية، ولا مجتمعا مطالبا بدفع ثمن جماعي كلما قرر الاحتلال توسيع عدوانه. إنها جزء من فلسطين التي لن يحولها الحصار إلى مساحة صامتة، ولا الهدم إلى ذاكرة منسية، ولا التهجير إلى حقيقة مقبولة. وقد يستشهد المقاومون، وقد تهدم البيوت وتغلق الطرق ويُدفع الناس إلى النزوح، لكن كل ذلك لا يغير حقيقة الصراع ولا ينقل المسؤولية إلى الضحية. من يريد أن يفهم ما يجري في الخليل، فليبدأ من الاحتلال الذي يقتحمها ويعاقب أهلها، لا من البحث عن ذريعة لإدانة من يقاومه. فحين يصبح الاحتلال أمرا طبيعيا، وتصبح مقاومته هي التهمة، لا يكون الخلل في الكلمات وحدها، بل في البوصلة الوطنية التي يفترض أن تقودنا إلى الحرية.