آراء

مروان البرغوثي: هذا الجسد الهزيل قادر على حمل إرادة لا تقهر

11 مشاهدة قراءة 7 دقيقة


الكاتب: عيسى قراقع
تمكن المحامي من زيارته يوم 10.9.2026، تحت قصف الإبادة الممنهجة والمستمرة في سجون الاحتلال الاسرائيلي، رائحة التعذيب المميت، صراخ الجوعى والمقيدين والمعزولين في الزنازين والحفر العميقة تحت الارض، رائحة الأجساد المتعفنة أمراضا وقهرا واذلالا وانتقاما بلا رادع ولا قيد، رائحة الصمت والموت والجدران، واللغة الفارغة من معنى الوجود، هناك من هذا القبو البعيد السحيق، قال الأسير القائد مروان البرغوثي لمحاميه الذي بالكاد قد تعرف عليه بسسبب هبوط وزنه وتغير ملامحه وتساقط شعره وبروز عظامه وما تحت الجلد من اورام وتجاعيد: هذا الجسد الهزيل قادر على حمل إرادة لا تقهر، لا تندهش ولا تحزن، في داخلي صلابة جبال فلسطين، وشعبها العنيد.

الجسد تقلص إلى أدنى حد، لكنه لم يختف في العتمة، الجسد يذوب لكنه يقطع كل يوم المسافة بين الداخل والخارح، ويفكك عالم السجن ولغته الاقصائية الناشفة، في داخلي روح تسافر كل ليلة إلى غزة ورام الله، انا لا أرى الحواجز والبوابات ولا اسمح لها أن تقترب، أرى الحياة واسعة طليقة تذيب هذا السور الهش، وتحررني من الخوف وساعة السجن الواقفة، كل النوافذ مغلقة، وفي انفاسي كل النوافذ مفتوحة، كل البشاعة والشناعة هنا، وفي قلبي الف حبيبة جميلة والف اغنية،

ما هذا الاسير الذي يملك مطرقة ثقيلة، يقاتل في جحيم السجون والمعسكرات ولا يتعب بعد هذه السنين الطويلة؟ يهدم زمن الاستعمار ويخلق في كل لحظة حياة جديدة، عندما منعوا التعليم بنى في السجن جامعة، وعندما رأى الانقسام والتفتت كتب وثيقة الوحدة الوطنية، وعندما توغل نظام صهر وعي الاسرى في العقول اعلن ثورته على نظام الطواعية، انعتق من اغلاله ومشى على قدميه واقفا، فانسانية الانسان غير قابلة للمصادرة، وعندما اختلف الجميع امام صندوق الاقتراع استل قانون الانتصار بمشروع وطني وحدوي ورؤية سياسية واضحة، لا للمناكفات والشعارات والمحاصصة الضيقة  ، دمنا ينزف وجثثنا تملأ الساحات، والرصاص في الجسد والهوية و الذاكرة، القدس تصرخ والصلاة، الأشجار والحقول والنساء في المعتقلات، أسرى يعدمون وحبال مشنقة تتدلى في الأقبية، مستوطنون وتوراة خرافية تطهرنا من الدنيا والآخرة، وفاشية وسياسة محو زاحفة عنيفة لا ترانا الا في الغبار أو في الجنازة، قل للجميع يا صديقي المحامي: أنا لا أستطيع ان اخرج من الزنزانة، ولكن يجب ان يخرج الوطن من زنزانة الانقسام، لا تجعلوا الصندوق بديلا عن الحرية، ولا تجعلوا الانتخابات طريقة جديدة الى المقبرة.

استغرب المحامي في هذا اللقاء القصير بأن مروان البرغوثي الذي لا يملك مفتاحا لباب الزنزانة ألقى عليه مفتاحا يفتح كل الأبواب الموصدة، انه يرى أبعد من جدرانه، وان في صوت مروان نشيدا لم ينطفئ، وضوءا لا يخبو، فالحرية ليست دائما اتساع المكان، احيانا تكون قدرة الانسان ان يرى أبعد من السياج الذي يمزق السماء والشمس.

هذا الجسد الهزيل قادر على حمل إرادة لا تقهر،  الجسد صار نحيفا لكن الرمز تضخم إلى أبعد مدى، المسافة بين الارادة والحرية ليست مستحيلة ، لهذا دخل عليه الوزير الاسرائيلي المتطرف ابن غافير مهددا مستفزا، لأنه اكتشف أن الصوراريخ والقنابل التي دمرت غزة، و الابادة المتدرجة في الضفة المحتلة، لم تفعل شيئا امام رجل معزول يملك جيوشا وقوة عظمى غير مرئية، لم ترصدها الطائرات، ولم تعطلها سياسة التجويع والتعذيب والسلخ والضرب وتحطيم الروح البشرية، هذا الرجل ما زال خطرا على امن اسرائيل الكبرى، يقول هذا الوزير المتوتر، كلما دفناه تحت الأسمنت والحديد، يخرج مرة أخرى كشبح يلاحقنا في الشوارع وفي الرواية، في اسفارنا وجرافاتنا وجنوننا واحلامنا، هذا الرجل اكثر من رجل، يتحول الى مرآة تفضح هشاستنا، والى ظاهرة فريدة عندما يتجمع العالم حوله وينبذنا.

لاول مرة يلتقي محامي مع فكرة وليس مع جسد، فكرة عابرة للحدود و الفصائل والتنظيمات، يتحدث عن مشاويره الكثيرة، عن لقاءاته مع ياسر عرفات ونيلسون مانديلا و جمال عبد الناصر ومحمود درويش في القصيدة، يحمل رسائل وصورا وحكايات عن المستقبل، عن البحر والسهل والجبل، عن الصيف و الشتاء ودفئ المطر، يحفظ الاسماء كلها الأحياء والاموات والامكنة والمواليد القادمة، الجغرافيا والازقة والحارات ولا يتوه في الاتجاهات السياسية المضطربة، يجمع شرعيات تنظيمية ونضالية و  شعبية بيد واحدة، ومن عند هذا الرجل صعدت وهبطت الملائكة، نبوءات واشارات وقراءات وافاق متعددة، هناك في هذا القاع الذي يسمى  سجن، حضر الغياب وصار للحرية اسطورة .