آراء

اشياء صغيرة لا انساها فى الحرب !

83 مشاهدة
اشياء صغيرة لا انساها فى الحرب !

الكاتب:  د. بسام سعيد 

من الأمور التي لا أنساها، وكلما عادت إلى ذاكرتي أشعر بحزن عميق، تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت ترافق الناس في الأيام الأولى للحرب. ربما لا تبدو هذه التفاصيل مهمة أمام مشاهد القتل والدمار والبيوت التي تحولت إلى ركام، لكنها بالنسبة لي كانت من أكثر الأشياء تعبيرًا عن حجم الكارثة.
كنت أنظر إلى وجوه الشباب والرجال، فأشعر أن الحرب مرّت عليهم قبل أن تمرّ على بيوتهم. وجوه شاحبة، عيون متعبة، لحى طالت، وشعور فقدت عنايتها. لم يكن ذلك لأن الناس لم يعودوا يهتمون بمظهرهم، وإنما لأن الإنسان عندما يصبح الطعام والماء والأمان هي أولوياته، تتراجع أشياء كثيرة كان يعتبرها من قبل جزءًا طبيعيًا من حياته.
حتى الأسنان أصبحت تقول شيئًا عن الحرب. اصفرار واضح عند كثيرين، ومعه تتذكر أن معجون الأسنان لم يعد متوفرًا دائمًا، وأن فرشاة الأسنان التي كانت شيئًا عاديًا في كل بيت أصبحت أحيانًا من الكماليات. وحتى المسواك، ذلك البديل البسيط، لم يكن دائمًا متاحًا.
وأتذكر الملابس ، كم كان مشهد القمصان والملابس المجعدة غريبًا في البداية. ملابس تُرتدى دون كيّ، ليس لأن أصحابها لا يحبون النظافة أو الترتيب، وإنما لأن الكهرباء غابت، ومعها غابت المكواة وأشياء أخرى كثيرة كنا نعتبرها من المسلمات.
ثم بدأت ألاحظ شيئًا أكثر إيلامًا: الملابس نفسها أصبحت أكبر من أصحابها.
السراويل التي كانت تبدو فضفاضة، والأحزمة التي تُشد أكثر من المعتاد، والثقوب الجديدة التي تُضاف إليها. كنت أرى الرجل يشد بنطاله أثناء سيره، وكأن جسده لم يعد هو الجسد الذي كان عليه قبل الحرب. الجوع لا يحتاج إلى ميزان كي نعرف أثره؛ أحيانًا كان يكفي أن تنظر إلى حزام شخص ما.
أتذكر أيضًا أناسًا كانوا معروفين بأناقتهم. الرجل الذي كان لا يخرج من بيته قبل أن يحلق ذقنه ويرتب شعره ويلبس ثيابه بعناية، أصبح بعد أشهر من الحرب يخرج كما هو. ليس لأنه تغير، وإنما لأن الحرب جعلت تلك الأشياء تبدو فجأة بلا قيمة أمام سؤال أكبر: ماذا سنأكل اليوم؟
حتى الأحذية كانت تحكي قصتها. حذاء قديم يستمر صاحبه في ارتدائه رغم اهترائه، لأن شراء حذاء جديد لم يعد أولوية، وربما لم يعد ممكنًا أصلًا.
وأذكر الأمهات وهن يغسلن ملابس أطفالهن بأيديهن، ثم ينشرنها في الهواء، ينتظرن أن تجف. لم تكن هناك رفاهية الغسالة أو المكواة أو حتى الماء المتوفر دائمًا. كانت الأم تفعل ما تستطيع، وتحاول أن تمنح أطفالها شيئًا من الحياة الطبيعية وسط عالم لم يعد طبيعيًا.
أما الأطفال، فربما كانوا الأكثر قدرة على كشف حجم التحول. أشياء كانت تملأ يومهم قبل الحرب، ألعاب وأسئلة وأحلام صغيرة، تراجعت أمام أسئلة أخرى أكثر قسوة: متى يأتي الخبز؟ أين نجد الماء؟ ماذا سنأكل؟ وهل سننام الليلة في مكان آمن؟
كانت الحرب تعيد ترتيب سلم الحاجات الإنسانية أمام أعيننا.
وفجأة أصبح الإنسان يفرح بأشياء لم يكن يلتفت إليها من قبل. قطعة خبز، زجاجة ماء، حمام ساخن، بطارية مشحونة، مصباح يعمل، ملابس نظيفة، أو حتى دقائق قليلة من الكهرباء.
ومع مرور الوقت، بدأت أدرك أن الحرب لا تُقاس فقط بعدد البيوت التي هُدمت،  لأن هناك دمار آخر لا يظهر في الصور بسهولة؛ دمار يصيب عادات الإنسان، وذاكرته، وهيئته، وعلاقته بالأشياء من حوله.
الحرب تستطيع أن تجعل الإنسان ينسى أنه كان يهتم بأناقته، وأن يعتاد على الجوع، وأن يصبح النوم في مكان غير مريح أمرًا عاديًا، وأن يفرح بقطعة خبز كما كان يفرح في السابق بأشياء أكبر بكثير.
لهذا، عندما أتذكر تلك الأيام، لا أتذكر الطائرات والقصف وحدهما. أتذكر وجهًا شاحبًا، ولحية طويلة، وقميصًا مجعدًا، وحزامًا أُضيف إليه ثقب جديد للمرة الثالثة،  وحذاءً مهترئًا، وأمًا تغسل ملابس أطفالها بيديها، وطفلًا يسأل عن الطعام بدلًا من اللعبة.
هذه التفاصيل الصغيرة بقيت في ذاكرتي لأنها كانت تقول شيئًا كبيرًا جدًا: لم تكن الحرب تدمر المكان فقط... كانت تغيّر الإنسان الذي يعيش فيه. وربما كان هذا هو الوجه الأكثر قسوة للحرب؛ أن تستمر الحياة، لكن في صورة لا تشبه الحياة التي عرفناها من قبل فمتى تنتهى الحرب ؟

*أكاديمي وكاتب