آراء

لا أرى نفسي حيًّا

30 مشاهدة
لا أرى نفسي حيًّا

الكاتب : عيسى قراقع
عبارةٌ قيلت هناك، من تحت الأرض، من المكان الذي لا يُسمع فيه همسٌ ولا كلام، ولا يهبط إليه وحيٌ ولا إنسٌ ولا جان؛ من زنازين ما يُسمّى سجن "راكيفيت" الإسرائيلي، الواقع في مدينة الرملة، من حفرة داخل حجرة إسمنتية، من المسلخ البشري للمعتقلين الفلسطينيين. هناك، حيث الموت بسبعة ألوان، وسبع طبقات من راجماتٍ هالكاتٍ ماحقات، لم تكتبها التفاسير الشارحة عن العلاقة بين الإنسان والسماء وضجيج الأرواح.
إنه الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في قطاع غزة، الذي اعتقلته قوات الاحتلال يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد حصار المستشفى وتدميره وإحراقه. كانت الدبابة تنتظره، وشاهد العالم طبيبًا فلسطينيًا بمئزره الأبيض، وقامته الطويلة، ورأسه المرفوع، يدوس بقدميه فوق الحطام، ويمشي بثقة وسط الدخان والغبار والدمار، كأنه يطرد الموت بخطواتٍ صاعدة.
في آخر زيارةٍ له من قبل المحامي ناصر عودة، يوم 5/7/2026، أبلغ الأسير الطبيب حسام أبو صفية محاميه قائلًا: "لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني، لا أرى نفسي حيًّا، وقد تكون هذه آخر مرة تراني فيها." وهي من أخطر الشهادات التي تلخّص أكبر كارثة إنسانية تجري بحق الأسرى في سجون الاحتلال. قالها وهو منهك، بأنفاسٍ متقطعة، فاقدًا الكثير من وزنه، يكاد لا يستطيع الوقوف أو الجلوس، ويعاني من ضعف البصر، ويفقد الوعي بين فترةٍ وأخرى.
لا أرى نفسي حيًّا، صرت جثة. ليست مجرد كلمات قالها طبيبٌ أسير لمحاميه، إنها صرخة، أو نداء، أو وصية، وشهادة خرجت من بين الجدران والأبواب المصفحة: الأسرى يموتون كل يوم، وتُنتزع ملامحهم وهويتهم وأحلامهم في ساحات الجحيم الصهيوني، تعذيبًا وضربًا وتجويعًا وإذلالًا وأمراضًا. وأنا أتكلم الآن من الجهة الأخرى، أخاطب كل حيٍّ يقف ميتًا وصامتًا أمام أضخم مطحنةٍ بشرية، وأوسع مقبرة.
اعتُقل الطبيب حسام أبو صفية، الذي رفض إخلاء المستشفى، بعدما دفن ابنه الشهيد إبراهيم في ساحة المستشفى. خلعوا مئزره الطبي الأبيض، وقيّدوه، وعرّوه، وحطّموا أجهزته الطبية، وضربوه بالشواكيش والمطارق والهراوات، وألبسوه بدلةً حمراء استعدادًا للشنق والتصفية.
لا أرى نفسي حيًّا. هنا، في هذه المدافن التي تُسمّى سجونًا، لا جهات، ولا حدود، ولا أخلاق. لم يبقَ للأسرى من بقايا ليرحلوا، لا يموتون ولا يحيون ولا يخرجون، لا هواء للهواء، ولا نافذة، ولا قصيدة للرثاء، نحن أرقامٌ تسافر نحو الصفر وتعبر الصدى.
كلمات الطبيب حسام كأنها في جنازةٍ مؤجلة، تمر كل ليلةٍ من أمامنا، ونحن ننتظر حفّار القبور الذي اسمه الشرعية الدولية، يملك كل أدوات البلاغة العاطفية والقانونية، ويرمّم هياكلنا المبعثرة في نصوصٍ ومواقف انتظار، حتى تموت الذاكرة، ويشرب حسام أبو صفية وحده قهوته الباردة.
لا أرى نفسي حيًّا، ولا أرى أحياءً من بعدي، ولا مشيّعين يسحبون جسدي من نفسي، ويحملون قميصي الأبيض على أكتافهم، ما أكثر الأطباء في العالم، ومؤسساتهم، ونقاباتهم الأممية! الأطفال ماتوا بين يدي، وهدموا المستشفى، فلا دواء ولا تدخل، الدم على صدري، وعلى وجهي، وأجسادٌ مقطعة، سقط أبقراط في غزة، واكتملت الجريمة.
لا أرى نفسي حيًّا، كل زملائي قُتلوا، أكثر من 1800 من أفراد الطواقم الطبية استشهدوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، واعتُقل المئات، ما زلت أسمع صوت الانفجارات في رأسي، والغارات، والقصف، ومطاردة سيارات الإسعاف، مات المواليد والأجنة في الحضّانات وغرف العناية المكثفة، لم يصل أحد لإنقاذ شعبي، ولم يرتدِ أحدٌ أجنحةً ليوقف المذبحة.
لا أرى نفسي حيًّا، أطباء إدارة السجون يحملون البنادق وقنابل الغاز، ويلبسون الأقنعة، ويصادقون على تعذيبنا، ويكذبون أمام المحكمة، أطباء استخدموا كل نظريات العلوم الطبية والنفسية بطريقةٍ معاكسة، فجعلوها وسائل للضغط الجسدي والنفسي، وهندسة الكيان البشري، وتقويضه من الأسفل إلى الأعلى، خدعوا علماء الطب النفسي؛ فرويد، ويونغ، وأدلر، وكلاين، وغيرهم، فالطبيب الذي كرّس حياته لمنح الحياة للآخرين يجد نفسه في مواجهةٍ مع مهندسي الموت المنظم.
لا أرى نفسي حيًّا، ينقلونني من سجنٍ إلى آخر، ومن عزلٍ إلى عزل، ما أكبر الفراغ! وفي أقبية الظلام أكتشف أن الموت يسري ببطءٍ في العقل والروح قبل أن يلتهم سائر الأعضاء.
صنّفت دولة الاحتلال حارس الحياة، حسام أبو صفية، بأنه "مقاتل غير شرعي"، بحكمٍ مفتوح، بلا تهمة، ولا محاكمة عادلة، ولا لائحة اتهام. سيبقى معلقًا في زمنٍ يتحول إلى أداة تعذيب، ويصبح الغد احتمالًا بعيدًا، وتتحول الدقيقة إلى عمرٍ كامل.
حسام أبو صفية مقاتلٌ غير شرعي، لأنه أنقذ المصابين والجرحى، وعالجهم في العتمة وبلا تخدير، وقاتل الموت حتى آخر حبة دواء، ولأنه أضاء بقلبه قلوبًا أطفأتها القنابل والانفجارات، وزرع الأمل حتى رفّ الحمام فوق الخراب.
لا أرى نفسي حيًّا.
اتركوا الجسد، وابحثوا عن الكرامة في عيون الشهداء.
الدماء كثيرة، تكفي لكي نلتقي في القدس ذات صلاةٍ ومساء.
اتركوا الليل لي، وخذوا النهار من زغاريد النساء.
سلامٌ على ساحة الدار.
سلامٌ على غزة.
اكتبوا أسماءكم على رملها،
وفوق مياهها الزرقاء،
ومشّطوا شعرها كلما مرّ الحنين على أغنيةٍ في الشتاء.