آراء

أسرى الحرّية في مصر الكنانة؛ مقابلات الصحفيّ محمد الجزّار، التي تؤصّل التاريخ وتفتح البابَ للضوء

54 مشاهدة
أسرى الحرّية في مصر الكنانة؛  مقابلات الصحفيّ محمد الجزّار، التي تؤصّل التاريخ وتفتح البابَ للضوء

 

الكاتب:  المتوكل طه

 

إنها مصر؛ أُمّ الدنيا، وكنانة الأمّة، وعاصمة العروبة، التي فتحت ذراعيها لأبناء فلسطين الأسرى الأحرار، الذين لم يجدوا أرضا راسخة إلا مصر.

وكان طبيعيا أن يهبّ الأشقاء المصريون، وهم يحتضنون المحرّرين، بكلّ كيفية، وعلى كلّ المستويات، أن يبحثوا، صحفيين وإعلاميين، في دفاتر الوجع الفلسطيني، ليساهموا في إضاءة ما حدث، وليواجهوا العدميّة القوميّة والنسيان، وأن يردّوا على آليات "تهويد المعرفة" في العالَم أجمع. وهنا بين دفتي هذا الكتاب؛ غير مقابلة نشرتها مجلة "روز اليوسف " الأشهر والأبهى، التاريخية، بقلم الصحفي الكاتب القمين بالمجد الأستاذ محمد الجزّار، والذي جمعها في كتاب"حكايات الأسير"، وقد فكّك المشهد المخبّأ في العتمة وأظهره، ليكشفه للدنيا، لتعرف الحقيقة، وتطلّ على عذابات مستحيلة واجهها المعتقلون في الأسر، وليحفظ معانياتهم، إجلالا لهذه التضحيات الباهظة المجيدة. فكلّ الشكر الجميل، من فلسطين، للأستاذ الأجمل محمد الجزّار، على ما اجترحه عبر هذه المقابلات، لتنتصر الحقيقة، وليثبت التاريخ على أقدام الحقيقة. إن هؤلاء الأسرى الذين تنفّسوا الحرية، إنما يمثّلون قطاعا أكثر سعة وتعدادا، من المعتقلين، الذين واجهوا فظاعات ممضّة فاشيّة، ما يكشف جزءا من تجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية، عبر تاريخها الرجراج الثقيل..فكلّ شيء معتقلٌ في فلسطين؛ المحراب والجَرس والبرتقالة والأجنّة والطيور، ومسرى النبيّ الإمام، وقبر مَنْ قام من الموت إلى الحياة.

وليس لهذا النصّ الموجع أنْ يتوقّف، حتى يتخثّر دمُنا، ونغادر بيت الأحزان، لتليق بنا الحياة الجليلة.

إنّ الأخ محمد الجزّار، في هذا الكتاب يدقّ جرس الصلاة للكبش العاري، الذي خرج لتوّه من المسلخ، ونجا، نسبيّاً، في صحراء الماء! إنه ينفي منطق اللامنطق وهو يعي عبثية السؤال والجواب، وكيف سيداوي جرحه الأخضر المخبّأ في عينيه الواضحتين..وهل يستطيع أن يجعل من عشب الحوار أرضاً لغير بساطير البروتوكولات والأقنعة؟

كان الأسير، قبل حرّيته الناقصة، يتسابق مع سجّانه على جسده، الذي يعتقد أنه نقطة ضعفه، فيما كان الأسيرُ يفرد بساط الشّعر الطائر، ويعلو ويكبر ويمتدّ، ويطير ليرى أيامه القادمة، وأبناءه الذين سينجبهم، وكتبه التي سينشرها، والمدن التي سيزورها، والعربات التي ستحمل المحتل بعيداً عن وطنه. كان السجّان يضغط على ما يعتقد أنه ضعف الإنسان السجين، بالضرب مرّة، وبالحبس الإنفرادي مرّة، بالغاز أو بالجوع أو بالتخويف. أما الأسير، فيذهب إلى قصيدته وأغنيته وحلمه، وإلى الجَنين الذي يتكوّر في رحم أُمّه، ويسمّي أشياءه ويرتّبها، ويكتشف أن له ذخراً لا ينتهى من النماذج العظيمة التي لا تتكرر. كان النصّ يتحدّر منّه ليكتشف أَنه يبني قصيدته وروايته، على ملايين القصائد والروايات التى قيلت..فيفرح بأنه أعلى من سجّانه ومن سجنه، وأن قصيدته مثل البلاد والفضاء والموسيقى، أكبر من أن تُمتلك، وأكبر من أن تُدرك أو يُسبر غورها العميق.

فاللأسير الحرّ غناء القرى، وأمسيات الحجل على المشارف، وعَرق الفَرس العسليّ، حتى تدخل الزفّةُ الرانخةُ فضاءَ الأكتاف، دون الحواجز والتلال المُثقلة بإسمنت المملكة اللاتينية الجديدة.

وللأسير ورفاقه لغةٌ تتّسع لسنوات أعمارهم المقدودة وراء القضبان، وفي حمأة الغاز المسيل للعار، والتفتيش المباغت، والجوع الفارم للأمعاء، ولزهرة الجمرة المتّقدة من قلوبهم، وفناجين قهوتهم البلاستيكية المتأمّلة، ورعدة نبضهم التوّاق، والذكرى المُطفأة وراء ضباب الإبتعاد، ورطوبة القيظ اللّزج، وبرد الأسداف، والعزل على حافة الجنون..حتى تجعل منهم تلك السنوات أنبياء جدداً يجترحون سرديّة لكتبهم الصعبة الفريدة.

وللعالم أن يخشع قليلا، أمام كهولة صعدت من فتوّتها، إلى احتمال الرُمّانة الناضجة فوق فوهة البئر، وهي تمرّ على شفرات الأمل، لتبلغ أرضاً يقترحها الحُلم، والواجب الذي تخلّى عنه أصحابه الشرعيون، ونسيوا أجمل أخوتهم في الجُبّ الغويط.

وليس لهذه الرداءة في خِطاب المرجعية الرسمية، إلاّ الخجل أو الخَرس، حيث لا ذريعة ولا تبرير ولا مرافعة تُقنع أحداً، بأن تلك المَظْلَمة ما كان لها أن تتوقّف قبل أن تبلغ شهقتها الذابحة في مكابدات الجوع، أو شيخوختها في العتمات.

والأسير القابع في أصفاده، منذ عقود، يمثّل صورة ضعفنا الكابية، وتجلّيات هزيمتنا في ارتداد الذات وهي تمزّق ذاتها، وفي تقمّصها لقاتلها، وفي فوضاها الهشّة العشائرية، وهي تقطّع منظومتها الأخلاقية وتلعن كلماتها ورموزها، التي كانت تسطع كفراشات النار، وفي قبولها لنقيضها وارتمائها في حضنه الغارق بدم صغارنا، وفي معانقة سيّاف السنابل والحبق الطريّ، وفي انعدام ثقتها بنفسها وبتاريخها وحضارتها وغدها، وفي آليات البحث عمّا يعوّضها، من كذب وَوَهْمٍ وخطابات ملعونة خادعة.

باختصار؛ الأسير اختصار لمعادلة الإقليم، وانطباق الفخاخ على عنق الغزال البريء. والأسير الفلسطيني الذي كسر إحتكار "اليهودي" لصورة الضحيّة، فَصار هو ضحية الضحية المُدّعية، وبات العالم بفضل دم غزّة، والفلسطيني السجين والمقاتل والمبدع والمرابط..يُدرك أن المعادلة كانت مُختلّة، وينبغي تصحيحها ووضع الإحتلال في إطار الجلاد، ووضع الفلسطيني في صورة الضحية، وما يعنيه ذلك من إستحقاقات لصالح القوة السلبية التي تتمتع بها الضحيّة.

والأسير هو البرهان المشعّ المدوّي والشاهد على تكاذب "السلام". وهو الرمز الأعلى واللّازمة التي نكرّرها، بمحبةٍ وكبرياء مجروح، كلما دهمتنا الكآبة، وحاول النسيان أن ينال من وردتنا الوحيدة الباقية، وأعني الشهداء مع وقف التنفيذ، الذين يخاتلون الرمل والرغبات والأحلام واليقظة المُلحفة في سعيها إلى الخلاص.

وهو طابع بريدنا الذي نختم به رسائلنا العاشقة، إلى ذلك المأمول الذي ننتظر ولادته، وسيجيء، أو ننتظر خروجه من خلف الأبواب الغليظة الثقيلة الصدئة، وسيكون حضوره ملء الشمس وفوق الكلمات، التي نبحث عنها، فتهرب من ضعفنا وعجزنا وبحثنا عن خلاصنا الشخصي الممقوت، وستلد معه الأناشيد، وستخرج الحقائب المعبأة بالألوان، ونهتف من جديد، رغم صبيان الفقه الأمني المشبوه، والروبيضة الذي صعد على حبال الشيطان إلى سطح الكلام، وتشاوَف بملامحه الاسخريوطية.

وإن احتمال دولة الإحتلال بإبقاء سجين في زنازينها، وهو يحتمل آلام الجوع والعزل سنوات لا تنتهي..ولا يحتمل آلام الركوع، هو دليل آخر على عقليتها التي طوّرت كلّ أشكال القمع عبر التاريخ، وأعادت إنتاجه على جلودنا، والتي  تزّج بالجثث في ثلاجات السجن، وبالأطفال في أتون المعسكرات الإعتقالية المرعبة، وهو دليل مكرور بأن هذا الكيان لا يعرف سوى الموت ثقافةً ولغةً، ولا تردعه سوى القوة والكوابح المُقاوِمة. وثمة طابور من الهالوك والرماد المتّصل بجحيم السجّان، الذي يلمّع وجهه بالشعارات المصقولة، ولا إرث له سوى الترنّح والهمسات المشبوهة وركوب الموجات والإلتباس وهدم نوافذ الآباء.

وإن العتمة المختزنة والمكثفة في باستيلات الاحتلال كافية لأن تفور وتُغرق نصف الكرة الأرضية بسوادها الثقيل، غير أن إرادة الأسير الفلسطيني والعربي استطاعت أن تحيل تلك المخازن الخانقة إلى قلاع تضجّ بالإرادة والثبات والحياة والضوء، وأن تفتح البراري، ثانيةً، للخيول. وإن الاحتلال الفاشي بجنوده ومستوطنيه وسجّانيه ملطّخ بالعار والدم الثقيل، وأما الأسير الحُرّ وإخوته، فإنهم يدافعون عن شرفهم وكرامتهم ومقدساتهم ومستقبل أبنائهم المأمول.

وقد يكون الحُرّ المُحرّر هو الثروة الحاضرة الأكبر، الآن، في فلسطين. وإن هذه الثروة النضالية والإنسانية والوطنية كفيلة لأن تؤصّل لبداية مختلفة لوحدة الحراك والعمل الفلسطيني، لقادة الفصائل والحركات والأحزاب، الذين قطعوا شرايينهم بأيديهم ودخلوا إلى غرفة الإعدام، أو تحلّلوا ضعفاً ومصالح، وغسلوا يدَ الإحتلال من دم الأجنّة والأشجار والبيوت، بقصد أو بغير قصد، لتصل اللحظة إلى مواجهة حاسمة ستقع عمّا قريب، ستودي بنا إلى الغياب الكامل، إن بقينا على حالتنا المرتكسة المتشظية الخائبة، أو سنحقق انطلاقة جديدة، واجبة الوجود، إذا احتسبنا واحترمنا سنوات السجين وجوعه، ودماء الشهداء، ودموع الأيامي والأيتام، ولهفة المنتظرين خلف السياج.

ونسأل أنفسنا، هل استطعنا أن نجعل من زهرة عذابنا شمساً تشرق على العالم ليرى نفسه ويرانا؟ هل يدرك العالم معنى أن يُمضي إنسانٌ عمره وراء القضبان، أو يقضي جوعاً، ويظلّ هذا العالم سادراً في حروفه وخطواته، ويهنأ في حياته، وعلى مرمى نظرة منه، آلاف وآلاف خلف قضبان الموت البطيء، عشرات منهم بلغوا عقدهم الخامس في الأقبية وعلى "الأبراش"، في سجون لا تشبه إلاّ صورة الهلع الفاشي ومعسكرات الإبادة والجينوسايد؟

يا أسيرنا الأجمل! يا اسمنا السريّ الحَسَن، الذي فضحه التاجر في عتمة التخلّي العربي عن اسمه وحقوله! سيكون سجنك مدرسة لأبنائك، وفضاءات لعب عميق لأحفادك.

يا تمثال الضوء على كل مفرق ودرب! يا روح الأوائل المتبقّية، لتعيد إلينا ملامح الطهارة والإلتزام! ويا لمسة الأمّ البتول على نبض جنينها الآتي عمّا قريب! يكفيك أنك حُرّ على هذه الأرض، ويكفينا أننا نجد زاداً، من لحم عمرك، لنواصل الخطو إلى الشمس، وأننا على يقين بأن القيود تتغضّن على معصميك أيها المصاب بالحريّة والحياة.

وهل نخرج من رتابة الخطاب الجاهز التبريريّ، ونلج إلى هذه الحالة الإنسانية الفريدة المميزة، ونبحث عن أشياء الأسير، التي تركها قبل سنين، ويشتاق إليها، وعن أُمّه التي لم تحضنه منذ سنوات الإغتصاب العجاف، وعن تفاصيل يومه ومقاطع لياليه الطوال، وعن هواياته المقتولة، ورغباته المطمورة، وعن أمنياته الصغيرة التي ستظل ثابتة مثل سيف البحر، وسارية العاصفة العنيدة، وعن خيول ضلوعه التي تتفلّت من حبسها، لتكشف عن النهر الصاخب الفتيّ، الذي ينبع من سويداء صدره، وسيصبّ في جبل الزيتون، أو في الساحل الأرجوانيّ الكنعاني، وحتى لا تجد امرأة ضرورةً لترداد ما قالته أمّ المصلوب الثاني، بأن الوقت آن وأزف لهذا الفارس كي يترجّل.

يا أيها الحُرّ! أنتَ الأن البلاد، وشعبك يتنفّس في ظهرك، أما الباقون فهم جوقة لكربلاء العتمة. فاصمد حتى ينتصر الموسم، وأكمل زينتك إلى أن نقيم السامر الكبير، وإنْ قطعوا نهرَك، وتآمروا على أن تجوع في غربتك الجديدة الثانية.