الكاتب : عيسى قراقع
ليلة خليلية ساخنة في بداية الثمانينيات، يوم آخر على طريق العنب والتراب الاحمر في قبضة الشهيد، كوفية ابراهيم الخليل، قنابل الموجوعين والمصلين في الحرم الشريف، صعود الدم من صخرٍ ومن جسدٍ ومن ايات الرحمن الرحيم.
اقرأ سورة الدبويا، اقرأ سيرتنا واكشط اسماءنا من الغياب ومن المدافن كي ترانا، واقرأ كيف انفجرت احلامنا وخرج الحي من الميت يوم قيامتنا، واقرأ البرق في كف السماء وما بناها، فدائيون خرجوا من بين الصلب والترائب، فتحاويون غسلوا الليل بالنهار والدم والبنادق .
اقرأ سورة الدبويا، اسمه عدنان جابر، يقطع النهر والشريان والنسيان، فيصير هو البحر والفيضان، الاسم والمسمى الهوية والتاريخ والذاكرة، هذه الارض لنا، وكانت عاصفة، وكان عرسا وزفافا ووردا وامطارا، نطق الماضي واشتعل الحاضر وعيا ومظاهرات وانتفاضات، هذه الارض لنا، فليذهب المستوطنون الغزاة الى اوهام التوراة والجحيم، انا ملك البلاد، انا ابن الارض وقراها وخرائبها وشوارعها ورائحتها، جبالها ووديانها واشجارها وينابيعها، انا عش الحمام الذي يذود عن بيته من كل افعى وقادم غريب.
اقرأ سورة الدبويا، الارض المحتلة وهي تتصدى لكل اشكال القمع والارهاب، الادارة المدنية، روابط القرى، نهب الارض، وبناء المستوطنات، العبرنة والتهويد والابعاد والتشريد وتشويه المكان، اقرأ باسم القيد والليل والزنازين والنوافذ الموصدة، اقرأ الوصية: لا يفل الحديد غير الحديد، فيا اخوتي: إن وريدي ذلّ يوما فاقطعوا مني الوريد.
اقرأ سورة الدبويا، عدنان جابر واخوته والخلايا الفدائية السرية، وفي كل بيت خلية، الرصاص والحب والاغنية، يهبطون الوديان، يصعدون الجبال، يضمدون جراحهم بالندى، يشربون حليب الليل الذي لا ينام.
اقرأ عن عدنان جابر الذي اغلق شوارع تل ابيب، هستيريا وجنون وابادة، واحسب ان غزة اخذت بارودها من صخور الخليل، هتاف اللحم البشري الجريح، شرعية الشارع والطين، نشيد الهوية الوطنية والكينونة، الدفاع عن حق تقرير المصير، واحسب ان كل الانبياء ولدوا في خيام اللاجئين.
اقرأ سورة الدبويا، معركة الخليل، رجال كسروا التردد والهزيمة، نار وطلقات ويوم جديد، لا صوت يعلو فوق صوت منظمة التحرير، رجال التحموا انتماء وارادة، ولا صوت يعلود فوق صوت الوطن قرارا واشتباكا وسيادة.
اقرأ سورة الدبويا، غضب في الخليل، غضب في السماء، فلسطينيون هبطوا من اعالي الشجر والاناشيد، من حقول الدوالي واغاني الرعاة، خرجوا من كل جسد وبيت وامنية، وكانوا يحلمون بمطلع الفجر والرصاص والحياة.
اقرأ عن عدنان جابر، دمه المتعدد والمتوزع على كل الجهات، الرجل الذي ازال الفارق بين الموقف والخندق، خرج منا الينا، دمه يستدرج قمر اريحا ويستدرجنا، حوّل الفرد فينا من مقاوم الى مقاومة، كان الشهيد وليس الشاهد، مهمة الطريق ان نواصل طريقه دون مقايضة.
اقرأ سورة الدبويا، وخذ من عدنان جابر ما يجعلك اقوى، قوة العمل وقوة الامل، وكان لا بد من بطل لتكبر الرؤيا، لا زال البطل فيك حيا، لا تستعجل الجنازة، ازدحمت القبور وتناثرت الاشلاء في غزة، قل انا حي، الموج لا ينكسر، ودولة الارهاب الصهيونية لا تستطيع ان تنام في قبري طويلا، شبحي يطاردهم الى اخر الدنيا.
اقرأ سورة الدبويا، التعذيب والسجن، الكرامة والحرية والاضرابات، وتعلم كيف تخترق الاسلاك والزمن الثقيل، وتعلم من عدنان جابر الصبر والصمود، القيم والوحدة والمعاني والحضور، وتعلم كيف تقطع النهر وتتسلق الجدار.
اقرأ سورة الدبويا، الطريق من الخليل الى غزة ليست بمعجزة، انها بمسافة صرخة الشهيد في الموت الذي لا يراه، وليست الطريق من جنين الى حيفا بمعجزة، انها بمسافة لاجئ حوله المخيم الى قنبلة.
اقرأ سورة الدبويا، حطّم الخوف وتقدم، انت المعادلة، وهؤلاء الطغاة خرجوا من عالم الانسانية الى عالم الجريمة والبشاعة، لا تضعوا عدنان جابر في التابوت، البطل لا يموت، خذوه الى مخيم الدهيشة، خذوه الى اي مدرسة ابتدائية، تجدوه هناك في الدرس والفكرة والنشيد الصباحي.



