الكاتب : شادي عياد
في السياسة قد تضطر الشعوب أحيانًا إلى الانحناء أمام العاصفة، وقد تضطر القيادات إلى امتصاص الصدمات وتأجيل المواجهات وتقديم بعض التنازلات التكتيكية حمايةً للمشروع الوطني من الانهيار الكامل.
لكن الكارثة تبدأ حين يتحول “الانحناء” من وسيلة مؤقتة إلى عقيدة دائمة وحين يصبح تجنب المواجهة أسلوب حياة، لا قراءة ظرفية لميزان القوى.
في الحالة الفلسطينية، لم تعد المعضلة في حجم الضغوط الإسرائيلية فقط، بل في الطريقة التي تعاملنا بها مع هذه الضغوط.
لقد انتقلنا تدريجيًا من محاولة تقليل الخسائر إلى التعايش معها، ثم إلى إدارة الهزيمة باعتبارها شكلًا من أشكال الحكمة السياسية.
صرنا نناقش أيّ الخسارات أقل ضررًا وأيّ التراجعات أكثر قبولًا وأيّ الإهانات يمكن احتمالها دون انفجار داخلي.
وفي النهاية… تبقى كلها خسارات.
الخطر الحقيقي ليس فقط فيما سلبه الاحتلال من الأرض والحقوق والسيادة بل فيما سُلب من داخلنا نحن.
فقد خسرنا الكثير من قدرتنا على الفعل وخسرنا أجزاءً مؤلمة من إرادتنا الجمعية وتآكلت ثقة الناس بجدوى السياسة، وبات المواطن الفلسطيني يشعر أحيانًا أن وطنه يُدار بعقلية الموظف القَلِق لا بعقلية المناضل المؤمن بحقه.
لقد أُضعفت قدراتنا بفعل الصراعات الداخلية الصغيرة والمصالح الشخصية الضيقة وحسابات بعض المتنفذين الذين ظنوا أن حماية مواقعهم أهم من حماية الوعي الوطني.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فحركة فتح التي وُلدت من رحم الاشتباك مع المستحيل، لم تكن يومًا حركة خوف أو تردد أو إدارة أزمات بلا أفق.
فتح التي حملت المشروع الوطني على أكتاف أبنائها لعقود، لا يمكن اختزالها ببعض قصار القامات الوطنية الذين يتعاملون مع التنظيم العظيم وكأنه شركة خاصة أو منصة نفوذ أو وسيلة لتصفية الحسابات وإقصاء كل صاحب رأي أو حضور أو قدرة على التأثير.
والأخطر من ذلك، أن بعض المتأقلمين مع الاحتلال ممن اعتادوا الحياة داخل المنطقة الرمادية بين الوطنية والمصلحة، حاولوا إقناع الناس أن الخضوع هو الواقعية وأن الصمت حكمة وأن الحفاظ على امتيازاتهم الشخصية أهم من الحفاظ على كرامة المشروع الوطني.
هؤلاء لم يكتفوا بإضعاف الحالة الفلسطينية، بل أساؤوا إلى الأمانة التي منحهم إياها الرئيس وخذلوا ثقة الشعب الذي ظن يومًا أن بعض الوجوه التي تصعد إلى المشهد تحمل همّه الحقيقي.
لكنهم مع الوقت تحولوا إلى طبقة تعيش على إدارة الأزمة لا حلّها، وتتقن فن التكيّف مع الضغوط أكثر مما تتقن الدفاع عن حقوق الناس وكرامتهم الوطنية.
هؤلاء لا يمثلون روح فتح.
ولا يشبهون تاريخها.
ولا يشبهون ذلك الجيل الذي صعد الجبال وعبر المنافي ودفع أعمارًا كاملة كي يبقى القرار الوطني الفلسطيني مستقلًا.
المؤلم أن بعض من تصدروا المشهد في السنوات الأخيرة لم يكتفوا بإضعاف الإرادة الوطنية، بل عملوا — بقصد أو بجهل — على تعميم ثقافة الصمت، وكأن الوطنية الحقيقية تعني ألّا ترى وألّا تعترض وألّا تغضب وألّا تسأل.
لكن الشعوب لا تُبنى بالصمت.
والحركات الوطنية لا تحيا بالخوف.
والتنظيمات الكبرى لا يحميها المنافقون، بل يحميها أولئك الذين يملكون شجاعة النقد وصدق الانتماء.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر هو أن تخاف من أبنائها أكثر مما تخاف من خصومها.
وحين تصبح الكفاءة تهمة والحضور عبئًا والصدق إزعاجًا… يبدأ التآكل الحقيقي من الداخل.
ونحن هنا لا نكتب من باب تسجيل المواقف، بل لأننا نؤمن أن الصمت الطويل يقتل الحركات الوطنية من داخلها.
نحن نقول بوضوح إننا لن نستسلم لهذا الواقع ولن نقبل أن نُدفع إلى هامش المشهد وكأننا غرباء عن تاريخ صنعناه بعرق المناضلين ودماء الشهداء وتعب المؤمنين الحقيقيين بفلسطين وفتح والمشروع الوطني.
سنقول كلمتنا مهما حاول البعض مصادرتها.
وسنضرب على الطاولة حين يصبح الصمت شراكة في الخطأ.
وسنبقى نواجه كل من اختطف نضال الناس وحاول تحويل الحركة إلى مزرعة مغلقة تُدار بالعلاقات والمصالح والخوف من كل صاحب حضور أو رأي أو قدرة على التأثير.
وهذه ليست لغة غضب فقط، بل رسالة واضحة لمن ظنوا أن فتح يمكن أن تُختزل بهم، أو أن أبناءها الحقيقيين قد تعبوا أو صمتوا إلى الأبد.
نحن قادرون… وقادمون… وأنتم تعلمون ذلك جيدًا.
ومع ذلك، فإن فتح ما زالت تملك القدرة على النهوض.
لأنها ليست مجموعة أفراد وليست رهينة أسماء عابرة، بل حالة وطنية عميقة متجذرة في وجدان الشعب الفلسطيني.
وفي داخلها ما زال هناك رجال ونساء يؤمنون أن الحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود قادرة على تجديد نفسها واستعادة روحها والانتصار لإرادة أبنائها لا لمصالح المنتفعين منها.
إن أكثر ما نحتاجه اليوم ليس الخطب ولا الشعارات ولا إدارة الوقت الضائع.
إن أكثر ما نحتاجه هو الإرادة.
الإرادة التي تعيد للإنسان الفلسطيني ثقته بنفسه.
الإرادة التي تعيد لفتح مكانتها الطبيعية كحركة تحرر وطني لا كإدارة بيروقراطية مرهقة.
الإرادة التي تقول إن الانحناء قد يكون تكتيكًا مؤقتًا… لكنه لا يمكن أن يكون قدرًا دائمًا لشعبٍ أنجب كل هذا التاريخ.
فإنّا إن أردنا… استطعنا.



