الكاتب : الدكتور وائل زقوت
إن الدمار الذي لحق بغزة، والحرب الاقتصادية والهجمات الهمجية العنيفة في الضفة الغربية، والتحولات الأوسع في النظام الدولي، بما في ذلك الحرب الإقليمية الجارية في الشرق الأوسط، قد أفضت إلى إعادة تشكيل إقليمي عميق يتطلب مراجعة جادة للمشروع الوطني الفلسطيني. ومن المرجح أن تؤدي الحرب المستمرة في الشرق الأوسط إلى تغيرات أخرى في موازين القوى والتحالفات، ونتيجة لذلك قد لا تبقى فلسطين في مركز الاهتمام السياسي الإقليمي كما كانت في السابق في ظل بروز أولويات متنافسة عديدة.
يتعين على القيادة الفلسطينية الإدراك أن النهج السلبي أو التغييرات الجزئية التدريجية القائمة على توافق هش لم تعد مجدية، فهناك خطر حقيقي يتمثل في تهميش المشروع الوطني الفلسطيني أكثر، وربما حتى نسيانه، خلال موجة إعادة التشكيل الإقليمي المقبلة.
تقدم هذه الورقة إطاراً مقترحاً لإعادة تموضع القضية الفلسطينية في هذه المرحلة الصعبة، وإعادة تسليط الضوء عليها من خلال عملية تهدف إلى تجديد منظومة الحكم الفلسطينية، بما يعيد بناء الثقة بالقيادة لدى المواطنين والشركاء الإقليميين والدوليين على حد سواء. ويهدف هذا الإطار إلى خدمة الشعب الفلسطيني بشكل أفضل، واستعادة المصداقية، وتهيئة الأرضية لتحقيق تقرير المصير الحقيقي.
ويستند الإطار المقترح إلى محاور إصلاح سياسي ومالي وإداري، وإصلاح الحوكمة والقانون بما يعزز اللامركزية والتحول الاقتصادي. كما يدعو المقترح إلى إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني شامل يضم جميع مكونات المجتمع الفلسطيني، والعودة إلى الانتخابات، مما يفضي إلى بناء نظام دولة حديث يمثل الشعب الفلسطيني ويستجيب بفعالية لاحتياجاته.
المقدمة
إن الدمار الذي لحق بغزة، وتصاعد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، والتحولات في السياسات الإقليمية، كلها عوامل فرضت إعادة النظر في الفرضيات الوطنية الراسخة منذ زمن طويل. حيث يطالب المجتمع الدولي بشكل متزايد بقيادة فلسطينية موحدة وخطة إصلاح موثوقة، والأهم من ذلك أن الفلسطينيين أنفسهم يطالبون بالتغيير بعد سنوات طويلة من الجمود السياسي والانقسام الداخلي والمعاناة الاقتصادية والشعور المتزايد بالعزلة.
تشير المقترحات الأخيرة من الولايات المتحدة وأوروبا ودول عربية رئيسية إلى اتجاه واحد، يتمثل في إعادة توحيد غزة والضفة الغربية تحت حكومة فلسطينية شرعية واحدة، ولكن بعد تنفيذ إصلاحات جدية وذات مصداقية. كما تتحدث هذه المقترحات عن مسار يمكن أن يؤدي إلى تحقيق تقرير المصير الفلسطيني بعد تنفيذ جملة من الإصلاحات.
تمثل هذه اللحظة فرصة نادرة للتجديد الحقيقي للفلسطينيين إذا تم التعامل معها بوعي وطني تقوده الوحدة والوضوح والإحساس بالحاجة الملحة للتغيير، أما الانتظار فلم يعد خياراً قابلاً للاستمرار..
سياق الحوكمة
تم إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1993 كترتيب مؤقت كان من المفترض أن يستمر ثلاث سنوات فقط تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبعد ثلاثة عقود، لم تتحقق الدولة وما زال الفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي ضمن حكم ذاتي محدود.
تتكون البنية السياسية والقانونية الفلسطينية من ثلاث مؤسسات متداخلة: منظمة التحرير الفلسطينية، ودولة فلسطين، والسلطة الوطنية الفلسطينية. وتتشارك هذه الكيانات بالقيادة والميزانيات والمؤسسات مع فقدان الوضوح في الحدود بينها، مما أضعف الحوكمة، وقلل من المساءلة، وأوجد ارتباكاً في المسؤوليات وصنع القرار، وأثقل كاهل الموازنة العامة.
لم تُجرَ انتخابات فلسطينية عامة منذ عام 2006، وتآكلت ثقة المواطنين بالقيادة والمؤسسات العامة بشكل كبير. إضافة إلى ذلك، تم شغل العديد من المناصب الحكومية والأمنية العليا على أساس الولاء السياسي بدلاً من الكفاءة المهنية، مما أدى إلى تضخم الجهاز الحكومي وزيادة الضغط على اقتصاد هش أصلاً.
كما تُدفع رواتب العاملين الأساسيين مثل المعلمين والأطباء والممرضين وأفراد الشرطة بشكل جزئي وغير منتظم منذ سنوات، مما أدى إلى تدهور حاد في جودة وانتظام الخدمات العامة وزيادة فقدان الثقة بالمؤسسات.
يشعر المواطنون بشكل متزايد بأن النظام السياسي لم يعد يعمل لصالحهم، وأنهم بعيدون عن القيادة السياسية وغير قادرين على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم، وذلك بالضرورة يعني أن مطلب التغيير يأتي من الشارع، وليس فقط من الخارج.
لماذا التجديد مهم ولماذا الآن
يعد التجديد ضرورياً وعاجلاً لسببين رئيسيين؛ الأول داخلي حيث فقد الشعب الفلسطيني ثقته بمؤسساته والحكومة التي لا تحظى بثقة شعبها لا تستطيع قيادة مشروع وطني أو التفاوض بفعالية من أجل مستقبله. أما السبب الثاني فهو عملي، إذ إن أي محاولة لإعادة توحيد غزة والضفة الغربية تتطلب نظام حكم فلسطيني حديث وشفاف وموثوق قادر على إدارة الأمن وإعادة الإعمار وتقديم الخدمات الأساسية. وقد تم التأكيد على هذه الحاجة في النقاشات الدولية الأخيرة، بما في ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشأن غزة.
إن التجديد ليس ترفاً، بل شرطاً للبقاء، وبدونه سيواجه المشروع الوطني الفلسطيني خطراً يزيد من التهميش في لحظة تتسم بمعاناة كبيرة وتحولات إقليمية عميقة.
المبادئ التوجيهية لبرنامج التجديد
يجب أن يستند أي برنامج للتجديد إلى مبادئ واضحة وعملية تحمي المصلحة العامة وتعزز الوحدة الوطنية، كما ينبغي أن يكون التجديد بقيادة فلسطينية تهتم بالأولويات الوطنية، مع ضمان دعم شعبي واسع، وأن يكون شاملاً وتشاركياً، يضم الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والنساء والشباب.
أي برنامج للتجديد يجب أن يعيد إحياء الحياة الديمقراطية من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وقضاء مستقل ونزيه، وإعلام حر واحترام حرية التعبير مع إعادة بناء الثقة بالمؤسسات من خلال الشفافية والمساءلة.
إضافة إلى ذلك، يتعين على برنامج التجديد وضع الدولة على مسار الاستقرار المالي، من خلال دفع الرواتب كاملة في مواعيدها، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع الفرص الاقتصادية خاصة للشباب والنساء.
إطار التجديد
تتمثل الرؤية في الانتقال من نظام مركب متأثر بالفصائل السياسية إلى نظام دولة حديث قائم على الديمقراطية وسيادة القانون والمساءلة والكفاءة المهنية.
ستبقى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، لكنها لن تكون جزءاً من هيكل الدولة ولن تمول من ميزانية الحكومة، فيما تصبح الإدارة العامة الحوكمة مسؤولية حصرية لمؤسسات الدولة.
يرافق ذلك ضرورة الاتفاق على معالم التجديد من خلال حوار وطني شامل، يحظى بدعم الأمم المتحدة، ويستند إلى أفضل الممارسات الدولية.
مسار التنفيذ: حوار وطني شامل
يشمل الحوار الوطني الشامل الأحزاب السياسية كافة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والنساء، والشباب، والأكاديميين، وممثلين عن مختلف فئات المجتمع. ويمكن الاستعانة بالأمم المتحدة لدعم هذه العملية وضمان النزاهة والمصداقية، كما يمكن الاستناد إلى الخبرات الدولية والاستفادة منها من خلال قيام ممثلين عن حكومات خاضت تجارب مماثلة بمراقبة العملية أو توفير تدريبات تقنية مسبقة للقائمين على الحوار الوطني.
تستغرق هذه الحوارات عادة من ثلاثة إلى ستة أشهر، وتفضي إلى خطة تنفيذية لمدة عام، تبدأ بصياغة دستور جديد وتنتهي بإجراء انتخابات وطنية.
محاور الإصلاح
١- الإصلاح السياسي وإصلاح نظام الحكم
منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ستخضع بحسب المقترح لعملية إصلاح يتم التوافق عليها في إطار الحوار الوطني. ومن القضايا الجوهرية التي ينبغي بحثها في هذا الحوار هي مسألة الإبقاء على النظام الرئاسي أو الانتقال إلى نظام برلماني.
بشكل أساسي، يجب العودة إلى الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية و العمل على عقدها خلال عام واحد من استكمال الحوار واعتماد دستور جديد. كما يجب تثبيت مواعيد الانتخابات في القانون وحمايتها من التدخلات السياسية، وإقرار يوم الاقتراع عطلة وطنية لتعزيز المشاركة الشعبية.
كما سيتحتم على الأحزاب السياسية الراغبة في المشاركة الالتزام بثلاثة مبادئ أساسية: وجود حكومة واحدة بمرجعية أمنية موحدة تحت سلطة الدولة؛ رفض جميع أشكال العنف؛ واحترام جميع الاتفاقيات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية.
٢- إصلاح العلاقات بين مستويات الحكم
يجب تقريب الحكومة من المواطنين، من خلال تمكين الهيئات المحلية من تولي مسؤوليات أكبر في تقديم الخدمات، بما يشمل التعليم، والشرطة المدنية، والخدمات الاجتماعية، وإدارة المرور.
ولتحقيق ذلك، ينبغي تمكين الهيئات المحلية من الوصول إلى موارد مالية كافية، بما في ذلك الضرائب المحلية وحصة محددة من الإيرادات الوطنية مثل ضريبة القيمة المضافة. ويتم تحديد توزيع الصلاحيات والإيرادات من خلال الحوار الوطني، استنادًا إلى تحليل دقيق وتجارب دولية.
٣- الإصلاح المالي
النموذج المالي الحالي غير قابل للاستدامة، إذ تستنزف الرواتب والمخصصات والتقاعد على الجزء الأكبر من الموازنة. وتشير المقارنات الدولية إلى أن فاتورة الأجور في الحالة الفلسطينية تفوق بكثير ما هو متوقع لاقتصاد بهذا الحجم، مما يتطلب تركيز الإصلاح على خفض الإنفاق المفرط خاصة في القطاع الأمني، حيث أدت الهياكل المتداخلة وتضخم الرتب إلى أعباء مالية كبيرة. إضافة إلى ذلك، ينبغي مواصلة إصلاحات التقاعد والأجور وفق الالتزامات القائمة، بما في ذلك برنامج عام 2024 مع المفوضية الأوروبية.
من المهم أيضاً لتحقيق الإصلاح المالي هو فصل موازنات منظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب السياسية عن موازنة الحكومة التي يتم تمويلها من أموال دافعي الضرائب الفلسطينيين.
إضافة إلى ذلك، يتطلب بروتوكول باريس الذي ينظم الترتيبات الضريبية مع إسرائيل مراجعة شاملة، إذ يسمح النظام القائم بحجز متكرر للإيرادات الفلسطينية دون وجود آلية عادلة وواضحة لتسوية النزاعات، ما يخلق حالة مزمنة من عدم الاستقرار المالي.
٤- الإصلاح الإداري وإصلاح القطاع العام
يجب أن يصبح القطاع العام أكثر كفاءة ومهنية وخضوعًا للمساءلة، ويتطلب ذلك فصلاً واضحًا بين القيادة السياسية والوظائف الإدارية أي أن معظم المؤسسات ينبغي أن تعمل ضمن هيكل حكومي موحد وواضح.
كما يجب تبسيط هياكل الخدمة المدنية، بحيث تعتمد التعيينات والترقيات على الكفاءة والأداء، وليس على العلاقات الشخصية أو الانتماءات الحزبية، وينبغي إسناد قيادة ديوان الموظفين العام إلى شخصية مهنية مرموقة وغير مسيّسة.
٥- الإصلاح القانوني والحريات
يجب أن يعزز الإصلاح استقلال القضاء، وأن يكفل الحماية الكاملة للحريات العامة، بما في ذلك حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي، إضافة إلى ضرورة حماية الإعلام الرقمي ومنظمات المجتمع المدني، وتمكينها من العمل بحرية ضمن إطار قانوني واضح. العديد من هذه الإصلاحات منصوص عليها بالفعل في الاتفاقيات مع الشركاء الدوليين، ويجب استكمالها ضمن إطار زمني محدد.
٦- التحول الاقتصادي
لا يمكن لاقتصاد حديث أن يتطور دون سيطرة أكبر على الحدود، والنظام الضريبي، والوصول إلى الأراضي والموارد، خاصة في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، لذلك يجب أن يكون هناك مسار سياسي يقود عملية الحصول على السيطرة الكاملة على المعابر والحدود بالتوازي مع عملية التنمية الاقتصادية.
كما يتعين على القطاع الخاص قيادة عملية النمو الاقتصادي، فيما يقتصر دور الحكومة على توفير البيئة التمكينية، بما يشمل الاستثمار في البنية التحتية، والطاقة، والمياه، والاتصالات، والتدريب المهني، إلى جانب تبني سياسات جاذبة للاستثمار المحلي والدولي.
٧- التنمية البشرية
تشكل قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية ركائز أساسية في بناء الدولة، بحيث يركز إصلاح التعليم على تعزيز العلوم والتكنولوجيا والتفكير النقدي، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والتاريخ الفلسطيني. كما تتطلب المدارس تحسين البنية التحتية، ويحتاج المعلمون إلى تطوير مهني مستمر، ويمكن تعزيز التعليم العالي من خلال دمج المؤسسات في عدد أقل وأكثر قوة، مع تركيز أكبر على البحث العلمي والأولويات الوطنية.
أما إصلاح القطاع الصحي، فينبغي أن يستهدف إنشاء نظام تأمين صحي وطني موحد يغطي جميع المواطنين عبر مقدمي الخدمات من القطاعين العام والخاص، مع إمكانية أن تكمل شركات التأمين الخاصة ومقدمو الخدمات الصحية الخاصة هذا النظام لتعزيز الجودة وتوسيع الخيارات.
وفيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، فيجب توحيدها ضمن نظام وطني واحد يتسم بالشفافية والعدالة، ويستند إلى معايير استحقاق واضحة، بحيث يتم توجيه الدعم إلى الأسر وفقًا لاحتياجاتها ضمن إطار وطني متماسك.
الفوائد المتوقعة
يساهم هذا المقترح في استعادة شرعية المؤسسات الفلسطينية وتعزيز الثقة بين المواطنين والحكومة، كما يعزز مصداقية السلطة الفلسطينية أمام الشركاء الدوليين، وسوف يؤدي إلى زيادة الدعم السياسي والمالي. كما يمكن أن يسهم في إعادة دمج قطاع غزة ضمن إطار الحكم الفلسطيني، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية على المدى المتوسط
الخاتمة
في الشهر المقبل، ستعقد حركة فتح مؤتمرها العام الثامن، وبصفتها القوة السياسية الأكبر في فلسطين، والفاعل الأبرز في نظام الحكم، فهي الجهة الوحيدة القادرة على إحداث تغيير حقيقي والحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني. رغم حالة التراجع في الثقة لدى الفلسطينيين بحركة فتح وما أحدثته إدارتها للحكم من غياب للشفافية والمحاسبة وانتقال السلطة وتعزيز الديمقراطية، إلا أن فتح كحركة سياسية واجتماعية قادرة على خلق حالة تجمع كل أطياف الشعب الفلسطيني، وذلك لما تتمتع به من وسطية فكرية وقدرة على الانفتاح.
وسيسجل التاريخ ما إذا كانت فتح، التي قادت الحركة الوطنية لعقود، ستنهض من جديد لقيادة السفينة الفلسطينية إلى بر الأمان في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً وصعوبة في تاريخنا، أم أنها ستختار الانعزال عن الواقع والشعب وتفشل في ذلك، ليكتب التاريخ أن فتح كانت على رأس القيادة حين اجتاحت العاصفة السفينة وأغرقتها.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق قيادة فتح وكل من يشارك في هذا المؤتمر، لوضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، والتحلي بالشجاعة والنزاهة التي تفرضها هذه اللحظة، والتي يستحقها شعبنا الفلسطيني العظيم.
*وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني السابق



