حين يُذكر النثر العربي في عصره الذهبي، يبرز اسم أبي عثمان عمرو بن بحر، الملقب بالجــاحــظ، كعلمٍ لا يُغفل .
ويُعد كتابه←"البيان والتبيين" أحــد الأركان التي قامت عليها المكتبة العربية، ومرجعاً أساسياً لفهم تطور الفكر البلاغي والنقدي.
لـــكن، ما هو تحديداً هذا الكتاب الذي خلد اسم صاحبه؟ ولماذا يُعتبر الجــاحــظ بحق "رائد البيان"؟
يُلقي عنوان الكتاب نفسه ضوءاً كاشفاً على محتواه؛ فـ"البيان" هو الإفصاح والوضوح في التعبير، و"التبيين" هو الإيضاح والكشف عن المعنى المقصود.
لم يقصد الجــاحــظ مجرد جمع قواعد للخطابة أو فنون القول، بل انطلق في رحلة استكشافية موسوعية حول ماهية التواصل الإنساني بكل أبعاده.
إنه يبحث في القدرة على الفهم والإفهام، ويعتبر أن أي وسيلة تحقق هذا الهدف هي "بيان"، حتى لو كانت صمتاً بليغاً أو إشارة دالة.
يضع الجــاحــظ بنفسه حجر الأساس لهذا المفهوم الواسع في قوله الشهير:
"والبيانُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ شيءٍ كشفَ لكَ قناعَ المعنى، وهتكَ الحُجُبَ دون الضّميرِ، حتّى يُفضيَ السّامعُ إلى حقيقتِه، ويَهجُمَ على محصولهِ، كائناً ما كانَ ذلك البيانُ، ومن أيِّ جنسٍ كانَ ذلك الدّليلُ؛ لأنَّ مدارَ الأمرِ والغايةَ التي يَجري إليها القائلُ والسّامعُ، إنّما هو الفهمُ والإفهامُ، فبأيِّ شيءٍ بلغتَ الإفهامَ، وأوضحتَ عن المعنى، فذلك هو البيانُ في ذلك الموضعِ."
←(المصــدر: كتــاب البــيان والتبــيين، ج1، ص 75-76)
هذا الفهم العميق والشامل هو ما يجعل الجــاحــظ رائداً بحق؛ فـلقد كان من أوائل من أفردوا مؤلفاً ضخماً ومنظماً – رغم استطراداته الشهيرة التي هي جزء من سحره – لدراسة ظاهرة البيان والبلاغة، لا من منظور لغوي فحسب، بل من منظور فكري واجتماعي ونفسي أيضاً.
جمع مادته من مصادر شتى: من القرآن والسنة والشعر والخطب والأمثال وأخبار الناس، ومن ملاحظاته الشخصية الدقيقة، مقدماً للقارئ بانوراما واسعة للثقافة العربية الشفهية والكتابية.
أسلوبه في الكتاب نفسه يُعد تطبيقاً لمفهوم "البيان" الذي يدعو إليه؛ فهو يجمع بين دقة اللفظ، وسعة المعرفة، والقدرة على التحليل، ولمسة من السخرية والظرف التي تجعل القراءة متعة فكرية لا تضاهى.
ولم يمر هذا العمل الضخم مرور الكرام على مر العصور. فقد أجمع الباحثون والنقاد على أهميته الاستثنائية.
اعتبروه المنبع الذي استقت منه دراسات البلاغة العربية اللاحقة الكثير من أصولها ومصطلحاتها. وأشادوا به كونه موسوعة ثقافية حفظت لنا نصوصاً ووقائع لا تقدر بثمن عن حياة العرب الفكرية والاجتماعية.
,يقول الدكتور شوقي ضيف معلقاً على مكانة الكتاب:
"وهو كتاب ليس له نظير في تُراثنا القديم ولا الحديث، إذ استطاع فيه الجاحظ أن يجمع أشتاتاً متفرقة في البيان العربي خطابةً وشعراً ورسالةً وحكمةً ومثلاً" ".
وحتى سمة "الاستطراد" التي انتقدها البعض، رأى فيها آخرون، كالدكتور إحسان عباس، ميزة تعكس غنى ثقافة المؤلف وقدرته على الربط بين مختلف فروع المعرفة، مما يجعل الكتاب أشبه ببستان متنوع الثمار.
أمـا في ختام موضوعنـا فـ يظل "البيان والتبيين" أكثر من مجرد كتاب في البلاغة؛ إنه شهادة على عبقرية الجــاحــظ، وتأمل عميق في جوهر التواصل الذي يشكل قوام الحضارة الإنسانية؛ فـقراءته اليوم ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي حوار ممتد مع عقل فذ حول قضايا الفهم والتعبير التي لا تزال تشغلنا حتى اللحظة -



