ثقافة

الوجودية وصراع الرواية

11 مشاهدة
الوجودية وصراع الرواية

الكاتبة : سهير سلامة 

قلما نجد ذاكرة بلا تاريخ، وذاكرة الإنسان الفلسطيني، ليست مجرد تواتر أحداث، بل هي نسيج حي، يتنفس في لحظات الاجتماع العائلي، في الشوارع المهجورة، وفي النصوص التي ترفض النسيان. 

الذاكرة في فلسطين، ليست محلا محايدا للتخزين والاتصال، إنها رئة جماعية تعمل من دون توقف، تتنفس ذكريات الرحيل والاقتلاع، وتخرج في كل دورة هواء صورا، أسماءا، وأماكن لا تريد أن تمحى، هذه الذاكرة تشبه كتابا مقوس الصفحات، كل صفحة فيها مطوية، معلبة، بعضها واضح من حروفه، وبعضها مغلف بالكبت. أما الرواية فهي ذراع تمتد لتأخذ من هذه الذاكرة زمنا جديدا، ذراع تقاوم التقادم وتختبر حدود الممكن السردي.
في مواجهة النسيان، الرواية الفلسطينية تقف كفعل تأريخي وشعري في آن واحد،  لا يكفي تسجيل الحدث التاريخي أو تكرار سنوات على صفحات العابرين، فالرواية تستثمر في التجربة الحسية للفرد والمجتمع، تحول الحزن والحنين والعنف والضحك إلى سرد، يتحرك داخل أروقة اللغة. من هنا يبدأ صراع الرواية، ليست مع الحقيقة التاريخية فقط، بل مع امتلاك الحقيقة، مع سلطة التمثيل، ومع من يحق له أن يعبر الصراع على الصوت الراوي، فهو ليس نزاعا أدبيا بحتا، إنه سياسي وجودي.. من يروي فلسطين؟ من يقول إن هذا الحدث هو ذاكرة مشروعة بينما ذلك يقلل من شأنه؟ من يمنح تفاصيل الحياة اليومية حقها؟

الصراع على الشكل ..

الرواية تختبر دائما في أشكالها، الخطاب الواقعي، التجريبي، السرد متعدد الأصوات، الاستعارة الأسطورية، وحتى التجريد النثري. كل شكل يسعى لأن يعطي للذاكرة نافذة خاصة بها... الواقعية قد تبدو الأقرب للمشهد السياسي، سرد يقارب الحدث كما وقع، يحاول أن يسجل الاحتمال التاريخي. لكن الواقعية وحدها لا تكفي لالتقاط تجليات الألم، فقد تظل سطوحا جامدة... من ناحية أخرى، يمنح الشكل التجريبي قدرة، على اختراق الرغبة في النسيان، اللعبة الزمنية، التفكيك اللغوي، أو المزج بين الحلم واليقظة، يمكنها أن تخلق مقاربة أعمق لمعنى الفقد.
هنا يبرز صراع داخلي، هل تنجح الرواية حين تتبنى قواعد سردية عالمية لتصل لجمهور أوسع، أم حين تجرب أنماطا محلية جديدة تعكس الحس الفلسطيني بعبارات تبدو غير مألوفة.

الصراع على اللغة ..
اللغة الفلسطينية ليست مجرد لهجة متكلمة، بل هي حاملة وناقلة لهوية، نظام إشارات، ومخزون صور. في الرواية، تصبح اللغة ميدانا للصراع،  بين الانجذاب إلى لغة رسمية تعطي القصة حضورا بين القراء الأوسع، وبين التمسك بالعربية المحلية والعرقية التي تحمل طبقات من المعنى لا تترجم بسهولة. 
ولأنّ الرواية في كثير من الأحيان تستهدف جمهورا خارج حدود الوطن، يظهر تناقض اخر، هل يجب أن تضبط اللغة لتستسهلها الثقافة العالمية؟ أم أن الحفاظ على تلهب اللغة المحلية هو فعل مقاومة؟ الكثير من الكتاب الفلسطينيين أقاموا جسورا متعددة، استعملوا السرد العربي الفصيح المليء بالعناصر المحلية، أو ضمنوا لهجتهم في نص فصيح متماسك، أو اخترقوا نصوصهم باللغات الأخرى كأدوات للتضاد والتمثيل.

الصراع على الزمن ..
الذاكرة الفلسطينية تستبطن أزمنة متعددة، هناك زمن ما قبل النكبة، زمن الرحيل، زمن الشتات، زمن المقاومة، وزمن الحياة اليومية تحت احتلال..
 الرواية تتحمل عبء أن تعيد توظيف هذه الأزمنة بطريقة لا تجعلها مجرد تواريخ في جدول، بل تجارب متراكبة تعيش في نفس اللحظة السردية. الكتاب يواجهون عبء ربط كل حدث بخط سردي واحد، لكن الحياة الفلسطينية تعلم علم اليقين، أن الذاكرة تتحرك بشكل دائري وخطي في ان واحد، ربما تكون الحكاية عن بيت تهجرت منه أسرة عام 1948، هي نفسها حكاية طفل يولد في مخيم اليوم، وأن التمثيل السردي لهذه العلاقة يحتاج إلى تجارب بنيوية وتقنية.

الرواية الفلسطينية ليست موحدة في صوتها، هناك اختلافات طبقية، جغرافية، أيديولوجية، ودينية.. كل هذه الفوارق تطرح سؤالا أي ذاكرة تمثل الواقع، هي ذاكرة زاخرة بأساطير حية، قصص الأجداد، حكايات القرى المندثرة، وأساطير المقاومة... الرواية تستدعي هذه الأساطير لتمنح النصّ قوة رمزية، لكنها تقريبا دائما تواجه لزوم التوثيق، سرد حدث بصيغة أسطورية قد يعزز مناعة الهوية لكنه قد يخفي تفاصيل تاريخية تحتاج إلى فحص.. وهنا يأتي دور الرواية الدقيقة في استخدام الأسطورة كأداة تأويل، لا كبديل للوقائع.

المكان كراوية ..

المكان في الذاكرة الفلسطينية ليس خلفية، بل هو راو آخر... الدروب، البيوت، الحارات، والجبال ليست مجرد مشاهد، هي حاملات ذاكرة. الرواية التي تفهم المكان بهذه الطريقة تصنع لغة سردية تختلف عن السرد العالمي الذي يركز على الفاعل الفردي. 
في فلسطين، المكان يطالب بأن يحكى، وأن يأخذ مساحته في النص، وأن يعاد تشكيله مع كل قراءة.

في القرن الحادي والعشرين، صارت الذاكرة تتجسد أيضا بصريا ورقميا، أرشيفات الصور، تسجيلات صوتية، وشهادات رقمية تدفقت عبر الشبكات.. هذا التحول يطرح سؤالا جديدا للرواية، كيف تتعامل مع مادة بث الزمان الحي، الذي لا يعود فقط إلى صفحات الورق.. بعض الروائيين يوظفون الصور والخرائط والوسائط المتعددة داخل نصوصهم، ما يوسع إمكانيات الصراع،  الرواية باتت تتنافس مع أرشيفات بصيغ جديدة، ومع قدرات التلاعب بالصور والمعلومات.

الخلاصة الحيوية ..

صراع الرواية مع الذاكرة الفلسطينية ليس صراعا على الحقيقة وحدها، بل هو صراع على شكل الوجود، كيف ستقف الذاكرة أمام الزمن؟ كيف ستروى كي تبقى؟ الرواية هنا ليست مجرد سرد فقط، إنها عملية تحويل، اختيار، ورفض. هي قرار لما يقال وما يترك. وبالنهاية، ربما يكمن الحل في تعدد الأصوات.. رواية ليست واحدة، بل تعددية سردية تسمح لكل ذاكرة أن، تتحرك، وتعيد تشكيل نفسها عبر النص، عبر التاريخ، وعبر المكان.
مثال رمزي، امرأة مسنة تحكي لطفل عن بيت طردت منه.. الطفل يسمع القصة كخرافة، يذهب لاحقا ليشتري خريطة المدينة ليجد الشارع غير موجود.. الرواية هنا ستسأل هل نثبت موقع البيت على الخريطة أم نقدم الخريطة كشيء لازم أن يتغير؟ الإجابة ليست عملية رصد فقط، بل لبنة في بناء الذاكرة.

وفي النهاية، فان الرواية الفلسطينية، في صراعها مع الذاكرة، تبقى تبتكر طرقا لتكون مرآة حية، لا مرآة نسيت على رف التأريخ، بتعدد الأصوات، بتنوع الأشكال، وبإعادة تسكين المكان في النص، تواصل الرواية أداءها كمخزن للذاكرة ومحرك للحياة. الصراع هنا ليس فقط في مظاهرة، او فعل، بقدر ما انها كلمة ترفض أن تتبدل إلى صدى فارغ.

*مراسلة "واثق نيوز" في شمال الضفة