الاخبار الرئيسية

المجاعة تتوسع بصمت في قطاع غزة مع تواصل القيود الاسرائيلية على ادخال الغداء والدواء والوقود

59 مشاهدة
المجاعة تتوسع بصمت في قطاع غزة مع تواصل القيود الاسرائيلية على ادخال الغداء والدواء والوقود

غزة - واثق نيوز- يشهد قطاع غزة تراجعاً واضحاً في عدد شاحنات المساعدات الإنسانية، فضلاً عن توقف نشاط العديد من المؤسسات الإغاثية الدولية، ما يجعل المشهد الإغاثي على حافة الانهيار، خصوصاً داخل مخيمات الإيواء، نتيجة شح إمدادات الغذاء والمياه، في واقع يصفه الأهالي بأنه يشبه "مجاعة صامتة" يعيشون تفاصيلها يومياً.

في منتصف مايو/ أيار الماضي، أعلن المطبخ المركزي العالمي تقليص عدد وجباته اليومية في قطاع غزة بنسبة 80%، ما أدخل آلاف العائلات الفلسطينية التي تعتمد على تلك الوجبات بمجاعة حقيقية، لتتعمق الأزمة الإنسانية في القطاع، في حين تظهر التقديرات أن 1.6 مليون شخص، أي ما يقارب 77% من السكان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. وتُظهر البيانات المتعلقة بشاحنات المساعدات تراجعاً واضحاً، إذ دخلت خلال الأشهر الخمسة الماضية 14,286 شاحنات مساعدات، و13966 شاحنة تجارية، و1225 شاحنة محروقات، في حين كان من المفترض دخول قرابة 45 ألف شاحنة مساعدات وفق التفاهمات التي تنص على إدخال 600 شاحنة يومياً.

يؤكد المدير العام في وزارة الاقتصاد، محمد بربخ، أن الاحتلال يمارس تضييقاً على المؤسسات الدولية، يشمل تخفيض عدد شاحنات المساعدات، وتشديد إجراءات التحقق من بيانات العاملين، ومن كشوف المستفيدين، وطبيعة السلع، وفي بعض المناطق يحدد جغرافيا العمل، ويمنع مؤسسات من التوجه إليها بحجة أنها مناطق خطرة. ويوضح بربخ لـ "العربي الجديد" أن "هناك محدودية في إدخال شاحنات المساعدات، وتذبذبا في الكميات، ومن مؤشرات التراجع انخفاض عدد شاحنات الإغاثة شهرياً، ففي شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، دخلت 4295 شاحنة، ثم بدأ المعدل بالانخفاض، وفي فبراير/ شباط الماضي، دخلت غزة 2814 شاحنة، وفي مارس/ آذار، دخلت 2545 شاحنة، وفي إبريل/ نيسان الماضي لم تدخل سوى 2189 شاحنة، وفي مايو بلغ عدد الشاحنات التي دخلت إلى القطاع  2443. هذا التراجع الملحوظ يزيد الأوضاع المعيشية سوءاً، إذ إن 80% من أهالي غزة يعتمدون على المساعدات".

ورغم استمرار إدخال بضائع تجارية، فإن الظروف المعيشية الصعبة تجعل عشرات الآلاف من أهالي غزة غير قادرين على شراء تلك المنتجات نتيجة أسعارها الباهظة بسبب التنسيقات المفروضة على السلع. على الأرض، تظهر الكارثة بوضوح أمام نقاط بيع الخبز المدعوم من برنامج الغذاء العالمي، إذ تصطف طوابير بمئات الأفراد للحصول على ربطة خبز، وكذا على شاحنات توزيع المياه التي يحدث أمامها فوضى متكررة نتيجة النقص الحاد في إمدادات المياه، وكذلك الحال في التدافع أمام التكيات الخيرية المتبقية.

داخل مخيم إيواء في غربي مدينة غزة، حيث السواد الناجم عن النار يكسو الأسقف والجدران، كان المسن وائل شلح يجلس على مقعد داخل ممر مدرسي، وإلى جانبه كانت زوجته تحاول إشعال الموقد لإعداد وجبة طعام، فيما كانت كنة العائلة تحاول إعداد وجبة أخرى، بينما ينتظر نحو 15 فرداً غالبيتهم أطفال، وجميعهم يعيشون داخل صف مدرسي واحد. يقول شلح لـ "العربي الجديد": "نعيش في مأساة داخل مخيمات الإيواء، ولك أن تتخيل كيف يعيش أكثر من 20 فرداً داخل غرفة واحدة، كما لا تتوفر مساعدات إلا ما يقدمه برنامج الغذاء العالمي شهرياً، وهو عبارة عن كيس طحين وطردين تموينيين. أبنائي لا يعملون، وبالتالي لا يوجد دخل لشراء الطعام أو حتى الدواء". وتقول زوجته نعمة شلح، فيما تتابع النار لإعداد الطعام: "كنا نعتمد على المساعدات في ظل انقطاع الدخل. الآن حالة متردية للغاية، ونعيش على دخل متقطع لأبنائي، وبالكاد نستطيع توفير الطعام اليومي".

داخل خيمة أخرى في مركز الإيواء، تعيش المسنة ريحانة صرصور، ورغم معاناتها من أمراض مزمنة، وحاجتها المنتظمة إلى الدواء، إلا أنها لا تحصل على مساعدات صحية.

 تقول لـ "العربي الجديد": "نفد الدواء قبل أيام، ولم أستطع شراءه حتى الآن لأنه غير متوفر في العيادات أو المستشفيات الميدانية نظراً لارتفاع سعره". وتزداد الأوضاع صعوبة داخل الخيام المنتشرة على الأرصفة وفي الطرقات.

تحاول المسنة شمعة الزربتلي هرس "قرن فلفل" لتناوله مع قطعة خبز على أنهما طعام الغداء، وتقول لـ "العربي الجديد"، بينما يحيط بها أحفادها: "الأوضاع صعبة، ولا نجد طعاماً نأكله تقريباً، فالتكايا توقف معظمها. لم تصلنا مساعدات منذ انتهاء شهر رمضان، بينما الموت والقصف في كل مكان. حصلنا على نصف كيلوغرام من اللحم المجمد خلال عيد الأضحى، لكنه لم يكفِ لإطعام أفراد العائلة، كما نعاني من تراجع واضح في إمدادات المياه، وشاحنة المياه تأتي إلى المخيم المجاور، وعندما نذهب لتعبئة المياه يحدث تدافع وفوضى، وأحياناً نعود من دون تعبئة غالون واحد".

من جانبه، يقول العضو الإداري في مخيم الكرامة غرب مدينة غزة، محمود السيد، إن "المؤسسة الإغاثية التي كانت توفر شاحنة المياه يومياً لنحو 2000 نسمة، خفضت كمية المياه للفرد من 15 كوباً إلى 5 أكواب فقط في اليوم، وهي كمية لا تكفي بالمرة"، ويضيف لـ "العربي الجديد": "هذا التقليص أدى إلى حالة من انعدام المساعدات منذ شهر رمضان، وبالكاد يحصل الفرد الواحد في المخيم على طرد غذائي لمرة واحدة شهرياً، فضلاً عن تقلص أعداد التكيات، وهناك أيضاً تقلص كبير بالمساعدات رغم أنه مطلوب زيادتها لتلبية الاحتياجات". ويؤكد السيد أن "التقليصات بدأت منذ شهر رمضان، ما يجعل الأوضاع صعبة للغاية. الأمور في السابق كانت أفضل، إذ كان النازح يستلم طرداً أو طردي مساعدات شهرياً، ومساعدات نقدية، بينما أوقفت ثلاث مؤسسات إنسانية أنشطتها داخل المخيم".

اضطرت النازحة إيمان جندية إلى إنشاء بسطة لبيع الحاجيات على رصيف الشارع الذي تقيم عليه خيمتها، وفيما كانت تمسكُ دفتراً لتدوين عمليات البيع، تقول لـ "العربي الجديد": "لم يصلنا سوى كيلو لحم مجمد خلال شهر رمضان، وبعدها لم يصلنا شيء. أنشأتُ البسطة لأن زوجي عاطل من العمل، وبالكاد نحصل على ربح زهيد لكنه مهم لمواصلة شراء الطعام".

الحال أصعب في مخيمات مواصي خانيونس، فقبل شهر توقفت تكية الطعام التي كانت تزود مخيم إيواء يسكنه النازح كريم الزبن، ما فاقم أوضاعه المعيشية. ويحكي لـ "العربي الجديد": "عائلتي صغيرة، وبعد توقف التكية بدأت استعمل الطرود التي حصلت عليها خلال فترات سابقة، وكنت أخبئها تحسباً لحدوث مجاعة. نطهو طعاماً بسيطاً، وأحياناً يمر اليوم من دون طهي. الأوضاع صعبة، وشاحنات المياه تأتي مرة أسبوعيًا". يعيل أحمد المغير سبعة أفراد إضافة إلى والديه وشقيقه، ويصف الأوضاع بأنها "موت بطيء"، قائلاً لـ "العربي الجديد": "لم يصلنا شيء سوى بعض معلبات الفاصوليا، نذهب يومياً إلى تكية لا زالت تعمل بعد توقف وجبات المطبخ العالمي لإحضار بعض الطعام، ولا نملك أي مصدر دخل، حتى أن زوجتي كان مقرراً لها عملية جراحية، ولم نجد 20 شيكل كي ندفع تذكرة العملية".

بدورها، تؤكد المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية، عزيزة الكحلوت، أن المجاعة تتوسع بصمت في القطاع، ليس فقط بسبب نقص الغذاء، وإنما نتيجة فقدان القدرة على الوصول إليه. وتقول لـ "العربي الجديد" إن "المشهد اليومي المتكرر في غزة هو مشهد الطوابير الطويلة للحصول على رغيف الخبز، فضلاً عن طوابير الحصول على الماء، وتوقفت العديد من التكايا الخيرية والمطابخ المجتمعية التي كانت تشكل شريان الحياة للآلاف من النازحين، مع ارتفاع أسعار السلع المتوفرة في الأسواق إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر".

تضيف الكحلوت أن "مؤشرات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والمرضى، تتزايد بصورة مقلقة، في ظل استمرار القيود على دخول الغذاء والدواء والوقود، الأمر الذي يجعل خطر المجاعة واقعاً ملموساً وليس مجرد تحذير مستقبلي. توصيف (المجاعة الصامتة) يعبر بدقة عن الأوضاع الحالية؛ فالموت لا يحدث فقط عبر القصف، بل أيضاً عبر الاستنزاف البطيء للقدرة على الحصول على الغذاء والمياه وبقية الخدمات الأساسية".

وبشأن توقف عمل المؤسسات الدولية، تؤكد الكحلوت أن "العديد من المؤسسات الإنسانية اضطرت خلال الأشهر  الماضية إلى تقليص عملياتها، أو تعليق أجزاء منها، نتيجة النقص الحاد في المساعدات والمواد الخام، ومنع دخول الوقود أو تقييده، إضافة إلى الصعوبات الأمنية واللوجستية، واستمرار القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات الإنسانية. انعكس هذا التوقف بشكل مباشر على الخدمات المقدمة للمواطنين، إذ خفّضت العديد من التكايا والمطابخ المجتمعية أعداد الوجبات، أو أوقفت عملها مؤقتاً نتيجة نفاد المخزون الغذائي".

وتواجه المؤسسات العاملة في قطاع المياه والصرف الصحي صعوبات كبيرة نتيجة شح الوقود وقطع الغيار والمواد التشغيلية اللازمة لتشغيل الآبار ومحطات التحلية. وترى عزيزة الكحلوت أن "هذه المعطيات تؤكد أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الغذاء، بل امتدت إلى قطاعات المياه والصحة والنظافة والإيواء، ما يهدد بانهيار أوسع في منظومة الخدمات الإنسانية. استمرار دخول المساعدات بنسبة لا يتجاوز 30% من الاحتياج الفعلي، إلى جانب تراجع عمل المؤسسات الإنسانية، سيؤديان إلى اتساع دائرة الفقر والجوع والعطش، ويضعان مئات الآلاف من الأسر في أوضاع إنسانيةخطرة، ما يتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي لضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل منتظم وكافٍ".

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية