الكاتب: د. طارق السلخي
في حارتنا الجميلة، كان يضيق بنا الزقاق عند انكسار الضوء بمقدار قبلة قبيل قرنة علية الحاج نمر المصلح رحمه الله، هناك .. حيث كانت تغّفو الصغيرات على صوت هدهدة الجدات المخملي، ونصحو نحن الصبية على دعوات الأمهات ممزوجة بصوت هديل الحمام المرقط والعصافير البلدية! هناك كُنّا نلعب تحت سقف السماء .. نطارد الفراش، ونتخذ من الغيمات المارة فوق حارتنا أراجيح محبة معلقة بالنجوم، نرفع أيادينا الصغيرة على المدى، نُتضرع إلى الله أن يمطرنا كرات وبنانير مزركشة نلعب بها ذات مساء.
كنا نتوسد العتبة العالية لبيت الحجة فضة، ونفترش بسطتها في ساحة الفرح الربيعي، نلعب لعبة "اليحيا" الغميضة، بينما تقفز البنات كالشنانير في لعبة "الحجلة" فنَمْلأُ الدُّنيا هوَىً وتغاريد عشق بريء، نصوغ فيه من أحلامنا لحن ناي، وأهازيج ميجانا، نذريها للريح كمواويل العتابا حفنة حفنة، على شبابيك الحارة الخشبية.
في كل مساء، تغرق حارتنا القديمة في رقة أصواتنا، نزقزق لهواً ينساب مع انحناء الشمس عصرا على أهداب عيون الصغيرات، يمشطن حرير أحلامهن بأنامل براءة الأطفال وطهر الزنابق ويطرزن فساتين فرح لرفيقة كبرت فجأة لتصير عروسا، فيتحلقن في ليلة صار قمرها بدرا يعانق قباب البيوت الحجرية المتلاصقة كالنون مقلوبة في صحيفة عتيقة.
في حارتنا الصغيرة كنا ننام تحت سقف السماء ونلتحف الندى لنصحو مع بواكير تشرين، فنفرح بمواكب الرجال وهم ينسلون فجرا للصلاة، تصدح حناجرهم بالتهليل مختلطا بصياح ديكنا الوحيد، والأقرب إطلاقاً من كل ديوك الحارة إلى المسجد الكبير.
نستقبل بلهفة غامرة كلهفة الأرض للمطرة الأولى، أول أيام موسم الزيتون، علي الحمدان على حماره يتبعه أبنه البكر بالسلم الخشبي الطويل، بينما تعبر جارتنا الحامل في شهرها السابع على رأسها سلة قش (الجونة) فيها مما يسر الله وجاد، تجر أصغرهم ويلحقها ثلاث تدرجوا في الطول يتسابقون مع الحمار، تعلو ضحكاتهم أخر الزقاق.
قبيل أن ينتهي الكبار من قطف زيتونة واحدة نبدأ كالقطط بالمواء، ونعلن بحياء أننا جعنا، يقول الحاج جميل - لم يكن قد حج بعد -: بعدما ننتهي من الزيتونة الثانية ونفرش للثالثة، سيكون الفطور، نتعجب لصبرهم، ونسترق لقيمات، حتى إذا إذ ما حان موعد الفطور المعلن، تحلقنا جلوس القرفصاء، حول صينية القش الملونة، تتخاطف أيادينا الصغيرة ما لذ وطاب، تسقط ذرة تراب وسط صحن اللبن البلدي فننظر في بعضنا باحثين عن الفاعل، بينما يرمقنا الحاج بنظرة لا تخلو من عتاب، يكبر اللون البني في نقطة ارتكاز البياض، وما تلبث حتى تغرفها أمي بلقمة متوسطة الحجم، لتنهي بذلك حالة الإرباك الذي خيم على المكان، نستدير بعيدا نحو "قرطلة" فيها مما تبقى من عنب خليلي من اليوم الفائت، بينما يقوم أخي الأوسط يبحث عن آخر حبة تين على الشجرة كانت قد نجت بأعجوبة، فبقيت على قيد الانتظار حتى أخر الموسم، هناك ينصب فخا تحتها عله يصيد طيرا من الوهم.
لا نسمع لأولاد عمكم صوتا، يقول الحاج أبو أحمد، محاولا إقناعنا بتقليل كمية الضجيج الذي كنا نفتعله، بينما "صلاة النبي" تشق الفضاء الرحب وهي تخرج عذبة منسابة من فم عمي الحاج محمد آمين، لم يعلم رحمه الله أنه زرع في قلوبنا غابات فرح وترانيم خشوع، وأن الحاجة فريدة تلك المرأة الرقيقة في مظهرها، الصلبة في نشاطها كالرجال وأكثر، كانت قد تركت في فم كل منا لعاب يسيل كلما تذكرنا صينية المجدرة مطرزة بالزيت، تلك التي كنا ننقض عليها في واد السحايل، تلك القطعة من القلب التي تركها الأخوين لتبقى حلقة وصل بينهما حتى الوفاة، فقد كانت أرض الواد شراكة.
هل ثمة أحدا أخبر الجار أبو حامد وهو على السفح المقابل لتعميرة المغارة، أننا حتى اليوم ما زلنا نتساءل: كيف جعل الشمس تشرق في كفيه، بينما تستطيع أن ترصد لمعان قرص الزعتر يقطر زيتا وهو يبتسم على ذراعه.
اليوم، نهرول من أمام محلقة أبو عادل هبوطا نحو فلافل أبو نظام إلى خلة الشرقية، هناك، أعنى تماما في الخلة تشكلت حلقات الدبكة، تمثلت في عنفوان الشباب السمر، وفرح اليعقوب يلوح بمحرمة مطرزة باسم الله، رائحة الحناء، عرق السحيجة، وغبار تطاير في سماء المكان ليلا، فضحه شريط الكهرباء الطويل الذي لف الحفلة بمصابيح تعلقت متتالية بألوان خضراء صفرا حمراء وبعضها غارق في البياض، تماما كما الياسمين، لا يعترف الضوء إلا بهذا الشيخ الجليل..
أتذكر طاسة الرعبة المزدانة بآيات من كتاب الله لا تتقنها إلا الحاجة صديقة، فكانت لها فعل الطبيبة الماهرة عندما يعز الأطباء في علاج ولد سقط من علِ.
أتذكر لمة الجارات تحت الدالية يرتشفن شاي العصر بالميرامية المعتقة، لا تأبه أي منهن بالوقت، ونسترق السمع لحديثهن ونحن نتعارك حولهن، فنلتقط كلمات لا نفهمها، كن يتركّن لنا كامل الحرية في مطاردة الفراش، لم يكن ذلك ممنوعا في تلك الأيام.
أين انتهى المطاف بحارتنا الحبيبة! أين ذهبت بيتوها الحجرية، اين الشقوق التي كان يزينها "القديح" ! من لوث ملامحها الجميلة بمكعبات الإسمنت الثقيلة! من سرق وجهها الملائكي وقص جدائلها الطويلة! أين العبهرة العظيمة والنخلة اليتيمة الباسقة في صحن دار محمود أبو زر عليه رحمة ربي وصلواته! تتزاحم الصور وتطاردني الأسئلة لتبقى الذاكرة مشرعة للريح.
أتذكرك اليوم يا حارتنا الجميلة، وأفتقد تلك الوجوه البريئة، والأنفاس الطيبة التي كانت تعطر المكان، أمام الدكان على قمة الهدد، على كراسي خشيسة شاهدة على عصر ما زال ماثلا : أسعد الشقور، إبراهيم الياسين، على الكليب، طالب الراجح، محمود أبو عيد وجميل السلخي ماذا قال "صوت العرب" هذا الصباح؟.
رغم أنها لم تعد تلك الحارة التي كبرنا في أزقتها، لقد غادرتها أرواحا ما زالت ترفرف في سمائها، فإن غابت وغابوا، فهي باقية في الذاكرة الجمعية لنا جميعا، ذلك الجيل الذي ركض على ترابها حافيا، إنهم أترابي الذين ما زلت أحبهم، جبريل النمر غسان العودة أحمد السكسك، بهجت اعليان وغيرهم كثير، ها نحن نروي حكايتها جيلا بعد جيل، لتبقى حية في قلوبنا وعقولنا بلا أقنعة مزركشة، ولا حياة افتراضية خادعة. "فمن يملك حكاية الأرض يرث أرض الحكاية"
مهما كبرنا تظل أحلامنا صغيرة، وليتنا ما زلنا صغارا كما كُنّا، لتبقى حارتنا كما نتمنى دائما أن تكون!!
محبتي التي لا تشيخ!!



